اعلم أن النظر يقتاد كل عاقل مميز، ويضطر كل منتسب إلى العلم متحيز، إلى الإقرار بأنه أشرف الملوك وأكملهم، وأعمهم بضروب الرحمة وأشملهم. وبرهان ذلك أنه إذا تأمل الموجودات متيقظ، ورتبها في مراتبها زمن الأهواء متحفظ، فأشرفها بلا مخالفة في ذلك الحيوان، ثم المخصوص بالنطق منه وهو الإنسان، ثم مدبرو المدن الذين عضدتهم القوى الملكوتية، وفاضت عليهم الأنوار الإلهية، ثم الأقرب منهم فالأقرب، والأمثل فالأمثل، ثم الجامع لذلك وهو مولانا الملك السيّد الأجل الأفضل. وهذا ما لا خفاء به، ولا لبس فيه، ولا ريب يبعده عن محض الحقيقة وينفيه، فهو سيد أهل الأرض مذ فخرت البسيطة بظهوره، وسلطان هذا الخلق مذ استقر في دسته، واستوى على سريره، وظل الله الممدود على كافة المقرين بكلمة التوحيد، وصفوته الثابت علمها من جهة الاستدلال لا من جهة التقليد. فلا سبيل لعاقل أن ينكر ذلك ويجحده، بل الواجب على كل ناطق أن يقول بين يديه وينشده:
من شك أنك مخلوق لتملكه كمثل من شك أن الله خلاق
على أن مقامه الشريف يجعل كل بليغ لكنا، ويعيده حصرا، وقد كان فصيحا لسنا:
هو موقف تغضي العيون مهابة فيه ويعثر بالكلام المنطق
[ ٨ ]
وقد ازدحمت بفنائه ضروب الأمم، وتواصلت إليه ملوك العرب والعجم، وهاجروا نحو بابه راجين مهطعين، وأموا ظله لاجئين إليه منقطعين ولقد ورد منهم اثنان متباعدا الأفقين، متباينا المنطقين وهما ملكا غانة وفرغانة، فأزال من قلب كل منهما أحقاده على الدهر وأضغانه، فاعتبروا يا أولي الأبصار كيف أحسن حتى إلى الدهر فأصلح القلوب له، وجعل ذلك من شكر الله على ما قمصه إياه وسربله. وهذا إشارة إلى القدرة التي خص بها، والعظمة التي استقر في أشرف منصبها. وإذا تأملنا ما سفر فيه البيان وتبرج، وأسفر به صبح الإبداع وتبلج، وأخرجت منه الضمائر جواهر كانت مستترة، ونظمت به الخواطر عقودًا ما زالت منتثرة؛ وجدنا ضروبًا من الأقوال متسعة، وأصنافا من المدح متشعبة متنوعة، تدعو الناظر المحرر، والمتأمل المتصور، والعامل بفريضة العدل تعرضا لجزائه، والمناضل عن الحق رغبة في انتسابه إليه واعتزائه، إلى القول إن كل لسان انطلق في أيامه بخدمة ملوكية فما قصد غير مدحه، وكل بيان انبعث في أوصاف حقيقة فما أراد سوى تفصيل ذلك وشرحه، فلله در أبي نواس إذ يقول:
وإن جرت الألفاظ يومًا بمدحه لغيرك إنسانا فأنت (الذي نعني)
وما أحسن قول ابن الرومي:
إن أسرق الشعراء شعرهم فجزاء ما سرقوا من المجد
سرقوك مجدك وهو مدخر من قبل أن تلقى إلى المهد
وكسوه قومًا لا يليق بهم من ماجد وسط ومن وغد
فرددت حقك غير معتذر منهم إلى حر ولا عبد
فعمدنا إلى هذا الباب ذاكرين منه أنموذجًا لنظائره، واقتصرنا عليه إذ لا طمع لنا في ذكر سائره، واعتمدنا على ما لم يبتذله الاشتهار، وقصدنا ما لم يكن للألسن به استهتار، واجتهدنا في إيراد ما لم تخلق الأسماع جدته، وخدمنا بما لم تسلب الرواية رواءه وهجته. وقد يأتي في تضاعيفه ما ليس من شرطه حسب ما يوجبه تفرع التصنيف، ويقضي به تشعب التأليف. وسمينا ذلك رد المظالم لأنه حق لمولانا.
وقد حليت على غير أكفائه عروسه، وأديرت على غير شربه كؤوسه، فافتضت أسماعهم أبكاره، وشربت أفهامهم عقاره. وهذا ظلم من ناظمه وقائله، وتعد من سامعه وقابله.
ومن أقسام سيرته الشريفة العدل في إعادة الحقوق إلى أربابها، واستخلاصها من دار ذلها واغترابها. فاستعملنا بعض سيرته في وصفه، ورجونا الله بذلك في دفع المكروه عنا وصرفه، والله يسعدها ويوفقنا وعليه توكلنا ومعتمدنا.
وهذه بداية الكتاب: قال محمد بن عيسى:
ملك الورى والندى والبأس أنصله هندية وعطاياه هنيدات
وبدر سبع وسبع تستنير به الس بع الأقاليم والسبع السماوات
ومن قصد بهذين البيتين وما يجاريهما صفة مولانا فكأنه لقول الحق إنما تلا قرآنًا، وهما على الحقيقة كغيرهما من المدائح الشريفة لأنهما لما كان مآلهما إلى العرض بالمقام الأعظم - ثبت الله سلطانه - وكانا يشتملان على بعض صفاته صارا كلتاهما من خدم شعراء المجلس العالي وعفاته. وهذا حكم باب المآل، ونهاية التصانيف للأقوال. قال الله ﷿: (إني أراني أعصر خمرا) والخمر لا يعصر، وإنما يعصر العنب، لكنه لما كان المآل إلى الخمر سمي المعصور خمرا.
