لما خرجت أوامر مولانا - ثبت الله دولته - بإنشاء خيمة للنظر، وعمل فازة تتكفل بمصالح البدو والحضر؛ امتثلت مراسمه السامية في إنشائها ووقعت المسارعة إلى انتهاج تمثيلاته واحتذائها، فجاءت توفي في الجلالة على إيوان كسرى، وظلت الأبصار في أرجائها الفسيحة خاسئة حسرى، إذ كانت مناسبة لأمثالها من المنازل الشريفة في الاتساع، ومجانسة لأنظارها من المقامات الكريمة في السمو والارتفاع، وتضمنت من صور ناطق الحيوان وصامته ما أحاط بالحسن واستولى على غايته، تخالها حومة وغى لما اجتمع فيها من المقانب والجيوش، أو بيداء لا محيص عنها لأنواع السباع والوحوش، قد حوت آفاقها متضاد الحيوان بلا أذى ولا ضير، فكأنه فيها سليمان وقد حشر له جنوده من الجن والإنس والطير، وفي يوم إظهارها ونصبها، واستقرار جلوسه الأشرف الأسنى بها، وهب الأموال الجمة، وعم بالإحسان الأمة، ونشر الرأفة والرحمة، وسامح بالكبائر والعظائم، وصفح عن الجرائر والجرائم، وأنعم بما لم ينعم به أحد من ملوك الدهر، واستخلص الضمائر بالدعاء له في السر والجهر، فتضوعت بالأرض من الثناء عليه بأعطر أرج، ووقع الاتفاق على تسميتها بخيمة الفرج، ووصفها الشعراء وصفا أجادوه وأحكموه، وأحسنوا فيما صنعوه منه ونظموه.
فمن ذلك قول ابن الحواري:
وبنى للمجد فوق السبعة الأفلاك فازه
لو رأى كسرى سناها صاح إعجابا بها: زه
[ ٣٨ ]
ومن تأمل هذا الشعر البديع، وتدبر هذا التركيب الصنيع، وجد فيه ما لا يأبى استحسانه طبع سامع، وعلم أنه مما لا يظفر به كل طامع.
وقد استحسنوا هذه اللفظة - أعني: زه - في قول الأول - وهو مما يتغنى به:
في مثل هذا يحسن البلوى ليس على عاشق ذا عدوى
وكل من أبصره قال لي زه يا فتى تحسن أن تهوى
فإذا كانت مع ضعفها في الحشو مستجادة مستحسنة، فما الظن بها وقد أتت قافية قوية متمكنة؟ وعلة فضيلة التقفية أنها أقصى ما يحصره الوزن، وآخر ما يلقاه السمع، وبهذا احتج مفضل المقاطع على المطالع؛ فإذا كانت القافية مدى الشعر، ومنتهى حده، وغاية ما يبلغه مما لا مطلب من بعده؛ فلا غرو أن تكون مدح مولانا إذا تؤملت قوافيها مشتملة على الألفاظ التي لا تحسن في شيء حسنها فيها؛ إذ كان آخر ملوك الدنيا وقتا وزمانا، وإن كان أولهم شرفا ومجدا وسلطانا:
نسقوا لنا نسق الحساب مقدما وأتى
فذلك
إذ أتى متأخرا
ولهذا فضل البيت الذي يكون المستحسن في آخر أجزائه، على البيت الذي يتضمنه حشوا في تضاعيفه وأنحائه. على أن من الحشو ما لا تخفى بهجته، ولا تجحد فضيلته.
حضر المملوك يوما بين يدي الشيخ الأجل أبي الحسن بن أبي أسامة فجرى ذكر الحشو في الشعر فأنشد لأبي الشيص:
حلي عقال مطيتي لا عن قلى
وامضي فإني
يا أميمة
ماض
وقال: قوله: لا عن قلى، فضلة لا يفتقر المعنى إليها فلهذا سميت حشوا، وقد جاءت في الحسن على ما ترى.
ولم يكن المملوك تنبه على ذلك من البيت وإن كان من حفظه فاعتده من فوائد مجلسه، وأضافه إلى ما أخذه عنه من نظائره، وأنشده المملوك قول ابن حيوس:
وجاد بنفس لا يجود بمثلها مع العلم بالعقبى نبي مقرب
إذ كان قوله: مع العلم بالعقبى، من أحسن ما جاء في هذا الباب.
ولم يذكر ما جاء من الحشو: بحاشا، وما تصرف منها نحو قول المتنبي:
ويحتقر الدنيا احتقار مجرب يرى كل ما فيها
وحاشاك
فانيا
وقول الآخر:
مواهب شتى لو عدتني وحوشيت
كفاني ما أحرزته متسلقا
وقوله:
ولو أن ياجوج استعانوك مرشدا وحوشيت من إرشادهم خرقوا ()
لأن ذلك مما أكثر الناس فيه، فلا لذة في المحاضرة به.
ومن مليح الحشو قول نصيب:
فكدت ولم أخلق من الطير
أنني
أعار جناحي طائر فأطير
فقوله: ولم أخلق من الطير، من مستحسن ما أتى من هذا النوع.
