لما كان مولانا الملك - خلد الله ملكه - آية الله التي أبداها لعباده وأظهرها، ورحمته التي بعثها على بلاده ونشرها، ومعجزته الموضحة مستور الحكمة ومكنونها، وسريرته المستودعة من غامض علمه ما جعل كل آية دونها؛ فكأن البسيطة ما سطحت إلا لتجول فيها عساكره، وكأن البرية ما خلقت إلا لتنفذ فيها أوامره؛ وجب أن لا تخلو الدنيا من آثاره التي تمجيدها حتم، وتعظيمها فرض، وأن يدوم على هذه الخليقة بهاء المباهاة بها ما دامت السموات والأرض. وهذه الآثار التي انبعث شعاعها من فلك مملكته، وانبسطت أنوارها في آفاق دولته تنقسم إلى قسمين: أحدهما ما يتميز السمع بشريف ذكره، ويتشنف بنفيس جوهره وثمين دره، وهو الإخبار عن غامر عدله، والإبانة عن شامل فضله، والوصف لمواقفه التي كشفت الأعداء فيها وثباته، الذكر لسيرته التي بهر البشر تماديه عليها وثباته. وجميع هذه المناقب قد ثبت في اللوح المحفوظ، وتداولته الألسن فكله من الملفوظ غير الملفوظ، فما تترقى همة الإخلال إلى دراسته وتلاوته، ولا تتسلط السآمة على عذوبته في الأفواه وحلاوته، فقد أمن راويه من تطرق النسيان عليه والسهو، ونال من فضيلة إيراده ما أقام عذره في الخيلاء والزهو. والقسم الثاني ما وقع على حسنه الإجماع، وتنافست الأبصار فيه والأسماع، واكتست به الدنيا أفخر زينة، واستخف الافتتان ببهجته الألباب الرزينة، من المباني التي غدت على صدر الأرض وشاحًا، وأظهرت في محياها غررًا وأوضاحًا، وألبست جيدها عقدًا، ومفرقها تاجًا، واستوقفت الأبصار على بدائعها فلم تستطع عنها معاجا. وهذه موهبة قد جمعت بين فضيلتي ملوك العرب والعجم، واختص مولانا من شرفها بما لم ينله أحد في سالف الأمم، وذلك أن المحافظة على بقاء الذكر أمر قسمه الله بين أنبيائه الذين بعثهم وأرسلهم، وبين ملوك أرضه الذين اصطفاهم تعالى وفضلهم. أما الأنبياء فذكرهم باق ببقاء مللهم، وأما الملوك فبما اقتضته أحوالهم في ممالكهم ودولهم. فملوك العرب يعتمدون على تدوين مآثرهم بالفصاحة والبيان، وملوك العجم يعولون على إتقان العمارة وتشييد البنيان. وكل يعتقد أنه قد احتاط للذكر بما يضمن بقاءه سرمدا، ويجعل تناقله أمرا دائما لا ينتهي إلى مدى. ومولانا - خلد الله ملكه - فقد حاز ما لم يحرزه أحد من النوعين، وجمع منهما ما يبقى على الأبد لذة للسمع وقرة للعين؛ لأنه قد خدم من النظم والنثر بما لم يفز بمثله مخلوق، واستكثر من سمة الأرض بمنازله التي لكل منها من أنواره عيوق. وقد اشتملت بغير شك على المحاسن الملوكية، والصور الأرضية والفلكية، وحوت الغرائب من اجتماع الحيوان المتضاد من غير عدوى، والتسوية بينه في أهب الذهب تبرعا بالعطاء والجدوى، وأنى يكون اعتداء في أعمال مملكته فضلا عن قصوره، أو اجتراء لأحد بحضرته؟ والمهابة تقضي بعجزه عن ذلك وقصوره، وقد وصفها شعراء مجلسه العالي فيما صنعوه، وتنوعوا في ذكر ما خدموا به من ذلك ورفعوه، وعمل منه ما لم يشمله شرف العرض بالمقام العالي، ثبت الله سلطانه. فمما يرويه المملوك من ذلك قول محمود القاضي الموفق، ووصف التاج:
إن البسيطة قد أعدت شبابها حتى بدت وكأنها لم تهرم
لما غدت بك معصرًا ألبستها تاجا ترصعه سعود الأنجم
[ ٢٠ ]
وتماثلت شرفاته وصحونه في الحسن بين مخرم ومرخم
وأول هذه الأبيات:
هذه منازل من هويت فيمم وارتع وسح بربعها ديم الدم
عجنا فمن صب بصب دموعه ذربٍ ومن متعملٍ متعلم
غراء يجحد لحظها بسقامه قتلى فتخبر عن دمي بالعندم
شعل الهوى طرفي وقلبي إذ بدت يوم النوى بتأمل وتألم
منها:
من كل طلق الوجه إن شهد الوغى لقي العدى بتهجم وتجهم
ولمجبر أحد شعراء مجلس مولانا - خلد الله سلطانه _في وصف فوارة في المباني الشريفة على ما أوجبه تخيله، واقتضاه توهمه وتمثله؛ لأنه أدركها بنظره، ولا أجال فيها حاسة بصره:
وفوارة يستمد السحا ب من فضل أخلافها المحتلب
رأت جمرة القيظ محمرة لها شرر كرجوم الشهب
فظلت بها الأرض تسقي السما ء خوفا على الجو أن يلتهب
وهذا من قول الآخر في وصفها: أمطرت الأرض بها السماء ومن المستحسن في ذلك ما أتى به علي بن الجهم في قوله:
وفوارة ثأرها في السماء فليست تقصر عن ثارها
ترد على المزن ما أسبلت على الأرض من صوب مدرارها
والذي صنعه الشعراء في هذا الباب هو مستقر في الخزائن المعمورة مغن عن التوسع فيه؛ لاسيما وهذه الخدمة لمحة، والذي أورد فيها على وجه الإشارة.
