أولى ما تقرب به إلى الله تعالى الإكثار من تحميده، والإقرار بربوبيته وتوحيده، والصلاة على نبيه محمد الذي عضده بتأييده، وخصه من الشرف بما لا سبيل إلى تحديده، وعلى آله الممنوحين من الفضل ما يعجز الوصف عن تعديده، ثم التوسل إلى ملوك كل وقت بشكر نعمهم ومواصلة خدمهم، ونشر خصائصهم التي امتازوا بها عن العباد، وذكر مناقبهم التي سارت في الأقطار ونقبت في البلاد، والاجتهاد فيما نفقت بشريف مقاماتهم سوقه، والاعتماد على ما ظهر سموقه في البلاغة وبسوقه. ولا خلاف أن سلطان هذا العصر، والمخصوص من الفضائل بما لا يدخل تحت الحصر؛ مولانا الملك السيّد الأجل الأفضل، أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته؛ سيد من ملك الأرض، ولم يكتف بالدنيا دون الآخرة ولم يرض، وخير من زخرت بحار مكارمه الفائضة وطمت ووهت أركان الشرك بعزماته الماضية وتحطمت، وأفضل من دبر البرية من الأكابر العظماء، واستقر الثناء عليه في الأرض لما استقر عليه في السماء، وتمت بيمن نظره محاسن الدنيا وتكاملت، وفخرت أيامه على الأزمنة المتقدمة وتطاولت، لا جرم أن الآفاق قد غدت طامعة باستيلائه عليها راجية وأصبحت ملوكها وافدة إلى بابه العزيز لاجية، فعادت آمالهم متخلصة من يد الإخفاق ناجية، وأضحت أيامهم مشرقة وقد كانت من قبل داجية، وصارت أحوالهم بمكارمه حالية نامية زاجية، فقد زهيت به المملكة وأظهرت بهجتها وجمالها، واختالت في ملابس فخره فسحبت على السحب أذيالها:
ولم تك تصلح إلا له ولم يك يصلح إلا لها
فيجب على من صفت فكرته، وصحت فطرته، وأمكنه استنباط معنى غامض، واستدل على المحاسن ببرقها الوامض، وعرف موضع الفضيلة فيما يصنعه من تصنيف، وعلم موقع الوسيلة به إلى كل مقام شريف أن يظهر كامن قوته، ويعمل مطايا رويته فيما يخدم مجلسه العالي به مما يطرب مورده ومسموعه، ويعجب مؤلفه ومجموعه، ويستحسن موضوعه ومصنوعه، ويذكر من ذلك ما يؤدي إليه أقصى حرصه وجهده، ويعتمد منه ما يتعين لكل مولى على مملوكه وعبده، بعد شكر الله الذي لطف بأمة جعله مالكها، وأوضح به إلى الخيرات ممالكها، وأولى منه منة أقر بالعجز عن فرضها من يحاوله، واسبغ نعمة تطامن لها من الشكر متطاوله، وأحيا به ملة نسخت ما تقدمها من الممل، وحسم في اعتقاد عبوديته جميع الموانع والعلل، فالقلوب إلى الاجتهاد في طاعته مسرعة مرجفة، والملوك في الانقياد لعظمته لا متوقفة ولا متخلفة، فأبقى الله على الدهر بهجة سلطانه وملكه، وجعل من كفر نعمته صريع بطشه وفتكه، وحكم مواضيه وعواليه في إراقة دمه وسفكه بفضله وقدرته وعدله ومشيئته.
[ ٣٣ ]
ولذلك خدم المملوك بهذا الجزء الذي ألفه وجمعه، وأودعه مختار ما سمعه، وأضاف إليه ما استنبطه وابتدعه مما لم يعلم أحدا سبقه إلى ما عمله منه وصنعه، وقصد في هذه الجملة أن يوجز ويختصر، إذ كان الواجب أن يعتمد على اليسير ويقتصر، لأن هيبة المقام الأعظم تمنع ما يستطال وإن كان يستطاب، على أن المثول بين يديه يبيح استيفاء الحجة وإن اتسع الخطاب، والله - ﷿ - يهديه في خدمة مالكه أقوم جدد، ويريه من نعمه السابغة ما لا يحصيه عدد، فله القوة والحول، وبيده القدرة والطول.