(الجزء الأول) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي لا تحصى آلاؤه بتحديد، ولا تعد نعماؤه بتعديد، خالق الظّلم والأنوار بعجائب صنعته، ومالك المدد والأقدار بغرائب حكمته، فله في كلّ ما أنشأ وابتدع، وفي جميع ما أوجب واخترع، عند تناسخ الأزمنة في أهاليها وتعاقب الملل والدّول بين مترفيها، آماد ورتب وآيات وعبر لا يجمع جملها إلّا إدراكه وعلمه، ولا ينوّع تفاصيلها إلّا إحصاؤه وحفظه، وإن كان كثير منها يحصله العيان ويصوّره الأذهان من الأفلاك وبروجها، ومنازل النّيرين فيها واستمرار مسيرها في حدي الاستقامة والرّجعة والبطر، والسّرعة، وتكوير اللّيل على النّهار، وتكوير النّهار على اللّيل وتبدّل رطوبتها وبردها وحرها ويبسها ولينها، وتغيّر أدوار النّجوم في طلوعها وأفولها، قال الله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ
[سورة التكوير: الآيات ١٥- ١٨] وفي الاختفاء عن بعض الأمصار وظهورها وتساوي الجميع في الدّلالة على حكم الآثار، وله الخلق والأمر، وإليه المرجع والمستقر، تبارك الله أحسن الخالقين وصلاته على من اختاره للنّذارة، وتبليغ الرّسالة، فصدع بأمره وأدّى حقّ نعمته في خلقه محمد وآله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فإنّ الإنسان وإن كان ذا لدد وخصام، وجدال فيما يهوى وجذاب بتيقن الحوادث بوجه الثّبت، ويتسبّب إلى الازدياد، بحب التّوسع فيرى جلائل الأقدار كأنّها تواريه أو تلاعبه، ويحسب غوائل الأخطار كأنّها تساوفه أو تسابقه، ترشح بما رشح له عناصره عند الاختبار، وتجليه لما هيئ له مكاسره لدى الاعتبار، فهم فيما يتردّدون فيه طلعة خباءة، وعن صفايا غنائمهم غفلة نومه لا يردون مستنكرا، ولا يجدون عند الزّلة مستمسكا، نجدهم على تفاوت من أجسامهم، وأقدارهم، ومناشئهم، ومدارجهم، وأسماحهم، وإيابهم، ومآخذهم في استقراء مآربهم، وفي أداتهم، ولغاتهم، وصورهم وهيآتهم واقتراحاتهم وشهواتهم وأقواتهم، ومطاعمهم وحرفهم ومكاسبهم، وتباين ألسنتهم وألوانهم، وعلى تنافس بينهم شديد، وتحاسد في خلال أحوالهم عجيب، وتضاغن يلوح من مستكن سرائرهم، وتباغض يبوح به تداني جوارهم.
[ ٥ ]
قد جبلوا على ما إليه سيقوا، وخلقوا لما عليه أدبروا، متوافقين في الانجذاب إلى مدى من حب الوطن والسّكن، والصّبر على مراري الزّمن، والاستظهار في تخليد الذّكر باتّخاذ المصانع المؤبّدة، والمباني المشيّدة، كالخورنق، والحضر، والأبق الفرد، وغمدان، والمشقر، والهرمين، ومنف، وهو مسكن فرعون وتدمر والشّعراء ذكروها في ذلك قوله:
اشرب هنيئا عليك التّاج مرتفعا في رأس غمدان دار أمنك محلالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فماذا بعد أبوالا
وقول الآخر: شعرا:
ماذا أؤمّل بعد آل محرّق تركوا منازلهم وبعد إياد
أهل الخورنق والسّدير وبارق والقصر ذي الشّرفات من سنداد
أرض تخيّرها الطّيب مقيلها كعب بن مامة وابن أمّ داود
وقول الآخر شعرا:
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة نحيى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلّله كلسا فللطّير في ذراه وكور
وقول النابغة:
وخيّس الجنّ إنّي قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصّفائح والعمد