ومثله قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) وإنما التقطوه ليكون لهم سرورا وولدا، لكنه لما كان مآله إلى العداوة جعل علمه للالتقاط.
قال عبد الله بن محمد بن سنان بن سعيد الخفاجي الحلبي:
لا يدعي الفصحاء فيك غريبة والبيض تنثر والأسنة تنظم
إن أحسنوا حنك الثناء فإنها نطقت بمدحك قبل أن يتكلموا
عجبا لوجهك كيف بارق بشره تهمي سحائبه ولا يتغيم
=ومن العجائب أن بيض سيوفه=تبكي دما وكأنها تتبسم فأما الأول فمن مليح التورية وقد أتى بها في قوله:
وصفوا بياض يد الكليم بمعجز فيه وكم لك من يد بيضاء
واستطرفوا إحياء عيسى ميتا فردا وجودك باعث الفقراء
وقال:
من القوم صال الدهر إلا عليهم وصالوا ببيض الهند حتى على الدهر
أشد احتقارًا بالردى من حسامه وأدنى إلى سر الأعادي على الذعر
له خلق في المحل غيث وفي الصبا نسيم وفي جنح الدجى غرة البدر
وقد استعمل تركيب هذا البيت في موضع آخر فقال:
[ ٩ ]
ما هزه طرب العقار وإنما أعطته نشوة كأسها الأخلاق
هي في الهوى وعد الوصال وفي الكرى طيف الخيال وفي الوداع عناق
وهو مأخوذ من قول ابن نباتة:
إنها في السحاب وبل وفي الرْ رِيح نسيم ونشوة في الشراب
فأما قوله: أشد احتقارا بالردى من حسامه فهذا الصدر يصلح أن يعجز بقول أبي الطيب:
وأقدم بين الجحفلين من النبل
على أن صدر بيت أبي الطيب مناسب للعجز المذكور؛ لأنه قال:
أقل بلاء بالرزايا من القنا
فبصير هذا العجز مع صدرين.
قال محمد بن عباد بن عمرو:
سميدع يهب الآلاف مبتدئا ويستقل عطاياه ويعتذر
له يد كل جبار يقبلها لولا نداها لقلنا: إنها الحجر
ولو أمكنه أن يقول الحجر الأسود لكشف المراد وبينه، وأظهر المعنى وحسنه. وقد اتفق ذلك لمحمود بن القاضي الموفق أحد مماليك مولانا، و(كاتب) إنشاء دولته في قوله يصف كتابا ورده، ويذكر أن الفاتك والناسك يلقياه بالتبجيل، وقابلاه بالتقبيل كأنما قد حل فيه اللمى، أو ذاب فيه الحجر الأسود. على أن ابن مكنسة ذكر الحجر غير موصوف، فلم يشكل المراد فيه. وسبب ذلك ما قرنه به، وضمه إليه، فقال من قصيدة أولها: لمثل ذا اليوم كان السعد ينتظر منها:
كأنك البيت قد طاف الحجيج به وفي ركابيك حل الركن والحجر
فأما قصيدة محمد المقدم ذكره فإن لعبد الله بن سنان قصيدة على وزنها وفي معناها على تقارب العصرين وتباعد المستقرين، منها ما هو من شرط هذا الكتاب. قال منها:
ملك له سيرة في العدل معجزة لولا الشريعة قلنا إنها سور
قوم إذا طلب الأعداء عيبهم فما يقولون إلا أنهم بشر
تسمو البلاد إذا عدت وقائعهم فيها وتبتسم الدنيا إذا ذكروا
إن الخلافة ما زالت منابرها إلى سيوفهم في الروع تفتقر
فهم صوارمها والبيض نابية وشهبها وظلام الخطب معتكر
قال أحمد بن عبد الله:
ترى الدهر إن يبطش فمنكم يمينه وإن تضحك الدنيا فأنتم لها ثغر
عطاء ولا من وحكم ولا هوى وحلم ولا عجز وملك ولا كبر
طريقتكم مثلى وهديكم رضى ومذهبكم قصد ونائلكم غمر
وهذا ضد قول العباس بن الأحنف:
وصالكم هجر وحبكم قلى وقربكم بعد وسلمكم حرب
ومن مليح التقسيم قول ابن حيوس:
لعمري لقد بذ الملوك جميعهم بأربعة في غيره لن تألفا
بأمن لمن يخشى وقهر لمن طغى وسبق لمن جارى وعفو لمن هفا
وقوله أيضًا:
قصر السابقون دون مداها وتملكتها بست خصال
مكرمات مع اعتذار، وعفو باقتدار، وعفة في جمال
وقوله أيضًا:
ثمانية لم تفترق مذ جمعتها فلا افترقت ما ذب عن ناظر شفر
ومن مليح ما في هذا البيت ما تضمنه من ذكر الجواب قوله:
وبعد بيت رسول الله ما فخرت بمثل بيتك لا عجم ولا عرب
إن ناضلوا نضلوا، أو فضلوا أو حاربوا حربوا، أو خاطبوا خطبوا
وقد أحسن أحمد المقدم ذكره فيما أتى به من ذلك في الغزل فقال:
يا بائعا حظه مني ولو بذلت لي الحياة بحظي منه لم أبع
ته احتمل، واستطل اصبر، وعز أهن وول أقبل، وقل أسمع، ومر أطع
وهو كثير.