[ ٢١ ]
ومن غير ذلك من الحكايات التي يتناقلها الناس ويتداولونها، ويستكثرون بلاغتها ويستعظمونها على أنها مطلع يقتضي ما يجيء بعده، وابتداء لا عذر للإعجاب أن يكتفي به فيقف عنده ما تضمنه كتاب الوزراء والكتاب لابن عبدوس من أن فتى قدم على عمرو بن مسعدة متوسلا إليه بالبلاغة، وأن عمروا امتحنه فرمى إليه كتاب صاحب البريد في بعض النواحي يخبر أن بقرة ولدت غلاما، وقال له: اكتب في هذا المعنى، فكتب: الحمد لله خالق الأنام في بطون الأنعام. فلما رأى عمرو ذلك جذب ما كتبه من يده، وأحسن إليه، وأعاده إلى بلده. وما علم المملوك أحدا تمم هذه البداية المستحسنة، ولا تعرض لتكميلها في مدة ثلاث مئة سنة، فاستيقظ لاستدراك ما تركه المتقدمون وأغفلوه، وتنبه على استئناف ما أخلوا به وأهملوه، إذ كانت أيام مولانا مكملة كل ناقص من جميع الفنون، ومخصوصة من الفضائل بما يوفي على الأوهام والظنون. وأنشأ في ذلك ما العادة جارية أن يقرأ مثله على الناس وهو: الحمد لله خالق الأنام في بطون الأنعام، ومصورهم بحكمته فيما يشاء من الأرحام، ومخرج الناطق من الصامت مع اختلاف الأشكال، وتباين الأجسام، إبانة عن باهر آيته فيما ابتدع وإظهارا لما استحال في العادات وامتنع؛ ليدل على أن قدرته أبعد غاية مما يتخيله الفكر ويتوهمه، وأن مصنوعاته شواهد وحدانيته لمن يتبين معجزها ويتفهمه. ويحمده أمير المؤمنين على ما اختص به أيامه من بدائع مخلوقاته، ويشكره على غرائب صنعه التي أضحت من دلائل فضله وعلاماته؛ إذ كان - جل وعلا - قد جعل آياته موقوفة على أزمنة أصفيائه، ومعجزاته مقصورة على عصور أنبيائه وأوليائه، على أن لديه من خليله وفتاه، وصفيه الذي أوجه السعد نحوه وأتاه، السيّد الأجل الأفضل أمير الجيوش سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته، الذي اكتسى الدين بنصرته ثوب الشباب والبهجة، واقترنت المبالغة في صفاته بقول الحق وصدق اللهجة؛ ملكا غدا الزمان جذلا بدولته مغتبطا، وسيدا ارتفع أن يأتي بالمكارم إلا مخترعًا لها مستنبطًا، وسلطانًا يفعل الحسنة عذراء، ويتنزه أن يفعلها عوانا، وهمامًا يتأنس في العزمات بنفسه، فلا يستنجد أنصارا لها ولا أعوانا. لا جرم أن أمير المؤمنين يرفل من تدبيره في ملابس العز الفاخرة، ويتحقق أن النعمة به في الدنيا برهان ما أعد له في الدار الآخرة، ويرغب إليه في الصلاة على جده محمد سيد ولد آدم، وأشرف من كل من سلف وقته وتقادم، والمبعوث بشيرا ونذيرا إلى كافة البشر، والمخصوص تسبيح الحصى، وحنين الجذع، وانشقاق القمر، صلّى الله عليه وعلى أخيه وابن عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، مستودع سره، ومنتهى علمه ومقره، ومن قاتل الجن فسقوا بعضبه كأس المنون، وردت له الشمس كما ردت من قبله ليوشع بن نون، وعلى آلهما الهداة الأئمة الذين زالت بإرشادهم كل شبهة وغمة، ونسخت بأنوارهم ظلم الشكوك المدلهمة، وتنقلت فيهم سيادة هذا العالم، وسيادة هذه الأمة، وسلم عليهم أجمعين تسليما، وزادهم تشريفا وتكريما وتعظيما. وإن أمير المؤمنين إذا تأمل ما ينشئه الله تعالى ويبدعه، وتدبر ما يبدئه سبحانه ويخترعه؛ وجد من غرائب الفعل، وغوامض القدرة، وعجائب الصنع، وسرائر الفطرة؛ ما يبعث على الضراعة له والخشوع، ويدعو إلى الاستكانة لعظمته والخضوع، ويقتاد كل ذي لب وتصور، ويضطر كل ذي عقل وتفكر إلى صحة العلم بأنه الله الذي لا إله إلا هو، الواحد لا من حساب عاد والقاهر بلا مدافع لأمره ولا راد، والرازق المنشئ المقدر، والخالق البارئ المصور، مخرج العالم من العدم إلى الوجود، وفاطر النسم على غير المثال المعهود، والدال على حكمته بإتقان ذلك وإحسان تركيبه، ومصرف الأقدار فيما تحدثه قدرته النافذة وتأتي به. وهذا برهان أمير المؤمنين فيما هو لهج به من الذكر والتوحيد، وحجته فيما هو متوفر عليه من مواصلة التحميد والتمجيد، والله ﷿ يضاعف له ثواب المجتهدين، وينيله الزلفة بما يعينه عليه من إعزاز الدين. وإنه عرض بحضرة أمير المؤمنين كتاب متولي البريد، يتضمن أمرًا أبان عن العظمة القاهرة، وأعرب عن المعجزة الباهرة، يتضمن أمرا أبان عن العظمة القاهرة، وأعرب عن المعجزة الباهرة وأوضح
[ ٢٢ ]