الحمد لله الذي كتب على نفسه الرحمة لأهل طاعته، وفرض الزلفة لمن أنضى فيها مطايا استطاعته، ووسع طرق الأعمال فيما يجازي عليه بالحسنى، ووفق المخلصين لما ينالون به شرف الحظ الأسنى، وأيدهم بروح منه، فوجب لهم الأجر الكريم، ووعدهم خلود جنات لهم فيها نعيم مقيم، (فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم) . وصلى الله على سيدنا محمد نبيه الذي أيده بعزيز نصره واختصه من الفضل بما يعجز ذوو العقول عن حصره، وأبان باصطفائه إياه عن رفيع منزلته وشريف قدره، وجعله رحيمًا بالمؤمنين، رؤوفًا بالمستضعفين، وناهيًا عن القنوط للجانين على أنفسهم والمسرفين، فقال تعالى على ما نطق به كتابه الكريم: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم) وعلى أخيه وابن عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب المشهور بالشرف الخالص، والمحبو بالمآثر والخصائص. والمجموع فيه ما تفرق في غيره من الفضائل الجمة، والمنصوص على علمه بما جاء في الحديث من كونه أقضى هذه الأمة. وعلى آلهما الأئمة الأطهار الذين تجلت بأضوائهم ظلم الشكوك، ووضحت حجتهم بهم حجة كفاتهم من العظماء والملوك، وسلم ومجد، وأجرى على أفضل ما عود. والحمد لله الذي أطلع من ملوك الأرض شموسا لا تتم المصلحة إلا بهم، وحفظ أسلافهم مذ تنقلوا أنوارا في ظهورهم، وأصلابهم، وأرشد بهم من الضلالة، وجعل آيتهم مبصرة، وأوضح المعذرة لمن كانت قوته في صفاتهم مقصرة، وحض على طاعتهم شعوب الأمم وفرقهم، وفضلهم على كافة بريته ولذلك خلقهم، وجعل هذا العصر مخصوصًا بأرفعهم لديه رتبة، وأوجبهم عنده قربة، وأكثرهم عادة في المراحم ودربة، والمجتبى لحياطة الأمة، فكم كشف غمة، وفرج كربة! مولانا الملك السيّد الأجل الأفضل أمير الجيوش سيف الإسلام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته، الذي ظهرت آياته فبهرت، واستفاضت أوصافه واشتهرت، وطمت بحار كرمه الغامر وزخرت، وتاهت به البسيطة وباهت وفخرت، وتشوقت إلى استيلائه على جميع بلاده، وألقت إليه من مهاجرة ملوكها أفلاذ أكباده؛ فازدحموا على بابه ازدحام الحسنات في أفعاله، ونال كل منهم من شرف الحباء ما لم يخطر قط على باله، فعادوا شاكرين لدهرهم، راضين عن زمانهم، وصاروا متفقين في ولائه مع اختلاف ألسنتهم وألوانهم، وما عرف الدهر محمودا إلا في جنابه المريع وظله الوارف، ولا علم اتفاق بنيه إلا في أيامه التي شملت بضروب العوارف فعلت بذلك أطواد الخلافة العلوية وسمت، وانقطعت عنها مواد الطغاة ببركته وانحسمت، وتهللت الملة الحنيفية بيمن كفالته العزيزة وابتسمت، وتشعبت الخواطر في صفات مناقبه وتوزعت وتقسمت. فلله هو من ملك أحيا من الآمال رفاتا رميما، وأبرأ من الأحوال عليلا سقيما:
وبدا الزمان به أغر محجلا ولقد عهدناه أغر بهيما
[ ١٧ ]
وأتى يحيط بجلاله وصف وقد عم عدله الآفاق، فساوى بين البعيد والقريب، وتأرجت الأرض بالثناء عليه فكاد النسيم يتضرع بالطيب، وحاز العزة الباذخة التي استحقها وراثة وإلهامًا، واستولى على الرتبة الشامخة التي يتعاظمها كل ملك ويتحامى:
فعلت فما يسمو إليها مرتق وغلت فلست ترى لها مبتاعا
فمهابته مقابلة العظمة بالخشوع والسجود، ومخافته محرمة على الأجفان لذيذ الهجوع والهجود، وفواضله الوسيعة قد طبقت جميع الأرض من السهول والنجود، وخلائقه الشريفة مزرية بالجوهر الفاخر والروض الممطور المجود، فلا سبيل إلى استيعاب أوصافه الباهرة واستقصائها، كما لا مطمع في عد كواكب السماء وإحصائها. على أن مفاخره أعلى من النجوم محلا، وأكثر منها عددا، ومكارمه أوسع من البحار الزاخرة مدى، وأغزر منها مددا، ولا اختلاف بين ذوي الفهم والتصور، ولا ارتياب عند أولي التأمل والتدبر أن الله تعالى اصطفاه ليملكه الأرض وحده، وأن ذلك مما لا يستطيع أحد إنكاره ولا جحده، لما أوتيه من القوى اللاهوتية، ومنحه من الخصائص الملكوتية. والله - ﷿ - يقضي بدوام سلطانه القاهر وخلوده، ويملأ آفاق الدنيا بجيوشه المنصورة وجنوده، حتى لا تبقى أمة من الأمم إلا وقد ذلت منه لمسترقها ومالكها، لا بقعة من الأرض إلا وقد وسمت بحوافر خيوله وسنابكها؛ ليستهم النعمة به كافة الخلق وجميع البرية، ويعلم الكافة من شريف سيرته ما لا عهد لهم بمثله في الطباع البشرية، وهو بكرمه يرفع هذا الدعاء الذي يصعد إليه ويترقى، ويجعل هذا الابتهال مستقبلا بالإجابة متلقي، ويسهل بذلك نفاذ الأقضية والأقدار، ويعجل المصلحة بتيسيره لأهل هذه الدار. بفضله وطوله وقدرته وحوله.
ولما كانت خدمة مقامه الأكرم من أنواع العبادة وأسباب الطاعة، والتوفر عليها كفريضة الحج الواجبة على ذوي القدرة والاستطاعة؛ تعين على كل مملوك أن يعتمد ذلك على حسب إمكانه، ويحرص على أدائه بقلبه ويده ولسانه، واثقًا أن المواقف الشريفة تقبل جهد المقل في خدمتها، والمقامات الكريمة ترضى قدرة المستطيع وإن قلت في مقابلة عظمتها:
ألم ترنا نهدي إلى الله ماله وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله
فلذلك خدم المملوك بلمعة من الأدب الذي نفقت في أيام مولانا سوقه، وضحت للمتوسلين به سبيله وطريقه، وجعل خدمته مشتملة على أشياء قد عهد فيما يماثلها أن يمال إليه ويصغى، وألف فيما يجانسها أن يحافظ عليه ولا يلغى، وكان اعتماده على البدائع التي ظهرت في دولته كوامنها، وبرزت في مملكته مخبآتها ودفائنها، فإن أورد قديما فلما هو عليه من بديع المعنى وحسن السبك، وأنه مما لم يبتذله الاشتهار كما ابتذلت الرواية: قفا نبك. أو لأن فيما أورده لمحدث شبها له ومثلا، فقصد بذكره أن ينظم للمحاسن عقدا، ويجمع لها شملا، أو لأن المملوك أو من يماثله من المحدثين أغربوا فيما انتقدوه فيه، وتنبهوا منه على ما لم يسبقوا إليه، ولولا ذلك لما عرض له، ولا ألم به؛ إذ كانت خزائن مولانا قد اشتملت عليه عن معاد ذلك ومنقوله والله ﷿ يوفق المملوك لما يحظيه ويزلفه، ويسعده بارتضاء ما يخدم به ويؤلفه بمنه وكرمه.