ولأحمد بن عبد الله أيضًا:
يا خير من ركب الجوا د وسار في ظل اللواء
لا زلت للدنيا فأن ت دواؤها من كل داء
وورثت أعمار العدا وقسمتها في الأولياء
وبقيت مفديا بنا إن نحن جزنا في الفدا
ومثل هذا لحسن بن عبد الصمد، وقد كانا في عصرن وإن لم يجتمعا في مصر، فلا أدري هل تسارقا أم توافقا:
لا زلت مخفوض العدا ما عشت مرفوع البنا
تفدى بنا إن كان ير ضى المجد أن تفدى بنا
ومن أجود ما في هذه القصيدة:
ما أحسن المال إذا صاحب ذكرا حسنا
ومنها:
لنا الثناء خالصا منه وما يحوي لنا
شاد الذي بنى له آباؤه ومكنا
عممت بالإحسان من ك مضرا واليمنا
ينقاد صعب اللفظ لي سهل القياد مذعنا
كأن في خواطري لكل معنى رسنا
[ ١٠ ]
ومن هؤلاء الشعراء من يحسن في كثير مما يتصرف فيه، ويتناول المعنى فيجيده ويستوفيه؛ فمن محاسن أحمد هذا ما كتب به مع تفاح أهداه إلى ابن عباد:
يا من تزينت الريا سة حين ألبس ثوبها
جاءتك جامدة المدا مِ فخذ عليها ذوبها
وهذا من قول الخليع:
الراح تفاح جرى ذائبا كذلك التفاح راح جمد
فاشرب على جامده ذوبه ولا تدع لذة يوم لغد
وقال السري:
وقد أضاءت نجوم مجلسنا حتى اكتسى غرة وأوضاحا
لو جمدت راحنا اغتدت ذهبا أو ذاب تفاحنا اغتدى راحا
والأصل في ذلك ما يحكى من قول كسرى: لست أدري: هل التفاح خمر جامد، أم الخمر تفاح ذائب؟.
وقد أكثر الشعراء من وصفها بذوب الجامد، فمنهم من يجعلها ذوب الذهب كقول الصنوبري:
رأيته والكأس في فيه قد صوبها كالكوكب الصائب
وجسمها من ذهب جامد وروحها من ذهب ذائب
وقول محمد بن عباد:
أبدى لنا من لطيف حكمته في جامد الماء ذائب الذهب
ومنهم من جعلها ذوب الورد كقوله:
لاح وفاحت روائح الند مختصر الخصر أهيف القد
وكم سقاني والليل معتكر في جامد الماء ذائب الورد
وقول الصنوبري:
من ينس لا أنس اتصال زماننا ويد السعود على الزمان مساعده
إذ نخبتي راح كورد ذائب وتحيتي ورد كراح جامده
وكل هذا تصرف في قول ابن المعتز:
وزنا لها ذهبا جامدا فكالت لنا ذهبا سائلا
وعلى ذكر الذهب وذوبه فحدثني إبراهيم بن شغب أنه ليم فيما أنفقه على جارية له، فقال:
ما الذهب الصامت مستكثرا إذ هابه في الذهب الناطق
قال أبو بكر محمد بن عمار:
ملوك مناخ العز في عرصاتهم ومثوى المعالي بين تلك المعالم
إذا قصر الروع الخطى نهضت بهم طوال العوالي في طوال المعاصم
وأيد أبت من أن تؤوب ولم تفز بجز النواصي أو بجز الغلاصم
إذا ركبوا فانظروا أول طاعن وإن نزلوا فارصده آخر طاعم
وهذه قطعة اتسع فيها، وأحسن التصرف في معانيها، فقال في صفة الفرس:
خذوا بين إن لم تهدروا كل سابح لريح الصبا في إثره أنف راغم
من العابسات الدهم إلا التفاتة إلى غيره أهدت له ثغر باسم
طوى بي عرض البيد فوق قوائم توهمته منهن فوق قوادم
ومن جيد ما فيها:
وليل لنا بالسدتين معاطف من النهر ينساب انسياب الأراقم
بحيث اتخذنا الروض جارا تزورنا هداياه في أيدي الرياح النواسم
وبتنا ولا واش يحس كأننا حللنا مكان السر من صدر كاتم
ولأبي بكر هذا:
ملك إذا ازدحم الملوك بمورد ونحاه لا يردون حتى يصدرا
قداح زند المجد لا ينفك من نار الوغى إلا إلى نار القرى
أيقنت أني من ذراه بجنة لما سقاني من نداه الكوثرا
وقال أيضًا:
جنيت ثمار النصر طيبة الجنى ولا شجر غير المثقفة الملد
ببدر ولكن من مطالعه الوغى وليث ولكن من براثنه الهندي
ورب ظلام سرت فيه إلى العدا ولا نجم إلا ما تطلع من غمد
ومنها في ذكر بلدة افتتحها وأحرقها:
فأرملتها بالسيف ثم أعرتها من النار أثواب الحداد على الفقد
فيا حسن ذاك السيف في راحة الهدى ويا برد تلك النار في كبد المجد
فقوله أرملتها بالسيف، وألبستها حدادا بالنار، من أحسن تركيب وأبدع تشبيه. ولقد ذكر عبد الله بن محمد مثل ذلك، وهو وأبو بكر متقاربا الزمن، متباينا الوطن؛ فهذا بالعدوة الدنيا وهذا بالعدوة القصوى. فقال وأحسن ما شاء:
غادرتها دمنا على أطلاعها يبكى الخليط وتذكر الأشواق
وشرعت دين قراك في عرصاتها فالنار تضرم والدماء تراق
وعلى هذا البيت من البهجة، وحسن الديباجة، ما لا أعلم لأحد مثله. ولقد ذكرت بالنار قول الآخر في حريق جامع دمشق:
فأتته النيران طولا وعرضا عن يمين من قتره ويسار
ثم مرت على حدائق نخل فإذا الجمر موضع الجمار
ومن قول أبي بكر:
[ ١١ ]
كم من شجاع قدته نحو الردى بدم من الأوداج كأرسان
روى ليضرب فابتدهت بطعنه إن الرماح بداية الفرسان
وقال:
وفيت لربك فيمن غدر وأنصفت دينك ممن كفر
ولم تتقدم بجيش الرجا ل حتى تقدم جيش الفكر
فعاقر سيفك حتى انحنى وعربد رمحك حتى انكسر
وكم نبت في حربهم عن علي وناب عن النهروان النهر
وأبو بكر هذا من الأعيان المشهورين، والمجيدين المذكورين، والمحسين في خطاب الملوك، والمطلعين باستعطافهم شمسا آمنة من الدلوك. فمن ذلك ما كتب به إلى أحد السلاطين وهو مزمع على السفر لخوف لحقه منه:
أصدق ظني أم أصيخ إلى صحبي وأمضي عزيمي أم أعوج عن الركب
أخافك للحق الذي لك في دمي وأرجوك للحب الذي لك في قلبي
وهذا وإن كان مأخوذًا من قول مهيار في القصيدة التي أولها:
سل الركب إن أعطاك حاجتك الركب من الكاعب الحسناء تمنعها كعب
أحبك ودا من يخافك طاعة وأعجب شيء خيفة معها حب
فإنه ألذ مسموعا، وأحسن مصوغا. وقد أحسن الآخر في قوله:
تمر سفيهات الرياح بأرضه فترصن إجلالًا له وتوقر
وتشتاق عينيه الكرى وتخافه=فيأتي إلى الأجفان وهو مغرر ومن مليح الوصف بالخوف:
مخوف والصوارم لم تجرد ولا أخلت مرابطها الخيول
ويكسو الصبح من نقع خضابا كليل والنصول به نصول
وكتب إليه أبو بكر أيضًا:
إني لممن إن دعاه لنصرة يوما بساطا حجة وجلاد
أذكيت دونك للعدى حدق القنا وصمت عنك بألسن الأعماد
وهذا من أجزل عبارة، وأجود استعارة. ولله مهيار حيث يقول:
وهل تخفى المقاتل وهي بيض على مقل الذوابل وهي زرق
وقد أكثر الناس من الكناية عن السيوف، ومن مليح ما جاء في ذلك قول أبي تمام يصف سحابة:
سيقت ببرق ضرم الزناد كأنه ضمائر الأغماد
وهذا مما جعل منه الفرع أصلا؛ لأن المعتاد أن تشبه السيوف بالبروق، فتكون البروق أصلًا لأنها مشبه بها، وتكون السيوف فرعا لأنها مشبهة، فقلب مبالغة. وقال أبو الطيب: وأترك الغيث في غمدي وأنتجع فأما الأعشى النحوي فجعله جدولًا فقال:
ملك إذا ادرع الدلاص حسبته لبس الغدير وسل منه جدولا
ومثله قول محمد بن البين:
وجلوا ظلام الليل بالصبح الذي قسموه بين جيادهم أوضاحا
وأتوا بغدران المياه جوامدا قد فصلوها ملبسا وسلاحا
وقول محمد بن عثمان:
أنى يهاب ضرابهم وطعانهم صبا بألحاظ العيون طعين
فكأنما بيض الصفاح جداول وكأنما سمر الرماح غصون
وقد سماه قوم سليل الصاعقة، وسماه آخرون طبيب النفاق. وما أحسن قول الكموني:
لما التقى أسد العرين وشادن تحت الإزار وصارم بتار
قالت: أرى بيني وبينك ثالثا ولقد عهدتك بالدخيل تغار
أأمنت نشر حديثنا؟ فأجبتها هذا الذي تطوى به الأسرار
ومن غريب التصرف في وصفه، قول الآخر:
عقرت في سهك التراب خدودهم حتى ظننا أنها تتشيع
وتركت في عفر التراب رؤوسهم في الأرض تسجد عن سيوف تركع
وقوله أيضًا:
جعلت رؤوس القوم عرس سيوفنا تعصفر من أوداجهم وتطيب
إذا وعدتها البيض صادق وعدها بعثت لها البيض الرقاق تكذب
ومن قوله:
إذا سلبته عزمة منك غمدة كسته نجيعا فهو يكسى ويسلب
وإنما أخذه من قول السري:
يكسوه من دمه ثوبا ويسلبه ثيابه فهو كاسيه وسالبه
وأخذه السري من قول البحتري:
سلبوا وأشرقت الدماء عليهم محمرة فكأنهم لم يسلبوا
وقد جعلها ابن حيوس صوالج، فقال:
لك اليوم الذي شابت قرون به من بعد أن فنيت قرون
بحيث بنيت مرهفة المواضي صوالج والرؤوس لها كرين
وكرين: جمع كرة؛ لأنه يقال في جمعها كرات وكرين، ولهذا أخذ على القائل في وصف النارنج:
كأن السماء همت بالنضار فصاغت لنا الأرض منه أكر
