لما قتل الحارث بن أبي شمر الغساني المنذر بن ماء السماء - وهو المنذر الأكبر، وماء السماء أمه - أسر جماعة من أصحابه، وكان فيمن أسر شأس بن عبدة في تسعين رجلًا من بني تميم، وبلغ ذلك أخاه علقمة بن عبدة الشاعر فقصد الحارث ممتدحًا بقصيدته المشهورة التي أولها:
طحا بك قلب في الحسان طروف بعيد الشباب عصر حان مشيب
فأنشده إياها حتى بلغ إلى قوله:
إلى الحارث الوهاب أعملت ناقتي لكلكلها والقصريين وجيب
إليك أبيت اللعن
كان وجيفها
لمشتبهات هو لهن مهيب
هداني إليك الفرقدان ولا حب له فوق أعلام المتان علوب
فلا تحرمني نائلًا عن جناية فإني امرؤ وسط القباب غريب
وفي كل حي قد خبطت بنعمة وحق لشأس من نداك ذنوب
فقال الحارث: نعم، وأذنبة، وأطلق له شأسا أخاه وجماعة أسرى بني تميم، ومن سأل فيه من غيرهم.
ومن الشفاعات التي تضاعف الانتفاع بها لتصحيف اتفق فيها، وقلما ينتفع بالتصحيف، ما حكاه أبو عبد الله حمزة بن الحسين الأصبهاني قال: ورد على الفرزدق البصرة مولى له من البادية، فأخبره أنه خلف بسفوان امرأة قد عاذت بقبر أبيه غالب، فرد الفرزدق مولاه من فوره إلى سفوان
علي بن الجهم:
لئن جل ذنب ولم أعتمد: لأنت أجل وأعلى يدا
أقلني أقالك من لم يزل يقيك ويصرف عنك الردى
سعيد بن حميد:
اغتفر زلتي لتحرز فضل ال عفو عني ولا يفوتك أجري
لا تكلني إلى التوسل بالعذ ر لعلي أن لا أقوم بعذري
كاتب بكر:
ولو أن فرعون لما طغى وقال على الله إفكا وزورا
أناب إلى الله مستغفرا لما وجد الله إلا غفورا
الشهزروري:
يستوجب العفو الفتى إذا اعترف بما جناه وانتهى عما اقترف
بقوله: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف)
مهيار:
أعيذك بالمجد المحسد أن يرى جنابك عني ضيقًا وهو واسع
وأعجب ما حدثته حفظك العلا وعبدك في أيام ملكك ضائع
أبو إسحق الصابي:
أمولاي مولاك الذي أنت ربه إليك على جور النوائب يستعدي
وهذي يدي مدت إليك بقصة أعيذك فيها من إباء ومن رد
[ ٦ ]
وللملوك مقرر هذه الرسالة خدمة كان رفعها إلى المجلس العالي المالكي - خلد الله سلطانه وشيد أركانه - وهي: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر) لو كان للمراحم عن الشيم الشريفة الأفضلية معدل، أو للعواطف عنها مرجع أو موئل؛ لما منع ذلك ذوي العقول من قصد الجناب الكريم المالكي الأفضلي وقوفًا بآمالهم في رحيب ساحاته، وتخييمًا برجائهم في مصون عرصاته؛ إذ كان كل مملوك فإلى مالكه معاذه ومفزعه، ولسلطان عصره ملاذه وإليه مرجعه، فكيف وأنواع الرأفة إلى مولانا - خلد الله ملكه - منسوبة، وأقسام العواطف من سمائه مستنزلة مطلوبة، والجرائم عنده - وإن عظمت - مسموح بها مرهوبة على أن سطوته بالإجماع مخوفة، وهيبته مرهوبة. لا جرم أن الله تعالى خصه من الرحمة بما هو معدود من صفاته، وأفرده من الخصائص ببدائع الفضل ومعجزاته. والله أحكم بتدبير خلقه، وأعلم حيث يجعل رسالاته. والمملوك يقبل الأرض بالمقام الكريم، وينهي ما هو عليه من ضر قد قصر عنه جلده، وضاق فيه بروحه جسده، وأصار راحمه من كان يحسده، وقد تهكته العطلة والبطالة، أطال الزمان دفاعه عن الحظ ومطاله، وله حرمة من نشأ في ظل دولته القاهرة، وفاضت عليه سحائب مكارمه الغامرة وربي في دواوين مملكته السعيدة، وتميز بالمسير تحت ركابه في الأسفار القريبة والبعيدة، وما نعرف ذنبًا أتاه كفر به نعمته وإحسانه، ولا أنه خرج في الإخلاص له والعبودية عما هو عليه الله سبحانه، لكنه يعلم أن أحدًا من المماليك لا يكون في أمر يكرهه ويسوؤه إلا لذنب متقدم أحصاه الله ونسوه، فلذلك يعترف بين يدي مولاه ومالكه بمثل ما اعترف به أول مخلوق إلى بارئه وخالقه، فيقول: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) . ومعلوم أن كل كبيرة تغرق في بحار رحمته، وكل عظيمة تضيع في واسع مغفرته، فبموضع الله من قلبه إلا رحم منه ذليلًا ضعيفا بين الميت والحي، وعبدا مملوكا لا يقدر على شيء، ومسكينا يقول في استرحامه ومناجاته مثل ما قاله الأعرابي في استغفاره ومناداته: اللهم اغفر لي؛ فإنك تجد من تحاربه غير، ولا أجد من يغفر لي غيرك. وقد تحرم بصدق الرجاء في نجح طلبه، واستشفع بمن لا يخيب من استشفع به:
شفيعي إليك الله لا شيء غيره وليس إلى در الشفيع سبيل
وقد ختم المملوك رسالته بهذه الخدمة تجديدًا لشكوى حاله، وطلبًا للرحمة الشاملة لأمثاله، فقد والله اشتد ضره وزاد، وبلغ به الدثور أو كاد:
ومن كان في أيام ملكك خاملا ففي أي ملك يستريش ويستعلي؟
بقيت بلا بعد يرجى انتظاره كما أنت إن عد الملوك بلا قبل
آمين آمين آمين (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) وصلى الله على سيد المرسلين محمد نبيه وعلى آله الطاهرين، وسلم تسليما. الله حسب المملوك ونعم الوكيل.