فمن أنشأ فيها شيئا من أدباء الوقت، وشعراء العصر؛ فإنما انتهج قصد المملوك متبعا لدليله، واقتفى أثره محتذيا على تمثيله، وكل من تعرض لذلك - وإن أحسن وأجاد، ورجح وأوفى وزاد - فللملوك مزية البداية، وحرمة الهداية، وماتة الابتكار، وفضيلة يأمن فيها من الدفع والإنكار.
وقد وقع الإجماع على فضل واصل بن عطاء، وكشفه في البلاغة كل حجاب وغطاء، ودل كلامه على القدرة في الفصاحة وبعد الغور واشتهر من أجل لثغته بحذف الراء من لفظه، وهي حرف كثير الدور.
[ ٣٥ ]
ومن المحكي عنه قوله - وذكر بشارًا وكان يرمى بالزندقة ولهذا قتله المهدي -: أما لهذا الأعمى المكتني بأبي معاذ من يقتله! والله لولا أن الغيلة خلق من أخلاق الغالية لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه! فقال: الأعمى، ولم يقل: الضرير، وقال: المكتني بأبي معاذ، ولم يقل: بشارًا ولا ابن برد، وقال: من أخلاق الغالية، ولم يقل: المغيرية ولا المنصورية، وقال: لبعثت إليه، ولم يقل: لأرسلت (إليه)، وقال: على مضجعه، ولم يقل على فراشه! ومما قيل فيه:
ويجعل البر قمحا في تصرفه وخالف الراء حتى احتال للشعر
ولم يطق مطرا والقول يعجله فعاد بالغيث إشفاقا من المطر
ومن اللغز الذي تضمن خبيا وسرا، وأحسن قائله إذ عمى فيه وورى، إلا أن إيراده هاهنا يجعل خافيه ظاهرا، ومبرقعه سافرا قول الشاعر:
ولما رأيت الشيب راء بعارضي تيقنت أن الوصل لي منك واصل
فخص الراء لحفظه المعنى الذي قصده وإحرازه، وأحسن التوصل بواصل إلى تجنيسه وإلغازه.
وللرستمي في الصاحب:
نعم! تجنب: لا يوم العطاء كما تجنب ابن عطاء لثغة الراء
ولما أكثر الناس من تقريظ هذا الفن ووصفه، وادعى قوم أن المتعرض له إنما يخبر عن عجزه وضعفه؛ اعتمد المملوك تأمله وتدبره، واستنجد، فيما يعرب به، رويته وتفكره، فلم ير أن يكون لهذه السبيل مقتفيا، ولم ترض له الخدمة الشريفة أن يلفى في هذا الباب مصليا، فعمل في مولانا شعرا لم تجتنب فيه الراء، وإذا قرأه الألثغ أفاد معنى يزول في استحسانه المراء، وكان في ذلك من الإعجاز أن الصريح والمستعجم، والفصيح والمتلعثم إذا أخذوا ي ذكر أوصاف مولانا لم يشكل اللفظ الذي يوردونه، ولم يستبهم المعنى الذي يؤدونه، ولم يعتذر بأن اللثغة أفسدت المراد ولا حالت دونه، وتساوت في روايتها الآلة الصحيحة والسقيمة، وتماثلت في تلاوتها الألسنة المعوجة والمستقيمة، وأجرى المملوك ذكر هذه الجملة مع محمود ابن القاضي الموفق، إذ كان الإغراب في الصفات الشريفة من مذهبه، والإبداع فيها من بغيته وأربه، فلما رأى هذه الطريقة من أسلوبه وشرطه؛ بالغ في استحسانها وعمل لوقته:
وذات وجهين أتت بدعة غايتها في الحسن لا تبلغ
قافية رائية فيك لا يعاب في إنشادها الألثغ
وشفعه بأن قال:
يا ملكا فائض إحسانه في كل آفاق الدنى سائر
وصفك عندي ذهب خالص نظمي له حيث انتهى صائر
والذي عمله المملوك:
من شاء جمع معال قد خصصت بها وجاوزت كل حد لم ينل ()
وكيف تستطيع أن تحصي فضائلها وزندك الغر مهما تقتدحه (وري)
ثم رأى المملوك أن لا يخلي النثر من هذا النوع الذي تتعب الأفكار في طلبه، وأن يورد فصلا يتوخى فيه ذكر الشيء على ما هو به، فعمل في وصف مالكه ثبت الله قدرته، وأدام سلطانه ودولته: ملك أبان الله إعلاء رايته فازدانت بأوصافها المحافل، وتاه الزمن بمحاسنه فهو عن الإساءة لاه رافل، قد سارت بالألسنة والأفواه مدائحه، وصارت حلى المجامع والأندية منائحه، وأصبح الكافة من ظله في رياض أنيقة، ورامت السماء إحياء للأرض فخدمته بذاك على الحقيقة.