وعلى أبي نواس قبله في قوله في أرجوزته:
يحدو بحقب كالأكر
[ ١٢ ]
قال ابن جني: قد أخطأ في جمع كرة على أكر، فإن كان أراد جمع أكرة وهي الحفرة، فشبه الأتن في استدارتها بالحفر المدورة؛ فقد أحال المعنى. ومن البديع قول ابن حيوس:
قدت الجحافل لم يقد معشارها كسرى الملوك ولا رآها تبع
قوم إذا راموا ممالك غيرهم حصدوا ببيض الهند ما لم يزرعوا
وقول ابن المحترق:
صيغ من الماء وصيغت له من لهب النيران خدان
وهذا نقل بيت ابن نباتة في وصف سكين:
ما أبصر الراؤون من قبلها ماء ونارا جمعا في مكان
على أن المملك قد فعل ما فعله ابن المحترق، فقال في وصف سيف مرصع: سيف تقام الحدود بحده، ويجتمع الماء والنار في غمده، ويتنازع ذوو الوصف في جوهري ترصيعه وفرنده. وقد أخذه حسن بن عبد الصمد، فقال:
فلم أر ماء قبله مترقرقا يخالطه ذاك اللظى المتلهب
إلا أن حسنا استعمله في الغزل وهو يصلح صفة للسيف.
ومن الشعر ما يحتمل معنيين، ولم يقصد الشاعر إلا أحدهما، كقول والبة بن الحباب في صفة الورد:
مثل الشموس طلعن في الإصان
ويصلح أن يدخل في باب الغزل.
وقول السري في شبكة صياد:
وهل يفات لحظها أو يسبق وكلها نواظر لا تطرق
وهذا يصلح أن يوصف به فهد، وقد نقله ابن السراج إلى وصفه فقال:
تنافس الليل فيه والنهار معا فقمصاه بجلباب من المقل
ومن محاسن هذه القصيدة:
يقصر الغيث عن آثار جودكم فحمرة البرق في قطريه كالخجل
وقد استعمل غيره هذا المعنى فقال:
يجود بالماء غيث الأفق منقطعا وغيث كفك بالأموال متصل
جارى نداك فلم يظفر ببغيته فذلك البرق في حافاته خجل
ثم أتى بزيادة على ذلك فقال من أخرى:
منعت مكارمه رويته فنداه طول الدهر مرتجل
جارت نداه السحب فارتجعت عنه ووابل ودقها وشل
فالرعد في أثنائها ضجر والبرق في أرجائها خجل
وقال:
قد قلت إذ قالوا: يداه سحابة سحبت ذيول مجلجل هطال
لا تضربوا مثلا له في جوده فحقيقة الأمثال للأمثال
وأبلغ من هذا قول الآخر:
ضربوا لك الأمثال في أشعارهم لكنني بك أضرب الأمثالا
فأما ما تقدم من وصف السيف بالماء والنار فقد نقل وبولغ فيه.
أنشدني ابن مكنسة قوله في الخمر من أبيات:
أيام عودك مطلول بوابلها والدهر في عقله من مسها خبل
تنزو إذا قرعتها كف مازجها كأنما نارها بالماء تشتعل
وقوله في وصف كأس:
وخضيبة بالراح يج لوها عليك خضيب راح
ما زال يقدح نارها في الكأس بالماء القراح
وقوله من أبيات:
كلما سلط المزا ج على نارها اشتعل
وهو من قول الآخر:
كم جوى مثله رسم مثل ودم قد طل أثناء طلل
وأدرنا لهبا في ذهب كلما أخمد بالماء اشتعل
وكأن مأخوذ من قول البحتري:
كل جون إذا التقى البرق فيه لمعت للعيون بالماء ناره
وقال محمد بن عيسى يصف أبياتا بعث بها بعض الملوك إليه:
بعثت بها يا واحد الدهر قطعة هي الماء إلا أنها تتلهب
فجئت بها في الحسن ورقاء أيكة ولكنها في العدم عنقاء مغرب
ومن مليح ما وصف به الشعر قول الآخر:
وقواف ليست تفارق مغنا ك على أنها تجوب البلادا
وقبيح أن أدعى الفضل فيها بعد أن أنطقت علا الجمادا
وكتب إليه أبو بكر في يوم غيم وقد احتجب:
تجهم وجه الأفق واعتلت النفس بأن لم يلح للعين أنت ولا الشمس
فإن كان هذا منكما عن توافق وضمكما أنس فيهنيكما العرس
وقال ابن خلصة:
ملك تملك حر الحمد، لا يده نالت بظلم ولا مالت إلى بخل
لم تدر قبلك عين أنها بصرت بالغيث والليث والرئبال في رجل
يغرهم بك والآمال كاذبة
ما جمعوا لك من خيل ومن خول
فأما قوله: لا يده نالت بظلم؛ فقد زاد الآخر فيه زيادة حسنة:
إذا هو ذاد الظلم عنا بعدله غدا ماله في كفه متظلما
يرى الذنب أن تسطو يداه بمذنب ويعتد جرما أن يعاقب مجرما
وقوله أيضًا:
[ ١٣ ]
تظلم ما تحويه فيك فلم يغث وقد جعلت في راحتيك المظالم
ومن عجب أن تظلم المال وحده ولم يبق في أيامك الغر ظالم
وقوله أيضًا:
يا عادلا في كل ما هو فاعل ما بال كفك في اللهى لا تعدل؟