وقول عوف بن محلم لعبد الله بن طاهر:
إن الثمانين وبلغتها
قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
على أن قوله: وبلغتها، معدود في الالتفات عند قوم، وفي التتميم عند آخرين.
وقول ابن المعتز يصف خيلا:
صببنا عليها ظالمين
سياطنا
فطارت بها أيد سراع وأرجل
فقوله: ظالمين، من بديع الحشو.
وقول مهيار:
وكم ثم
من مسترزق حلفت له
لهاك
وبرت
أنه لا يخيب
فقوله: وبرت، لفظة يتم المعنى دونها إلا أنه تبرع بها، فتضاعف المدح بسببها.
وقوله:
لو أن الورى أهلي لكنت وأنت لي أقوم بهم مستظهرا وأمو (ن)
فإحسانه بقوله: مستظهرا، مما لا يستطيع أحد جحده، ولا يسد غيره مسده.
وقوله:
عزي بنفسي ولكن زادني شرفا أني إليكم إذا باهلت أنتسب
فأبدع بقوله: إذا باهلت، لأنها أفضل ما ورد مع النسب.
وقول ابن أبي الشخباء:
يصرف الأمر في الآفاق خاتمه ويصبح الدهر طوعا وهو خادمه
فقوله طوعا، مما تطوع به فأغرب، وأتى منه بما أعجب به وأطرب. ونظائره كثيرة.
ومن مليح ما قيل في الخيمة المنصورة قول ابن زيد الأنصاري:
أخيمة ما نصبت اليوم أم فلك ويقظة ما نراه منك أو حلم
ما كان يخطر في الأفكار قبلك أن تسمو علوا على أفق السها الخيم
حتى أتيت بها شماء شاهقة في مارن الدهر من تيه بها شمم
إن الدليل على تكوينها فلكا أن احتوتك وأنت الناس كلهم
والطير قد لزمت فيها مواضعها لما تحققن منها أنها حرم
[ ٣٩ ]
تغدو القماري والبازي يحفظها كأنما بينهم في جوها رخم
كأنها جنة فالقاطنون بها لا يستطيل على أعمارهم هرم
إن أنبتت أرضها زهرا فلا عجب وقد همت فوقها من كفك الديم
وقول الآخر:
عزت على الشعراء مدحة خيمة فوق النجوم أساسها أشطان
لما مثلت بها ظننت بأنها دار الخلود أباحها رضوان
مما عارض المملوك فيه من سبقه، وبعثه على إيراده رضى من استجاده واستوقفه.
قد بالغ الناس في استحسان قول ابن سورين فيما كتب به عن الإمام الحاكم بأمر الله ﵇ إلى عامل القدس في إخراب قمامة وهو: صر إلى قمامة؛ فاجعل طولها عرضا، وسماءها أرضا. واتفق للملوك لما سمع هذا الفصل أن استحسنه، واستجاده على حسب ما أمكنه، فلم يقنع مورده بما وصفه به وقرظه، فاعتمد في تكثير المدح ما أثقل السمع وبهظه، فقال المملوك: لو قال صر إلى قمامة فأزل باطلها، واجعل عاليها سافلها.
أو قال: فعفها بالمحو والطمس واجعلها حصيدا لم تغن بالأمس، لكان أشرف لترصيعه اللفظ بالقرآن، وترتيبه المعنى في أعلى طبقات البيان.
فقال راوي فصل ابن سورين: فضيلة هذا الفصل قلة حروفه، وفرط إيجازه، وإن من تحدي به على حقيقة تعذره وإعجازه.
فقال المملوك: أنا أذكر هذا المعنى بلفظ أصنع وأقصر، ومعنى أجمع وأحصر، فطولب أن يوفي الضمان، وقيل له: من نقض مان، فقال ما لا موضع فيه لحذف ولا سبيل إلى تحقيقه بحركة ولا حرف، مع استيفاء المعنى، وأن أحدًا لا يجد فيه طعنا. وهو: صر إلى قمامة، فعجل لها القيامة.
ففضل هذا الفصل على الأول أضعافا، وبولغ في وصفه إلى أن تفادى المملوك وتعافى؛ وعلة ذلك أن هذه الأيام الشريفة التي فخرت بمالكها على غيرها من العصور، وخرجت فضائلها عن المحدود والمحصور، قد فاضت أنوارها على كل عالم ومتعلم، وسرى شعاع سعدها إلى كل ناطق ومتكلم، ولما اتفق كون هذا الفصل في التعفية على متعبد أهل الشرك، وتدمير ما يصنعونه فيه من الضلال والإفك؛ اختصره مملوك مولانا كما اختصرت مشرفيه أعمارهم وآجالهم، وضيق فيه على مقتفيه كما ضيقت هيبته منفسحهم ومجالهم، عملا بالهذيبات المالكة (على ما اقتضته الشيمة الفاضلة)، وتأدبا بالتثقيفات الأفضلية بحسب ما وصلت إليه آلته القابلة، والله يمد ظلها فهو أفضل موجبات هذه الدنيا وأسباب وجودها، وموزع الكافة شكر النعمة فيما غمرهم من كرمها الفائض وجودها، بفضله وقدرته وطوله ومشيئته.