من ذلك قول ابن نيقيا البغدادي أحد شعراء الوقت:
لله أي مواقف رقت لنا فيها الرسائل والقلوب غلاظ
عهدي بظلك والشباب نزيله أيام ربعك للحسان عكاظ
فأغرب فيما اهتدى إليه من هذه القافية وجدد بها رسم سوق جاهلية عافية، وأبان بذلك عن فكر دقيق، ومغاص بعيد عميق.
وقول محمد بن عباد:
مولاي أشكو إليك داء أصبح قلبي به قريحا
سخطك قد زادني سقاما فابعث إلي الرضى مسيحا
فقوله: مسيحا، مما يضل الفكر في طلبه، ويقف الخاطر دون حفظ السياقة به. وكان بعض إخوان المملوك قد سأله كتب رقعة إلى صديق يوم غطاس يستهديه نبيذا، فكتب: جرت العادة في الغطاء بإعمال الكاس والطاس، وهذه الآلة إذا فقدت الراح، بمنزلة أجسام عدمت الأرواح، فداو بإحيائها قلبا لي جريحا، وإذا كانت عازر فكن لها مسيحا.
وقول المطوعي في الميكالي:
وطئت بي الوجناء وجنة مهمه متقاذف الأكناف والأرجاء
كيما ألاحظ منه في أفق العلا فلكا يدير كواكب العلياء
قرم يداه وقلبه ما منهما في النظم والإعطاء طائي
فأسكن حاتما وحبيبا في بيت، واستخرج تورية بذلك صفة الحي من الميت.
وقد أحسن المتنبي غاية الإحسان في قوله:
وتملك أنفس الثقلين طرا فكيف تحوز أنفسها كلاب
طلبتهم على الأمواه حتى تحوف أن تفتشه السحاب
والمتنبي - وإن كان مشهور الإحسان في النظم - فقد كانت له معان يجيدها في النثر. روي أنه مرض بمصر، وكان بعض أصدقائه يزوره في مرضه، فلما توجهت صحته؛ تأخر عنه، فكتب إليه: واصلتني معتلا، وقطعتني مبتلا، فإن رأيت ألا تنكد الصحة علي، ولا تحبب العلة إلي. فعلت إن شاء الله. وذكر الإقليلي أن المتنبي أنشد سيف الدولة في الميدان قصيدته التي أولها:
لكل امرئ من دهره ما تعودا
[ ٢٦ ]
فلما عاد سيف الدولة إلى داره استعاده إياها، فأنشدها، وكثر الناس فقال قائل منهم يريد كيد أبي الطيب: لو أنشد قائما لأسمع، فأكثر الناس لا يسمعون، فقال أبو الطيب: أما سمعت أولها: لكل امرئ من دهره ما تعودا وهذا من مستحن الأجوبة ولو أدرك المتنبي عصر مولانا لكانت خدمته واقفا من أبهر آياته، ومثوله بين السماطين قائما من أشرف عاداته؛ إذ كان الملوك وأبناؤهم لا تسمو هممهم إلى غير الوقوف لديه، ولا يتعدى أملهم الخضوع له والانتصاب بين يديه. ولقد سعد بما يرويه مولانا من شعره سعادة لا يجهل أحد فضلها؛ فنال بعد وفاته رتبة لا تدلك الأفكار شأوها، ولا تبلغ الأوهام محلها:
تنبأ عجبا بالقريض ولو درى بأنك ترويه إذن لتألها
ومن القوافي التي لا يكاد يهتدي إليها قول ابن المعتز في وصف الطيور الهدى:
لقد عرفن البرج بالآيات يلوح للناظر من هيهات
وهيهات غاية البعد. قال الله تعالى: (هيهات هيهات لما توعدون) وقد استعملها بحيث لا تفطن القرائح لها.
وقوله في وصف فرسين يتباريان في الجري:
وكم قد غدوت على سابق جواد المحثة وثابها
تباريه جرداء خيفانة إذا كان يسبق كدنا بها
فقوله كدنا بها، من أغمض تتميم وأصعبه، وأغرب لفظ فقي هذا البيت به.
وقول محمد بن أحمد الأصبهاني:
والجو مخضر الحواشي أملس يبسم فيه في البرق وهو يعبس
وفيه سرج نارها لا تقبس بت أراعيها كأني هرمس
فقد دلت هذه القافية على بديع الصنعة، وقضت لهرمس بالمعاد والرجعة.
وعلى ذكر القوافي فروي أن هشاما الأحول قال: كنا عند الأصمعي، فأخذ في شعر عبيد الله بن قيس الرقيات، فجعل ينشد حتى قال:
عاد له من كثيرة الطرب فعينه بالدموع تنسجم
وإنما هي تنسكب. وقال يا فتيان أمروها على الميم. قال: فأمرها ونحن معه، يقول ونقول على الميم حتى بلغنا إلى قوله:
ما نقموا من بني أمية إل لا أنهم يحلمون إن غضبوا
فأراد قافية على الميم، فلم يقدر عليها.
والمملوك يقول: إن من أعجب الأشياء توقف الأصمعي خاصة في تقفية هذا البيت على الميم مع ما يروى عنه من قوله: إن الحشمة في كلام العرب بمعنى الغضب، وحكايته عنهم أن ذلك لممَّا يحشم بني فلان، أي يغضبهم، فكان يلزمه أن يقول: حشموا. على أن أحسن ما قفي به هذا البيت على الميم ما اقتضاه صدره فيقال:
ما نقموا من بني أمية إل لا أنهم يحلمون إن نقموا
ويقال في البيت الثاني:
وأنهم معدن الملوك فما تصلح إلا عليهم الأمم
ويجعل الأمم عوضا عن العرب.
وذكر ابن أبي طاهر أنه عرضت على المنصور جارية، وقيل: إنها راوية للشعر، فاستنشدها، فأنشدته شعر ابن قيس الرقيات: عاد له من كثيرة الطرب فلما بلغت إلى قوله:
ما نقموا من بني أمية إلا
علمت أنها قد أخطأت، فقالت: أنهم يسفهون إن غضبوا.
ثم قالت:
وأنهم أرذل الملوك فما تفسد إلا عليهم العرب
فقال لها: أهكذا رويت هذا الشعر؟ قالت: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكني لما ألقي على لساني، وعلمت أني قد وحصلت غيرته إجلالا لك وصدقا في القول، فأعجبه ما رأى من فهمها، وأمر بأن تشترى.