تبقى أحاديث القتيل بسيفه فكأنما يحيي به من يقتل
وهذا البيت من قول ابن نباتة:
تبقى بهم أخبار من غلبوا فكأنهم أحيوا وقد قتلوا
وقال أبو الطيب:
وأن دما أجريته بك فاخر وأن فؤادا رعته لك حامد
وقال مهيار:
ويستطيل القرن لاقى الردى بهم وما في الموت من طائل
ويشرف السيف بما شامه ويفخر المقتول بالقاتل
ومن باب ظلم المال قول الآخر وذكر الخيل:
ما أوردوها قط إلا أصدرت جرحى الصدور سليمة الأكفال
وإذا انجلت عنهم دياجير الوغى عدلوا بفتكهم إلى الأموال
ووصفه الخيل من قول الرضي: (فُجعت بمنصلت) يعرف للقنا=أعناقها ويحصن الأكفالا وهو مأخوذ من قول الببغاء:
يلقى الطعان بصدر منه ليس له ظهر وهادي جواد ماله كفل
وقال محمد بن عثمان في وصف قصر، وهو بصفات مباني مولانا أليق، وأرجه في أرجائها أعطر وأعبق:
هو جنة الدنيا تبوأ نزلها ملك جبلته التقى والدين
راسٍ بحيث النون إلا أنه سام فقبته بحيث النون
فكأنما الرحمن عجله له ليرى بما قد كان ما سيكون
وكأن بانيه سنمار فما يعدوه تحسين ولا تحصين
وجزاؤه فيه خلاف جزائه شتان ما الإحياء والتحيين
ومحمد بن عثمان من المكثرين المبدعين، والمتصرفين التوسعين، ومن مليح تشبيهاته:
والسمر من قلب القلوب مواتح وكأنها موصولة الأشطان
والنبل في حلق الدلاص كأنها وبل الحيا في مائج الغدران
وقوله أيضًا:
وفويق ذاك الماء من شهب القنا حبب ومن خضر الصوارم عرمض
أهواهم وإن استمر قلاهم ومن العجائب أن يحب المبغض
وقوله في وصف هام المصلين:
وقد تلم بها الغربان واقعة كأنها فوق مخلوقاتها لم
وقال:
تكاد تغنى إذا شاهدت معتركا عن أن يسل حسام أو يراق دم
وما اجتدى الموت نفسًا (من نفوسهم) إلا وسيفك كعب الجود أو هرم
وهذا من القول المعجب، والنظم المطرب، والبيت الأول قول مهيار:
ألق السلاح فقد غنيت سعادة عن حمله واضرب بجدك واطعن
وإذا أردت بأن تفل كتيبة لاقيتها فتسم فيها واكتن
وقال الآخر:
أدل بجمعه فكفاك جد يفل سعوده الجيش اللهاما
ضربناه بذكرك وهو لفظ فكان القلب واليد والحساما
وقال:
وما خيلاء الخيل فيها سجية ولكنها لما امتطيت توائه
فنصرك أيا ما سلكت مساير وفتحك أيا ما اتجهت مواجه
وقال في وصف هذه القصيدة:
ففي أنفس الحساد منها هزاهز وفي ألسن النقاد منها زهازه
وهذا من العكس الذي يطرب له السامع، وتقل فيه المطالع، ومن بديعه قول ابن جاخ:
وتحت البراقع مقلوبها تدب على ورد خد ند
تسالم من وطئت خده وتلسع قلب الشجي الأبعد
وللنيلي أحد شعراء اليتيمة:
إذا دهاك الوداع فاصبر ولا يروعنك البعاد
وانتظر العود عن قريب فإن قلب الوداع عادوا
وقد أخذه ابن أبي وهب فقال:
قالوا تدانيت من وداعهم ولم نر الصبر عنك مغلوبا
فقلت للعلم إنني بغد أسمع لفظ الوداع مقلوبا
ومن ضروب العكس قول البحتري:
ولم ير يوما قادرا غير صافح ولا صافحا عن زلة غير قادر
وقول الآخر - وهو على دولاب -:
عبدك يا عبدون في نعمة صافية أذيالها ضافية
نديمتي جارية ساقية ونزهتي ساقية جارية
وعلى ذكر الدولاب فلم أسمع فيه أحسن من قول السلامي
وكأنما الدولاب ضل طريقه فتراه ليس يزول وهو يطوف
وقال أبو الطيب سالكًا مذهب البحتري:
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
وقال ابن حيوس:
[ ١٤ ]
إذا طلب العلياء لم يهنه الكرى وإن طلب الأعداء لم ينهه الزجر
ثغور العدا إن رمتموهن كالفلا وكل فلاة رمتم منعها ثغر
ومن بديع القلب، ونوعه الغريب الصعب أن يقرأ الكلام من آخره كما يقرأ من أوله، كقوله ﷿: (كل في فلك) وكقولهم: سر فلا كبا بك الفرس. وقد جاء ذلك منظوما قال:
بلغت بلاغتنا مدى دم أنت غالب تغلب
ومثله قول الآخر:
أراهن ناد منه ليس لهو وهل ليلهن مدان نهارا
وقول الآخر:
قال بكر للمرادي دارم للركب لاق
وذكر أبو محمد القاسم بن علي الحريري البصري من هذا الباب: لم أخامل. كبر رجاء أجر ربك. سكت كل من نم لك تكس.