وكإيوان كسرى أنوشيروان، وهي من الأبنية القديمة والتّهالك في مناصب القرون الخالية، والأرزاء بمناصبهم وطلب التقدّم عليهم فيما حمدوا فيه وإن كان كلّ منهم يذمّ زمانه ويحمد زمان غيره حتى روي قول لبيد شعرا:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب
ومن قول عائشة ﵂ فيه ما روي:
وسار متى قصروا عنه ذمّوا وإن ما هم استأنسوا فيه ملّوا
لا جرم أنهم ابترموا مما اختبر لهم فيجمعوا أيديهم عليه موثرين لقبوله، ومقتنعين بحصوله كمن اطّلع على ما أبدله في القسم فاغتنمه، وأوذن بما أعدله عند السّوم فاختصبه، فترى ذكر الزّمان في المكان في جميع ما يندرجون فيه شقيق أرواحهم ومشرع الرّوح لأفئدتهم ومستمد لذّاتهم، ومشتكى أحزانهم، به يكشف البلوى ويستنزل المطر، فليسوا
[ ٦ ]
بشيء من حظوظهم أقنع منهم باجتماع الوطن والمطر، واستطلاع المستنجد من العين والأثر، لذلك قال شاعرهم:
وكنت فيه كممطور ببلدته فسر إن جمع الأوطان والمطرا
وقد قيل: ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم، فلولا ما منّ الله تعالى به على طوائف الأمم وعصائب الزّمر من الألطاف في تحبيب ما حب وتأنيس من أنس، والمنع من الاستيثار والاقتدار، والاجتهاد بنهمة الاقتار، لما رضيت المهج الكريمة بمجاورة البلاد والدّيار، ولا سكنت القلاع، في قلل الجبال والتّلاع، ولا عمرت المهاري والأرانب في مساكن الأسود والضّباع، ولا نبت حبال الألفة.
ونقطع نظام ما له فسبحان من جعل الاختلاف سببا للائتلاف، وبدل التنافر فصيّره داعيا إلى التّوافق، ولله الحمد على ما أمضى وقدر، ونسأله التّوفيق فيما أتى وغبر، وقل عن اشتمام الأبنية الرّفعة إلى غاية ما في نفوسهم، بل يدّعون منه شياحين يلزمهم اسم التمام والفراغ ليس للكلام نهاية، ولا لاختلافهم غاية، لأنّ عددهم كثير، والنّظر فيهم قديم وطبائعهم مختلفة، وقواهم متفاوتة وألسنتهم مرسلة، وخواطرهم مطلقة، ولو كان الفاسد يشعر فساده، والمنقوص يجد مسّ نقصه لكان الفاسد صالحا والنّاقص وافرا.
وروي عن النّبي ﵌: «من باع دارا أو عقارا، فلم يجعل ثمنها في مثلها كان كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف» .
وذكر أحمد بن أبي طاهر أنه سمع آذرباد المؤبد يقول: إنّه وجد في حكم الفرس تربة الصّبي تغرس في القلب حرمة كما تغرس الولادة في الكبد رقة، ومما قيل في الوطن:
عجبت لعطار أتانا يسومنا بدسكرة القيوم دهن البنفسج
فويحك يا عطار هلّا أتيتنا بضغث حزار أو بخوصة عرفج
وقالوا: خلق الله آدم من تراب فهمته في التّراب، وخلق حواء من ضلع من أضلاع آدم فهمتها في الرّجال، ومما يعرف به موقع الوطن والزّمن من ذوي البصائر السليمة والعقائد الصّحيحة قول جرير:
سقى الله البشام وكلّ أرض من الغورين أنبتت البشاما
فيا نعمى الزّمان به علينا ويا نعمى المقام به المقاما
فجمعهما في قول، وأنشدني أبو أحمد العسكري، قال أنشد الصّولي:
سقى الله دار الغاضريّة منزلا ترفّ عليه الرّوض خضر الرّفارف
[ ٧ ]
وأيامنا والغاضريّون خضر وعيشي بهم يهتز لدن المعاطف
ورأينا الله تعالى قسم مصالح خلقه ولذائذهم بين المقام والطّعن فجعل أكثر مجاري الأرزاق مع الحركة والاضطراب، واغتنام الأرباب بعد التقادي في البلاد لذلك قال الشاعر:
فألقت عصاها واستقرّت بها النّوى كما قرّ عينا بالإياب المسافر
وقال آخر:
سررت بجعفر والقرب منه كما سرّ المسافر بالإياب
وقد شهد أصحاب المعاني لابن الرومي، فقالوا: لم يبن أحد العلة في الحنين إلى الوطن إبانته حين قال:
وحبّب أوطان الرّجال إليهم مآرب قضّاها الشّباب هنالكا
وقد قال الأسدي أيضا شعرا:
أحبّ بلاد الله ما بين منعج إليّ ورضوى أن نصوب سحابها
بلاد بها نيطت عليّ تمائمي وأوّل أرض مسّ جلدي ترابها
وأخذه ابن ميّادة فقال:
بلاد بها نيطت عليّ تمائمي وقطّعن عنّي حين أدركني عقلي
وقال بعض أصحاب المعاني: العلّة التي من أجلها تساوت الطّباع المختلفة في الحنين إلى الألّاف، وحب ما مضى من الزّمان هي أنّ الذّوات فينا ومنا لما كانت لا تحصل إلّا في مكان وزمان صارت لتضمّنها لهما ولكونهما ناشئة حياتها وفاتحة شبيهتها، وطالعة نمائها، تشوقهما وتستنشىء على البعد أرواحهما حتى كأنّهما منها.
وفسّر بعضهم قول ابن الرومي، فقال: يريد بالمآرب المقضيّة للشبّاب ما أقامه الصبيّ من روادف الهوى، وقد ظفر بالمرتاد، أو كان على استقبال من العمر وقوة من الركن، واستعلام من الأمل، واستخبار من الأجل، وتماسك من الجوارح وتساعد من الأعضاء الحوامل، ورخاء من البال وأمن من عوارض الآفات.
والذي شرحه هذا المفسر الزائد فيه على مذهبهم كالواصل إليه لاجتماعهما في غواشي العشق والصّبر تحت بيان الحب رجاء الفوز بالمراد، وأظنّ جميعه في قول امرئ القيس:
وهل ينعمن إلا خليّ مخلّد قليل الهموم ما يبيت بأوجال
[ ٨ ]
وهذا في قضايا الأوقات كما اقتصّ الجاحظ من تعصّبه لمصره، فقال: من فضلة البصرة ما خصّت به من أرض الصّدقة إنه لا يسوغ تغيّرها ولا يتهيّأ تبديلها، ومن المد والجزر المبخر خصوصا لأهلها المجمول نوما بين قاطنها ومسافرها، ومصعدها، ومنحدرها على مقابلات من الأوقات ومقادير من السّاعات، وعلى منازل القمر في زيادة النّور وامتلائه، ونقصان ضوئه واستسراره، فلا يعرف مصر جاهلي، ولا إسلامي أفضل من البصرة، ولا أرض جرى عليها الآثار أشرف من أرض الصّدقة، ولا شجرة أفضل من النّخلة ولا بلد أقرب برا من البصرة، فهي واسطة أبجر، وخضراء من بداو، وريعاء من فلاة، وقانص وحش من صائد سمك، وملاحا من جمال من البصرة.
فهي وسطة الأرض وفرضة البحر ومضبض الأقطار، وقلب الدّنيا فساحله بعض المتقضية للغيث، وبلاده بأن قال: الكرمة أفضل الأشجار، والعنب سيّد الثمار، ناعمة الورق كأنّها سرقة ناضرة الخضرة بديعة الشكل، سلسة الأفنان، رقيقة الجلد عند المذاق يسرح في البدن نورها، وفي القلب سرورها، مع ذكاء العرق وصحّة الجوهر إن عرشت على عمد الخشب، وطبقات القصب تضاعف علتها، وتكامل حسنها ودخلها ورأفة جهارتها وأنق ينعها، وإن بسطت أغصانها على الدّار التي هي فيها أظلّت وإن مدّت على الجدران وقيدت إلى حدود الجيران سامحت قائدها وقلّ اعتياضها تغني عن الشارات والفساطيط، وتكفّ صيد الحر في حمارة القيظ، واحتدام الشمس أوان الحاجة إلى الرّوح وترّد عواصف الرّياح وقواصفها، بكثافة ورقها، وضفاقة ظلّها في كلام يتّصل بين الفريقين ولا ينقضي.
