فتدبيره أبرز الدولة الفاطمية في أجمل المعارض، وجعل آيات مجدها متلوة بلسان المخالف والمعارض، لأنه شيد مبانيها باصطفاء الأنجاد، وحمى الدين وقد قعد الملوك عن النصرة له والإنجاد، وانتصب لصالح الأمة يستمد أسبابها ويجتلبها، واجتهد في منافع الكافة يستدر أخلافها ويحتلبها، فالأفهام متواطئة على أن هدايته أرشدت الألباب الحائرة، والأحوال ناطقة بأن معدلته أذهبت الأحكام الجائرة، فالله يخلد نظره ما تتابع ليلة ويوم، ويشيد مجده ما تعاقب على الأجفان يقظة ونوم.
فصل
إن الله عضد الخلافة منه بكفيل تكفلت بحياطة الملة صرائمه، وخليل تجردت لإيالة الإسلام صوارمه، وحفيظ وضحت مفاخره وضوح ضياء الشمس، وحسيب اجتمع له فضيلتا كرم الأصل وشرف النفس، ومليك أوجبت خلاله تشوف الغد، وقضت بتلهف الأمس، ولذاك آتاه الله من الخصائص التي فاضل بها عظماء الأرض طرا، وحباه بالمآثر التي طال بها ملوك العصر شما كريمة وأفعالا غرا.
فصل
وكيف يبلغ الحمد مدى هممه، أو يؤدي القول فحوى شيمه، وقد بدد جموع الضلال ذباب قواضبه القاضية، وسرد أسود الأقيال تغالب أسنته الضارية، وأورد دماء الأعداء حوائم سهامه الظامية، واستنطق عصره مفتخرا على الأيام الخالية، بأيامه الحالية، فبكفالته اغتباط الدولة وابتهاجها، وإلى مكارمه معرج الآمال ومعاجها، وبتدبيراته الميمونة ظهر برهان الدولة الآمرية وثبت احتجاجها، ولا خلاف أن أعطاف مجده لائقة بها ملابس التعظيم، وأن ملوك الأرض قد أقرت له بفضيلة التقديم، وأنه قد حاز تالد الفخر وطارفه، فلم يحتج قديمه إلى حديث، ولم يفتقر حديثه إلى قديم.