ومن المنظوم:
أس أرملا إذا عرا وارع إذا المرء أسا
أسند أخا نباهة ابن إخاء دنسا
اسل جناب غاشم مشاغب إن جلسا
وقال محمد يصف سماطا:
سمت السوام به الحمام كأنما أخذت بشأن من ذوي الشنآن
وتبعتها ذات الجناح كأنما فعلت جناحا قبل في الطيران
حتى غدا حمل السماء ونسرها حذرين مما حل بالحملان
نار بأرجاء المدينة سقطها مزر ببيت النار في أرجان
فلو المجوس تجوس حول ديارنا أمت لديك عبادة النيران
وقال:
فلا دولة إلا إليك نزاعها وما زال يطوى عن سواك لها كشح
إذا خيف أن تشتد شوكة مارق فلا رأي إلا ما رأى السيف والرمح
وقال حسان بن المصيصي:
ملك يظل ثرانا عنده قبلا فذو الغواية منا مثل عابدنا
نسقى ونسجد إجلالا لهيبته فنحن نشرب خسرا في مساجدنا
وقال:
مليك إن دعته الحرب يوما لما تعنو لهيبته الأسود
قسا قلبا وسن عليه درعا فباطنه وظاهره حديد
وقال مسعود بن محسن:
مليك تحلم الآمال فيما حواه من الطريف أو التلاد
وتزدحم المطامع في نداه لأن عليه أرزاق العباد
وقد أحسن الآخر في قوله:
إن غاض صوب الحيا فاضت أنامله جودا وروضت الدنيا مكارمه
يصرف الأمر في الآفاق خاتمه ويصبح الدهر طوعا وهو خادمه
وقال مسعود أيضًا:
وإنا إذا الأرواح ذابت مخافة متحنا بأشطان الرماح وكاياها
متى ما أردنا أن يذاق حديدنا خلقنا بحد المشرفية أفواها
وهذا من باب قول ابن نباتة:
خلقنا بأطراف القنا لظهورهم عيونًا لها وقع السيوف حواجب
ومسعود هذا مقل في شعره، محسن مطرب بغزله مفتن فمن ذلك قوله:
غزال يكون الفهد طوع يمينه ولم نر ظبيا قط مستخدما فهدا
ومن أعجب الأشياء أن بات آمنا من الثأر فينا وهو يقتلنا عمدا
وقوله:
حوراء تقتل من رمته بطرفها فكأن سهم لحاظها مسموم
وتصيب أسهمها وليس يرى دم فالقتل منها ظاهر مكتوم
وتكاد تسكر بالحديث لأنه عصرت بحيث يمر فيه كروم
وقال محمد بن عيسى:
وضحت به العليا فمنهج قصدها منه إلى ظهر المجرة مهيع
يندى عليك وأنت منه خائف وكذاك لج البحر مغن مفزع
وهذا من قول الآخر: هو البحر فيه الغنى والغرق على أن محمد بن عيسى قد ذكر هذا المعنى في موضع آخر، واحتاط للمدوح، فقال وأحسن:
براحته بحر محيط مسخر يفاد الغنى فيه ولا يذعر الركب
والذي دعاه إلى البيت العيني قوله بعده:
فأشد ما تلقاه عند ليانه وكذا الأرق من الحسام الأقطع
وقال:
تخللت حتى غابة الأسد الورد وأنزلت حتى ساكن الأبلق الفرد
وجردت دون الدين سيفك فانثنى من النصر في حلي من الدين في غمد
لقد ضم أمر الملك حتى كأنه نطاق بخصر أو سوار على زند
يغيثك في محل يغيثك في ردى يروعك في روع، يروقك في برد
جمال وإجمال وسبق وصولة كشمس الضحى، كالمزن، كالبرق، كالرعد
ومثل هذا التركيب، وعلى حكمه في الترتيب، قول محمد بن أبي سعيد:
جاور عليا ولا تحفل بحادثة إذا ادرعت فلا تسأل عن الأسل
[ ١٥ ]
سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد ملء المسامع والأفواه والمقل
وقال محمد بن عيسى أيضًا:
ملك غدا الرزق مبعوثا وظل يجري على أحكامه القدر
يا من قضى الله أن الأرض يملكها عجل ففي كل قطر أنت منتظر
وقال:
يهوى قناتك قلب من لم تهوه فيكاد فوق سنانها يتقلب
أنت النهار فليس دونك نجعة والليل أنت فليس دونك مهرب
وفي هذا بيت النابغة وزيادة لأنه قال:
فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقد أجاد ابن أبي الفرات في قوله:
كأن فجاج الأرض كفاك إن يسر بها مجرم ضمت عليه الأناملا
فأين يفر المرء عنك بجرمه إذا كان يطوي في يديك المراحلا؟
وقال:
يجري النهار إلى رضاك وليله وكلاهما متعاقب لا يسأم
فكأنما الإصباح تحتك أشقر وكأنما الإظلام تحت أدهم
والخيل كانت تستريح من السرى لو لم يكن فوق البسيطة مجرم