ولما انتهى إلى هذا الحد أمل خاطره عليه من غير روية، ونظم - عفوا - ما يشهد بصحة هذه القضية:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من جلت مفاخره (عن كل إطراء)
تغايرت أدوات النطق فيك على ما يصنع الناس من (نظم وإنشاء)
ثم اقتضت فكرته، وأوجبت خدمته أن يجعل هذه القافية على وجوه من الروي، عملا بما رآه منسوبا إلى ابن نباتة والشريف الرضي، لتشترك الحروف في حظ من الشرف واف، وتتبين فضيلة مجيئها متناوبة في قواف. والمنسوب إلى الشريف وابن نباتة:
لا يبلغ الغاية القصوى بهمته إلا المقسم بين الخيل والإبل
يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه على وشيج من الخطي معتدل
والتعبير الأول:
لا يبلغ الغاية القصوى بهمته إلا المقسم بين الجرد والكوم
يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه على وشيج من الخطي محطوم
والثاني:
لا يبلغ الغاية القصوى بهمته إلا أخو الحرب والجرد السلاهيب
[ ٣٦ ]
يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه على وشيج من الخطي مخضوب
والثالث:
لا يبلغ الغاية القصوى بهمته إلا المقسم بين السرج والكور
يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه على وشيج من الخطي مكسور
والرابع:
لا يبلغ الغاية القصوى بهمته إلا المصيخ وإن لم يدعه الداعي
يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه على شويج من الخطي زعزاع
والخامس:
لا يبلغ الغاية القصوى بهمته إلا المقسم بين الجرد والقود
يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه على وشج من الخطي ()
والسادس:
لا يبلغ الغاية القصوى بهمته إلا المقسم بين الجرد والنوى
يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه على وشيج من الخطي مدقوق
فهذه ستة تغيرات.
والذي صنعه الملوك في البيتين اللذين أوردهما على قافية الهمزة يستوعب الروي فيهما جميع حروف المعجم الثمانية والعشرين، وقوم يجعلونها تسعة وعشرين، فيضيفون إليها الحرف المركب من اللام والألف، ولا يجوز دخول المركب في البسيط، وهي - على مذهب جماعة من المحققين - ثمانية وعشرون حملا على عدة منازل القمر، ولذلك قالوا: إن لام التعريف إنما صارت تدغم في نصف الحروف فتظهر عند نصفها؛ لأن نصف منازل القمر ظاهر أبدا فوق الأرض، ونصفها خاف أبدا عن ظاهر الأرض. وقد بين المملوك ما عمله وهو - قد تقدم ذكر الهمزة -: الباء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من حلت مفاخره في النظم والخطب
تغايرت أدوات النطق فيك على ما يصنع الناس من مستغرب الأدب
التاء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ساس البرية في الماضي وفي الآتي
تغايرت أدوات النطق فيك على ما يرفع الناس أعقاب المناجاة
الثاء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من غدا الدعاء له في الأرض مبثوثا
تغايرت أدوات النطق فيك على ال ثناء مكتسيا منه وموروثا
الجيم:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من جلت مواهبه عن مطلب الراجي
تغايرت أدوات النطق فيك على وصف يريك ظلام الحندس الداجي
الحاء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من سعت عطاياه عما اعتيد من منح
تغايرت أدوات النطق فيك على ما يصنع الناس من وصف ومن مدح
الخاء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من تطرزت بمعاليه التواريخ
تغايرت أدوات النطق فيك على وصف به كل ما يعدو منسوخ
الدال:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من جلت أياديه عن وصف وتعديد
تغايرت أدوات النطق فيك على شكر يضاهي الأيادي غير محدود
الذال:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من أرضى العوامل إمضاء وإنفاذا
تغايرت أدوات النطق في مدح عادت بها أكبد الأعداء أفلاذا
