وأمير المؤمنين يقول مخبرا، ويورد مقتصدا مقتصرا. إن المنة به أكبر من أن يوفى حقها باعتداد، وأعظم من أن يؤدى فرضها بمبالغة في الشكر واجتهاد، وأسنى من أن يحيط بها وصف أو شرح، وأعلى من أن يناهضها تقريظ أو مدح، إلا أن البلغة من أوصاف مفاخره واللمعة من فضائله الباهرة ومآثره؛ أنه ملك يؤمن الخائف، ويقهر الحائف، ويبالغ في شكر العطاء والجود، ولا يتعدى الحد في إقامة الحدود، فحلال الدماء مطلول بشفار مشرفيته، وحرامها مصون بدينه الخالص وتقيته، يعمل بما يقضي بجذل الإسلام وابتهاجه، ويضمن الطمأنينة والسكون في حركته وانزعاجه، وينهض لنصرة الدين وقد صاحبته الميامن والسعود، ويفارق وطأته فراق السيف غمده يجلي ظلم الحوادث ويعود، ولذاك أعمل ركابه لتجهيز العساكر المؤيدة، والأساطيل المظفرة، واستسهل البعد عن مقر أمير المؤمنين في جنب ما يرجوه من إبادة أعدائه الكفرة، لأن عملهم ينهوضه جيش ينفذ من الرعب، ولأن بعده الآن مؤذن - بمشيئة الله - بدوام الدنو والقرب، فكم استخرجت عزمته الدعة من النصب، وكم استنتجت همته الراحة من التعب، فلا زالت أقطار المملكة محصنة بقواضي قواضبه، والخطوب مخاطبة عن حوزتها بألسنة كتائبه.
فإذا كان هذا جزءا من ثناء أمير المؤمنين، ويسيرا مما تداوله الخلفاء على متقادم السنين؛ فأين يقع منه اجتهاد مماليكه في إحسان ذكره؟ وكيف يطمع أحد منهم بواجب حمد الله على تمليكه عليهم وشكره؟
[ ٤٥ ]
عذرا إليه فإننا من عجزنا وقصورنا عن مدحه نستغفر
وهذه الفصول أنموذج في وصف مناقبه كاف، وسبيل إلى نشر فضائله غير عاف ولا خاف، والمملوك يقف عند هذا الحد، ويقنع بما أورده مما قد أمن فيه من الرد، ويشفع ذلك من الملح بما يسنح، ويتبعه بما يميل القلب إلى مثله ويجنح، وهو وإن أورد منه ما نزر وقل، فقد نبه به على نظائره ودل، والله يعينه من الخدمة الشريفة على ما تضمره نفسه وتنويه، ويقضي له من الحظ بما يكسبه جزءا من إشادة وتنويه، بجوده، ومجده، وكرمه وفضله.