الحمد لله العادل في أحكامه، الشامل بإنعامه، الجاعل مملكة أرضه فيمن يستكمله ويرتضيه، والمستخلف في تدبير خلقه من توجبه الحكمة وتقتضيه، والكافل بالخيرة لعباده وإن كان منها ما يباين إرادتهم، والفاعل فيها ما يشاء من تفاوت رتبهم وتباعد درجاتهم، والقائل في كتابه الكريم حجة للمفوضين، وردًا على المعترضين (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريًا ورحمة ربك خير مما يجمعون) .
[ ٧ ]
لا إله إلا هو، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه يرجعون. وصلى الله على سيدنا محمد رسوله الذي شرفه واجتباه، وأظهره على من خالف دينه وأباه، وفضله على من سبقه من الأنبياء وتقدمه، ومكنه ممن عصاه وأباح بحد سيفه دمه، وعلى آله الأئمة الطاهرين الذين أوجب لهم على عباده إيثارًا وحبًا، وقال -عز من قائل -: (قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى) وسلم عليهم أجمعين سلاما متصل الدوام، باقيا ببقاء الليالي والأيام. قد اتفق أولو الدراية والعقل، وأجمع ذوو الرواية والنقل، على أن أحوال الأزمنة معلومة من سير ملوكها، وأن هذا المعتقد طريقة لا ضلال في سلوكها، وذلك في تفاضل الأيام هو السبب والعلة، والحجة التي قامت على صحتها البراهين والأدلة. وهذا أصل قوي يعبد طريق الإفصاح عما قصدناه، ومعنى جلي يمهد سبيل الإيضاح لما أردناه، فنقول: قد ثبت بالعيان والسماع، وعرف بالوفاق والإجماع شرف هذا الزمن الذي عمت فيه السعة، وعظمت به المنفعة، وأمن فيه ما يخشى ويتوقى، وأخذت مطالب أهليه تسمو وتترقى، ولم يبق إلا من غدت أمانيه متحكمة على زمانه، وآماله متأكدة الثقة بكفالة الحز وضمانه. وهذا بحسن سيرة مولانا الملك السيّد الأجل الأفضل، أمير الجيوش سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، الذي خضعت لدولته جبابرة الملوك، وتنزه اليقين بذلك عن اعتراض الشكوك، وارتفعت صفاته عن استطاعة مخلوق وقدرته، وثبتت معجزاته فقامت بعذر المقصر في تقريظها وحجته، فإذا طالعت الأبصار نور بهائه ارتدت عنه وكلت، وإذا سلكت القلوب نهج علائه حارث فيه وضلت؛ لأن مناقبه أعلى من أن يسمو إليها المدح والصفة، ومفاخره أعظم من أن يحيط بها الإدراك والمعرفة.
هذي مناقب قد أغناه أيسرها عن الذي شرعت آباؤه الأول
قد جاوزت مطلع الجوزاء وارتفعت بحيث ينحط عنها الحوت والحمل
ومن أوضح براهينه لمن تمسك بالحق وتعلق بأسبابه، وأقوى الدلائل على سر الله الكريم وعنايته تعالى به؛ أن المجتهد في وصفه لا يخشى من يناقضه، ولا يخاف من يعارضه، ولا يتقي من يحمله على المبالغة والغلو، ولا يعلم أحدًا ينسبه إلى الظلم والعلو، بل لا يعدم من إذا سمعه استقصر وندى، وإذا استنزر ما أتى به نكص ولم يجد وزرًا، هذا إن اعتقد أنه وفى الامتداح حقه، وعفى مذاهب الانتقاد وطرقه، وتيقن تأديته الفريضة مكملة، وقضاءه إياها مرضية متقبلة. فأما إذا سلك المحجة القويمة، وتنكب السبيل المكروهة الذميمة، واستعذب قول الحق فأقر بعجزه، واعتمد على تصريحه دون إشارته ورمزه؛ فقد نافى ذوي التهمة والظن، وأجر ألسنة أولي العيب والطعن. وهذه حالنا فيما نورده من أوصافه، وقضيتنا في شكر الله سبحانه على تمليكه علينا واستخلافه. ونحن الآن نذكر المراد بهذا الجزء الذي جعلنا الخدمة به قربانا، ورجونا بما نحونا فيه سعادة أولانا وأخرانا.