الراء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من أفنى أعاديه لا زال منصورا
تغايرت أدوات النطق فيك على ما يصنع الناس منظوما ومنثورا
الزاي:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من قامت معاذير من في وصفه عجزا
تغايرت أدوات النطق في مدح ما حال من دونها عي ولا حجزا
السين:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من أزال أطماع باغي شأوه الياس
تغايرت أدوات النطق فيك على وصف تنوع في إحسانه الناس
الشين:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ساس الأنام فما حابى ولا حاشا
تغايرت أدوات النطق فيك على وصف يواصله الإنسان ما عاشا
الصاد:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من غالي الثناء بما يأتيه مرتخص
تغايرت أدوات النطق فيك على وصف له في محل المشتري حصص
الضاد:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من لا يبلغ المدح في استحقاقه غرضا
تغايرت أدوات النطق فيك على ما يصنع الناس مندوبا ومفترضا
الطاء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من يبغي بأفعاله تقوى الإله فقط
تغايرت أدوات النطق فيك على ما يصنع الناس مما ليس فيه سقط
الظاء:
لما غدوت مليك الأرض أجمعها بالحق إذ كان من يعدوك محظوظا
[ ٣٧ ]
تغايرت أدوات النطق فيك على غر المغاني بلفظ ليس ملفوظا
العين:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من غدا الملوك له جندا وأتباعا
تغايرت أدوات النطق فيك على ما يصنع الناس إعرابا وإبداعا
الغين:
لما غدوت مليك الأرض أجمعها ونلت ما لم ينل ملك ولا بلغا
تغايرت أدوات النطق فيك على وصف تنافس في إحكامه البلغا
الفاء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من أعطى، فقال العدا: قد زاد في السرف
تغايرت أدوات النطق فيك على صفات ما حزت من فخر ومن شرف
القاف:
لما غدوت مليك الأرض أجمعها وحزت ما جزت فيه كل مخلوق
تغايرت أدوات النطق فيك على وصف صنيع بديع غير ملحوق
الكاف:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من جلت مفاخره لما غدا ملكا
تغايرت أدوات النطق في مدح وفي دعاء ملأن الأرض والفكا
اللام:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من جلت مفاخره في القول والعمل
تغايرت أدوات النطق فيك على وصف يقصر عنه منتهى الأمل
الميم:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من غدا به العدل بين الخلق مقسوما
تغايرت أدوات النطق فيك على ما يصنع الناس منثورا ومنظوما
النون:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من جلت مفاخره في السر والعلن
تغايرت أدوات النطق فيك على وصف بليغ يحلي عاطل الزمن
الهاء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ركن الأعادي بماضي عزمه واه
تغايرت أدوات النطق واتفقت مع التغاير في ذكرى شهنشاه
الواو:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من يزهى به الخلق فيما عاينوا ورووا
تغايرت أدوات النطق فيك على ما يصنع الناس فيما أظهروا ونووا
الياء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من غدا بمعروفه ميت الرجا حيا
تغايرت أدوات النطق فيك على مناقب ليس يخشى نشرها طيا
فقد جمع ذلك غاية ما تبلغه عدة التغيير، وعفو ما يقتضيه هذا المغزى من التبيين والتعبير، وهو، وإن كان بعضه يتميز عن بعض، فإنه عاجل اجتهاد المملوك في أداء اللازم الفرض. على أن هذا الغرض المقصود كثير الشعب، والوصول إليه من العزيز العسير الصعب فإن أتى غير معجب فلوعورة مطلبه، وإن أبى إلا جودة فلسعادة من خدم به.
ومن ضروب التعبير التي دعت الاستحسان فلباها، وفخر بها مبدعها وباهى، ما ينشد مرفوعا ومنصوبا كقوله:
إذا طال النهار علي يوما دعوت له فقصره رياد
حديث يعجب الحكماء منه ويونق حين يسمعه الفؤاد