تهوى قناك الطير فهي وراءها تهوي لتبصر حيث تطعن تطعم
بلغت إلى السمع الأصم صفاتهم وأبان فيهن اللسان الأعجم
قوله: تهوى قناك الطير هو المعنى الذي سبق الأفوه الأودي إليه، واتبع جماعة من الشعراء تمثيله فيه واحتذوا عليه. ومن المشهور في ذلك ما جاء للنابغة، ومسلم، وأبي نواس، وأبي تمام وغيرهم، ومن مليح ما أعرفه فيه قول مروان بن أبي الجنوب:
لا تشبع الطير إلا في وقائعه فأينما سار سارت خلقه زمرا
عوارفا أنه في كل معترك لا يغمد السيف حتى يكثر الجزرا
وقول الآخر:
ولست ترى الطير الحوائم وقعا من الأرض إلا حيث كان مواقعا
وقول عبيد الله بن قيس:
والطير إن سار سارت خلف موكبه عوارفا أنه يسطو فيقريها
وقول ابن نباتة:
إذا حومت فوق الجموع عقابه تباشر عقبان بها ونسور
حواجل أو ربد الظهور قشاعم قوانصها للدارعين قبور
وقول الآخر:
كأن النسور نافست فيهم الثرى فقد حصلت أجسامهم في الحواصل
وقوله:
وتطايرت في الجوار رزق أجادل طلبت مطاعمها وزرق نصال
وقول الآخر:
عتادهم خطية قد تكفلت برزق نسور حوم وخوامع
وقوله أيضًا:
فإن تك أسرى عفت البيض عنهم فمن بعد أن عافت ضباع وأنسر
والبديع كل البديع قول أبي الطيب:
يطمع الطير فيهم طول أكلهم حتى تكاد على أحيائهم تقع
وقال:
سألت أخاه البحر عنه فقال لي شقيقي إلا أنه الساكن العذب
لنا ديمتا ماء ومال فديمتي تماسك أحيانًا وديمته سكب
إذا نشأت مالية فله الندى وإن نشأت مائية فلي السحب
أقلوا عليه من سماع صفاته فإني لأخشى أن يداخله عجب
غفرت ذنوب الدهر لما لقيته ودهر به ألقاه ليس له ذنب
وأبلغ من هذا قول مهيار:
وما ذممت زماني في معاتبة وحجتي بك إلا وهو يخصمني
وقال محمد بن عبادة، فاستعمل أسلوبًا غريبا، وركب تركيبا غريبا عجيبا، لأنه خلط بمديحه غزلا وتشبيها:
نفى الحب عن مقلتي الكرى كما قد نفى عن يدي العدم
فقد قرَّ حبك في خاطري كما قرَّ في راحتيه الكرم
وفر سلوك عن فكرتي كما فر عن عريضه كل ذم
فحبي ومفخره باقيان فلا يذهبان بطول القدم
وقد شاب قولي بذكري له مديح أجل ملوك الأمم
وقال ابن مطرف:
يرى العواقب في أثناء فكرته كأن أفكاره بالغيب كهان
لا طرفة منه إلا تحتها عمل كالدهر لا دورة إلا لها شان
وقال عبد الحميد بن عبد الحميد:
أرح متن المهند والجواد فقد تعبا بجدك في الجهاد
قضيت بعزمة حق العوالي فقض براحة حق الجياد
وقال جعفر بن محمد:
وعصرك مثل زمان الربي ع لا تهجر الشمس فيه الحمل
تسامت علاك سمو النجوم وسارت أياديك سير المثل
وقال آخر:
لعزك ذلت ملوك البشر وعفرت تيجانهم في العفر
وأنت ملوك إذا شاجروا أظلتهم من قناهم شجر
[ ١٦ ]
بدور تجرد سيف الندى وتغمده في رؤوس البدر
وقال مصعب بن محمد:
مليك يجر الجيش جما عديده لأرض الأعادي زائر متعبد
يزعزع أقطار البلاد كأنما تحم به الأرض الفضاء فترعد
وقال:
إلى ملك لو لم أحل قلائدي به لم أكن من جوهر الفضل حاليا
ألا إنني لما عددتك أولا ختمت وما استثنيت بعدك ثانيا
وهذا المقدار دال على استنباط أمثاله من هذا الأسلوب، ومسهل استخراج أنظاره من هذا الغرض المطلوب، وهاد إلى ما يجب قصده في المدح واعتماده، وباعث على ما يلزم إضماره في الوصف واعتقاده. وقد أوردنا في هذا الجزء أنموذجًا لما يجاريه من بابه، واقتصرنا عليه لتعذر استقصائه واستيعابه. والله تعالى يديم على الأمة ظل مولانا ودولته، ويثبت سلطانه ومملكته، ويجعل تراب أرضه رثما في الشفاه، وغررا في الجباه، ولا زال عفوه كعبة الخائف الجاني، وجوده غاية تسمو إليها همم الأماني، وأيامه المشرقة الزاهرة موسمًا للبشائر والتهاني، ويرحم الله عبدًا قال آمينا إن شاء الله ﷿.
الحمد لله وصلى الله على سيد المرسلين محمد، وعلى آله الطاهرين، وسلم. الله حسب المملوك ونعم الوكيل.