وليس من همتي ولا سدمي إنما أردت التّنبيه على أنّ كلّ ذي أرب همّته في نظرية بلدته طبعا لا تكلفا وكل ذي سبب نهمته في تزكية ممكنة عمدا لا سهوا، ثم حسن الشّيء وقبحه وفضله ونقصه لما عليه في نفسه لا لجوى راصد أو ألف جاذب. والحديث شجون، والفخر بالشيء فنون، لكنّ الله تعالى لمّا ذكر الدّيار فخبر عن موقعها من عباده حتّى سوّى بين قتل نفسهم والخروج من ديارهم في قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
[سورة النساء: ٦٦] وفي موضع آخر: وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا
[سورة البقرة: ٢٤] جعل لهم في الأرض بيتا نسبه إلى نفسه بإزاء البيت المعمور لملائكته، وصيّره حرما وأمنا، ومثابة للناس، ومطافا يلوذ به الخائف ولو كان من الوحش.
كما يأوي إليه الهارب من الأنس عظيما شأنه منيعا جاره لا يغشى أهله غضاضة الامتهان، ولا سأمة الابتذال، فهم على مر الأيام وكلة وحمس في أديانهم متمنعة، وقد كان من الفيل والحبشة ما أرّخ به الزّمن كما أرّخت الحوادث والنّحل، وكما قيدت أيام النّبوات
[ ٩ ]
بما يكشفها من أنباء الفترات وأحوال الأنبياء والمعجزات، وذكر الله تعالى النعمة على قريش، فانبأ عن رحلة الشّتاء والصّيف بعد أن دعا إبراهيم ﵇ لسكان مكّة فقال:
رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ
[سورة البقرة: ١٢٦]، وقد كان قال:
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ
[سورة إبراهيم: ٣٧] فاستجاب الله دعوته فهم يصيفون (الطائف)، ويشتون (جدّة) وأنواع الخير منهم بمرصد وفعل مثل ذلك في الزّمان فعظّم ليلة القدر وجعلها خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
بما ضمّنها من تنزّل الملائكة بقضاياه إلى رأس الحول، ولأنّها ليلة السّلامة والأمن من كل داء وبلاء إلى مطلع الفجر.
فالحمد لله الذي بنوره اهتدينا وبفضله غنينا، حين أدب الأخلاف بما درج عليه الأسلاف، وقرن العبادة باعتبار ما أمضى عليه القرون الماضية في الدّهور الخالية فإنهم وإن مضوا سلفا فقد السّبيل عليهم، والنّاس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، وقد أكثرت، وظهر الفرض فيما أبدأت، وأعدت، والتّرفية عن المطبة أعون في إملاء قطع الدود أنّ من نكص عن المنهاج تاه في الفجاج، فإنمّا هذا الكلام وصلة إلى كتاب في الأزمنة والأمكنة، وما يتعلّق بهما من أسماء اللّيل والنّهار والبوارح «١»، والأمطار، والمزالف، والمآلف، وما أخذ أخذها مما تعداده يطول وينطق به الحدود بعد هذا.
والفصول فقد قدّمت ذكرها، وقد غبرت مدة من الزّمان، وهذا الكتاب منّي ببال أتصفّح ورقه بأيدي فكري، وأتصوّر مضمونه في مطارح فهمي، فينيلني إذا صادفته جموحا، ويوليني إذا صافحته ازورارا، وشسوعا، كأنه يطلب لنفسه حظا زائدا على ما أوتيه، وسهما عاليا لما أجيله فأعطيه إلى أن تبوأ من علو الوكد، والاهتمام في أعلى الرّبى، ومن مرتقى التّوفر في الاعتناء في أسنى الذرى.
فحينئذ أطلع الله على ضميري نور الأستاذ النفيس أبي علي إسماعيل بن أحمد أدام الله رفعته، وبرهان سلفه قرنا بعد قرن، وكابرا عن كابر من كمال النبل، وجماع الفضل والجمال الظّاهر، والكرم الغامر، والنّهوض بأعباء الرّئاسة، والاستظهار في أنحاء السّياسة، وتدبير المسالك والمهالك، والمدائن والممالك، والميل إلى ذوي الأخطار، وأعلام الآداب.
