إن الله تعالى جعل الشكر فريضة لا رخصة فيها، وطريقة لا يضل مقتفيها، وكان لمن حافظ عليها وحالفها المزيد، ولمن عدل عنها وخالفها التهديد والوعيد. قال الله - عز من قائل -: (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) فواجب أن تقابل النعم من الشكر بما يؤنس وحشيها، وتواصل من الحمد بما يعطف أبيها، فإحسان مجاورتها مقرب لقصيها، وإجمال مصاحبتها ملين لعصيها، والتضرع لموليها في حراستها يؤكدها ويجددها، والتوسل إلى مسبغها في إدامتها يقيدها ويخلدها، ولازم لكل ذي عقل أن لا يجهل معرفة قدرها، ولا يشتغل بسكرها عن شكرها، ولقد أحسن أبو إسحاق الصابي في قوله: موقع الشكر من النعمة موقع القرى من الضيف؛ إن وجده لم يرم، وإن فقده لم يقم.
[ ٣٤ ]
وإذا عددت نعم الله التي أضفاها، ومننه التي أولاها ووالاها، ومواهبه التي منحها كرما وتفضلا، وعوارفه التي جازى المعترف بها رضى وتقبلا، كانت منقسمة إلى العموم والخصوص، ومستوجبة من الشكر ما ثبت في العقول والنصوص، فالنعمة التي تخص ما تعلق بالمرء في ذاته ونفسه، والنعمة التي تعم ما كان شاملا لنوعه، شائعا في جنسه، وهذا لا يكون إلا بالملوك الذين هم أولياء النعم، وزعماء الأمم، وقد أدرهم الله جل وعز على ما يعمون به دواعي الشكر ونصبهم - ﵎ - للأمر بالعرف والنهي عن النكر، ويتباينون في التعمير والتدمير، فمن عدل منهم وأقسط، وأرضى في ذات الله وأسخط؛ فقد أنال المتفيئ بظله أقصى أربه، ووجب على كل مكلف شكره وشكر النعمة به. ومن أبى الحق وصرفه، ودفع الواجب وصدفه؛ فلا مجال له هاهنا ولا مسرح، ولا سمو لناظهر في هذا الأفق ولا مطمح، والإجماع واقع من الحاضر بالدراية ومن الغائب بصحة الرواية أن سيد ملوك الأرض بلا مدافعة، وأشرف سلاطين العالم بغير ممانعة، وأكمل من كل من تقدم لما علم بالنقل، وأفضل من كل من يأتي بمقتضى القياس والعقل مولانا الملك السيّد الأجل الأفضل أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته، الذي حكم فأنصف وعدل، وسلك جادة الحق فما نكب ولا عدل ووضحت له طرق الشبه فانحرف عنها وجار، وقضى بين البرية فما ظلم ولا جار، وتيقن برق الثواب مومضا فتمثله وشامه، وتحقق التناصف بهيبته فما انتضى سيفه ولا شامه، ولذلك سما بفخره ناظر الدين الحنيف وقره، وانزعج بذكره مضجع أول الكفر فما ثبت ولا قرّ، وغدا كل ملك يكتفي بأيسر رضاه ويقنع، وكل مشمول بأنزر مواهبه لا يطلب ولا يقنع، فإن يسأل عطاء يمنح الرغائب ويهب، وإن يباشر هيجاء لم يرع لما التهب من ضرامها ولم يهب، هذا إلى ما له من المناقب التي آمنت الديار، وأرخصت الأسعار، وحسنت الآثار، وأدرك الإسلام بها الثار، وانحسمت فيها مواد الكفرة والأعداء، وبرئت الأحوال بطبها من المرض والداء وأمنت المطالب معها من الخيبة والإكداء، فلا ثناء ينهض بواجب جزائها، ولا تقريظ يستقل بأول أجزائها. فمن الواضح البين، واللازم المتعين، لنعمتي الخصوص والعموم، وإن كان الشكر عليهما من المفروض المحتوم أن يقع التوفر على حق الموهبة التي عمت وشملت، ويبالغ في ذلك طلبا للجزاء يوم (توفى كل نفس ما عملت) فقد نتجت هذه المقدمة وجوب الإجماع على حمد مالكها وشكره وبعثت على تعمير المحافل بنشر إحسانه وذكره، وقضت بأن يعطر بوصفه نسيم الشمال والقبول، ودعت إلى مواصلة الدعاء له في مظان الإجابة والقبول، وفرضت بذل الاستطاعة في ذلك توخيا للصواب، وجعل اعتقاده أفضل ذخيرة تورث للذراري والأعقاب، فأوزع الله الكافة شكر النعمة على ما أصلح به من دنياهم، وألهمهم القيام بما يلزم قوما أدركوا من السعادة ما لم يبلغه مناهم، ووفقهم لما يجب عليهم من فرض أكرم كفيل منه للشريعة ونصير، وأنهضهم من الاجتهاد لما يقيم عذرهم في العجز والتقصير، وأعان كلا منهم على مواصلته إلى حين المنقلب والمصير، إنه السميع البصير، اللطيف الخبير، وهو - بعزته - على ما يشاء قدير.