تضمن كتاب البلاغتين للعسكري نقدا على الفرزدق وابن هرمة، وهو: قال الفرزدق:
وإنك إذ تهجو تميما وترتشي سرابيل قيس أو سحوق العمائم
كمهريق ماء بالفلاة وغره سراب أذاعته رياح السمائم
وقال ابن هرمة:
وإني وتركي ندى الأكرمين وقدحي بكفي زندا شحاحا
كتاركة بيضها بالعراء وملبسة بيض أخرى جناحا
والمنتقد أن ثاني بيت الفرزدق يصلح ثانيا لبيت ابن هرمة، وثاني بيت ابن هرمة يصلح ثانيا لبيت الفرزدق. ولم يزل إصلاح ذلك مهملا إلى أن فاوض المملوك بعض الأدباء فيه، فقال: ينبغي أن يكون قول الفرزدق:
[ ٤٨ ]
وإنك إذ تهجو تميما وترتشي سرابيل قيس أو سحوق العمائم
كورقاء تعري للسفاهة بيضها وتستر بيضا غيره بالقوادم
وقول ابن هرمة:
وإني وتركي ندى الأكرمين وقدحي بكفي زندا شحاحا
كمثل الذي يهريق السقاء إذا ما السراب لعينيه لاحا
وهذا مما قنع المتقدمون بانتقاده، وأهملوا إصلاحه وتقويم منآده، حتى هذبه أدباء هذه الأيام الزاهرة، وحرره أنشاء هذه المملكة القاهرة، وذلك لما فاض عليهم من أنوار مالكها فاسترشدوا به في طريق الصناعة ومسالكها.
ذكر الشريف المرتضى في كتاب: طيف الخيال قول البحتري:
هجرتنا يقظى، وكادت على عا دتها، في الصدود تهجر وسنى
وحكى كلام الآمدي عليه، وتغليطه للبحتري مع حسن رأيه فيه، ووافقه الشريف على ما ذهب إليه، مما مضمونه أنه يقظى ووسنى حالان من ضميرها، وأنها لا تكون موصالة في وسنها، حتى يقول: كادت تهجر في هذه الحال! وهذا البيت صحيح المعنى، وهو من إحسان البحتري، وذلك أن يقظى جمع يقظان، وهو حال من ضمير المتكلمين، لا من ضميرها، ووسنى جمع وسنان، وهو مفعول تهجر، وتقريبه: هجرتنا في حال يقظتنا، وكادت تهجر قوما ذوي وسن.
فالتأويل الأول يجعل البيت من إساءات البحتري ومعايبه.
والتأويل الثاني يجعله من حسناته وغرائبه.