فهم يكرعون من جداهم في أعذب المشارع، وأكرم الموارد.
هذا إلى ما حباه الله في خاص وعام قصده من محييات القلوب، ومزيات القبول. فإنّ العزيز الشريف والنّبت الرّفيع إذا أشر بالدّونة المعطف، وسهولة الملتقى، والمختبر ترجما عن الكمال، ووفرا ابهة الجلال. وهذا الثناء منّي ليس على طريقة المادحين فأتجوّز، ولا
[ ١٠ ]
قصدي فيه قصد المجتدير فأتسّمح، بل إملاء طول الصّحبة بلسان الخبرة، فعليه فيه حكم الحق والمعلوم مع تواطؤ الأخبار عنه وشهادة الإثار له، وتوارد الوسائل فأقبل بتغاير أبوابه، وانثال عليّ وتسابق أجزائه، وفصوله تنساق إليّ كأنه كان من رباط الشّد في عقال فأنشط، ومن حفاظ المنع في وثاق فأهمل، وبيد الله تعالى أمره تسهيل المراد وتعجيل الفراغ بحوله ومنه.
واعلم أنّ رؤساء الأمم أربعة بالاتفاق: العرب، وفارس، والهند، والروم وهم على طبقاتهم في الذكاء والكيس، والدّهاء، والكيد، والجمال، والعناد وتملك الممالك والبلاد، والسّياسة والإيالة، واستنباط العلوم وإثارة الحكم في جوامع الأمور ومعلوم شأنهم معروف أمرهم، وما في على طبقاتهم في الغباوة والعظاظة وسوء الفهم والدّراية والقسوة، والغذامة، والنّوك، والجهالة مراعون لما رهنوا به وقيضوا له، وقد صاروا إلى وجوه المعاش، وفنون الممارسات، والإغراب في أسرار الصناعات، والإبداع في أنواع التّركيبات، انفتح لهم من أبواب المعرفة، وحسن التّوفيق في الإصابة، ما لم ينفتح لهم في سواه وذلك ما لا يدرك غوره من غرائب حكمة الله تعالى فيما دبر، وامضى وإن كان للعرب خاصة طبع عجيب في الأخبار، والاستخبار، والمباحثة، والاستكشاف، وسرعة إدراك ما يسفر عن الأواخر عند النّظر في الأوائل، فحصل لهم بذلك أخلاق عادت مفاخر، وأفعال صارت مناقب، مع ثبات فيما يعز، وجلد، وبيان ولدد، وافتنان في الخطب والشّعر والرّجز على اختلاف أنواعها وتصاريف أساليبها، وعلى كثرة الأمثال الحكيمة، وطرائف الآداب الكريمة.
ثم لهم الفراسة الصّحيحة، والكهانة العجيبة، وصدق الفأل الحسن، والحسّ المصيب مع العلم بأثر القدم في الصّخر الأصم، والقاع العفراء، وقيافة الأثر مع قيافة البشر، ليست لغير العرب لأنّهم يرون المتفاوتين في الطّول والقصر، والمختلفين في الألوان والنّعم فيعلمون أنّ هذا الأسود ابن هذا الأبيض، وهذا القصير ابن أخ هذا الطّويل، مع الرّعاية لأنسابهم وأيّامهم، ومحاسن أسلافهم ومساوىء أكفائهم، للتّعاير بالقبيح والتّفاخر بالجميل، وليجعلوه مبعثة على اصطناع الخير، ومزجرة عن ادخار الشّر، ولهم تبين أحوال النّجوم سعدها ونحسها، والأنواء ومقتضياتها والأمطار ومواقيتها، وبوارح الرّياح في إبّانها وحينها، والزّجر المغني عن التّنجيم وحسن الاهتداء في المسالك المهلكة، والمرامي غير المسلوكة.
وهم على كلّ حال من عيشهم يخافون مأثور الحديث ويتجرّعون من غوارب البحار، ويحبّون المادحين وتقريظهم، ويؤثرون على أنفسهم الخيل، وعلى عيالهم الضّيفان أصحاب حياء وأنفة، وجود، وفروسية، وفخر، وهمة لا تطل دماؤهم ولا يعجز طوائلهم، ولا
[ ١١ ]
ينسيهم طول الأيام دفائن أحقادهم، يراعون الذّمم، ويوفون بالمواثيق، ويوجبون الجوار باعلاق الدّلو بالدلو وشد الطّنب بالطّنب حتى قال زهير:
وجار سار معتمدا علينا أجابته المخافة والرّجاء
فجاور مكرما حتّى إذا ما دعاه الصّيف وانصرم الشّتاء
ضممنا ما له فغدا علينا جميعا نقصه وله النّماء
ثم لم يرضوا لأنفسهم بالاسم الواحد، والكنية الواحدة، والنّعت الشّريف والذّكر الرّفيع والمنصب المفخم، والفخر المقدّم حتى تنقلوا في أسامي وكنى كما اكتنى حمزة بن عبد المطّلب بأبي يعلى- وأبي عمارة، وعبد العزى بن عبد المطلب بأبي لهب- وأبي عتبة، وصخر بن حرب بأبي سفيان- وأبي حنظلة، وحسان بن ثابت بأبي الوليد وأبي الحسام، وعثمان بن عفان بأبي عبد الله وأبي عمرو، أو أبي ليلى وعبد الله بن الزّبير بأبي بكر، وأبي خبيب وأبي عبد الرّحمن.
والذين أسماؤهم كنى كثير في العرب يسمّي بعضهم بعضا بسمات تفيد التّفخيم والتّعظيم كقولهم: ملاعب الأسنة، وسم الفرسان وزيد الخيل، ومحكم الأقران وأشباه ذلك. فهذه الخصال تختصّ بهم إلى كثير ممّا إن شغلنا الكلام به خرجنا عن الغرض المنصوب ولله تعالى في خلقه أن يفعل ما شاء، ويصطفي بفضله من شاء، وهو الحكيم العليم، ولولا اهتزازي لتقديم ما يتعلق به همّة برّ أشاد النّفيس، وسرعة إجابتي إذا أهاب لما رهبته، وليحصل لي به الفأل الحسن والذّكر المؤبّد، والالتذاذ بالدّخول في جملة أهل الفضل والاستنان بسننهم في إذاعة ما تكسيهم الأيام ويفيدهم الاجتهاد لبقيت في حجر الفن بما أورده لما أرى في أهل الزّمان من اطراح العلم، واحتقار أهل الفضل، ولا أزيد على هذا مخافة الخروج إلى ما يعد سرفا، بل أنشد قول الأول شعرا:
إذا مجلس الأنصار حفّ من أهله وحلّت مغانيه غفار وأسلم
فما النّاس بالناس الذين عهدتهم ولا الدّهر بالدّهر الذي كنت أعلم
واعلم أنّ قرب الشيء في الوهم ليس بموجب حصوله، ولا بعده فيه يقتضي بطوله، وهذا الكتاب ليس اختياري لعلمه لغلبته، ولا اشتغالي به عن شبهه لكنّي حصنته تحصين الحزم، وصنته صون العرض المكرم، فهو مذخورة المتلهف، وعقد المعتال المحتكم، ثمره عند الينع لا يخلف، وماؤه على الميح لا يكدر.
وقد قيل لحاضنك عليك حق اللّبن، ولتربتك حبّ الوطن، ولنسلك حرمة السّكن، ولطربك خلع الرّسن، كما أنّ لما تخلد به ذكرك من نثر أو نظم عليك شرف التّحلية، وحسن
[ ١٢ ]
النّعت والتّسمية، وجمع الفوائد الزّكية، وهجر الهوى والعصبيّة، وبيد الله تبليغ المراد وتوطير المرتاد.
واعلم أنّ مدار الأدب على الطّلب، وعمدته البحث، ومصرفه الرّغبة، والحث وأزمة الجميع بيد القريحة فإذا سلمت القريحة من عوارض الآفات وتملست من شوائب الأقذار، والعاهات، وترقّت في مدارجها من دلائل الرّسوم إلى حقائق الحدود أقبلت تصنع في نيل المطلوب صنعة من طبّ لمن حبّ، وإني وإن أنشأت هذا الكتاب فما في نفسي ادعاء الفضل على الأسلاف؛ وكيف أستجيز ذلك ومن ذكرتهم ننفق، وبشهاداتهم نتوثّق، وبين المسلم والمنازع ما بينهما من برزخ التّضاد، ولكن لمن ضمّ النّشر، وسوّى في البناء النّضد وتأنق في الإثارة، ثم بلغ وتناهى إلى الغاية، فسدّد حقه من العمل. نسأل الله تعالى حسن التّوفيق فيما نأتي ونذر، وعليه المعوّل في إيزاعنا شكر نعمته، وإعانتنا على ما تعرب من رحمته، ونعم المولى ونعم النصير.
هذا كتاب الأزمنة والأمكنة، وبيان ما يختلف من أحوالها ويتّفق من أسمائها، وصفاتها، وأطرافها، وإقطاعها، ومتعلقات الكواكب منها في صعودها وهبوطها وطلوعها وغروبها، وجميع ما يأخذ أخذها، أو يعدّ معها، أو لا ينفكّ في الوقوع والاستمرار منها، أو متسبّب بضرب من ضروب التّشابه، أو قسم من أقسام التّشارك إلى الدّخول في أثنائها موشّحة بما يصححها من أشعارهم وأمثالهم، وأسجاعهم ومقامات وقوفهم ومنافراتهم جادّين وهازلين، ومن كلام روّادهم وورّادهم وكتّابهم في ظعنهم وإقامتهم وتتبّعهم مساقط الغيث وبوارح الرّيح، وعندما يقيمون من الجدب، والخصب والسلم والحرب، وقري الضّيف في الشّتاء والصّيف، وأعيادهم، وحجهم، ونسكهم، ووجوه معايشهم ومكاسبهم، وآدابهم.
وقد صدرته بجميع آي من كتاب الله تعالى بعض حقائقه لتردد المعاني إذا شافهت الالتباس، بين الوجوب والجواز والامتناع فيتّسع أمد القول ويمتد نفسه بحسب الحاجة وعلى قدر العناية، ومن أنكر في طلب الحق واجبا، أورد جائرا، أو جحد ممتنعا فقد صافح الخذلان. كما أنّ من قصر وكده على ما لا يرد من دينه فائتا ولا يعمر ثابتا، فقد جانب حسن التّوفيق. وعلى الله في الأحوال كلها المعوّل والتّكلان.
وبعد الفراغ من ذلك أتبعته بالكلام في حقيقة الزّمان والمكان، والرّد على من تكلّم بغير الحق فهما بعد تتبّع لما أصله شديد، وبحث عنه بليغ، وردّ للسّابق من دعاويهم على اللّاحق «١» على الوارد إذ كانا عندي كالأصل في إلحاد أكثر الملحدين من الأوائل
[ ١٣ ]
والمتأخرّين، وإذ كنت قد شيّدت من قبل فصول ما ذكرت، ووصوله بلمع من الكلام في المحكم والمتشابه والاستدلال بالشّاهد على الغائب، وبيان أسماء الله تعالى وصفاته، وما يجوز إطلاقه عليه أو يمتنع لأنّ أطراف هذه الأبواب متعلقة بموارد الآي التي تكلّفت الكلام فيها ومصادرها، ومستقية من العيون التي تحوم أطيارها حوله، وفي جوانبها ولأنّ الاشتغال به هو الغرض المرمي في تأليف حل هذا الكتاب وترتيبه، وتنسيقه هذا إلى غير ذلك مما خلا منه مؤلفات اللّغويين والنّحويين والباحثين عن طرائق العرب، وما يراعونه من معتقداتهم في الأنواء وغيرها، وإيمان من آمن منهم بالكواكب حتى عبدوها لما ألفوه من استمرار العادات بهم واطرادها على حد سالم من التبدّل والتحوّل.
ثم شرعت في الكتاب وتبويب معاطفه وتنويع أساليبه ومدارجه، وأستعين الله تعالى على بلوغ ما يزلف عنده، ويستحقّ به مزيد الإحسان وأصحاب التوفيق الكامل منه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١٤ ]