وذلك نوع إذا استشفت ضروبه، وتؤملت أساليبه؛ كان سهم مولانا الملك منها السهم المعلى، وألفي كل مدح في حقه مستنزرا مستقلا، ولو لم يكن له من المناقب التي فضل بها وفاق، وملأ ذكرها ووصفها الآفاق، إلا أنه قوم الزمان لما مال وانحرف، وفعل في تعديله ما أقر به الجاحد واعترف، فوفق بين سنة الشمس وسنة القمر، وأبان عن صحة الفكر ودقة النظر، وكانت مسافة بعدهما منافرة للعادة، ومدة تفاوتهما ثلاث سنين وهي إلى الزيادة، فدبر ذلك على حسب سيرته العادلة، وسنته الحسنة، وجعل مقدار هذا التباين مأمونا فيهما إلى مائة سنة، وأمر - أعلى الله أمره - بما أنشئ في هذا المعنى مما تولى - خلد الله ملكه - تهذيبه، وقصد إيصاله إلى الأفهام وتقريبه، وقرئ على جميع منابر المملكة، فعلم الكافة ما فيه من عموم النفع وشمول البركة، وذلك مما عجز عنه الوزراء الذين هذا الفن صناعتهم، والتصرف في الكتابة عمدتهم وبضاعتهم، فما يتنافسون إلا في طلابها، ولا يتوسلون إلى الرئاسة إلا بها. وهو - ثبت الله دولته - فهي أيسر حسناته، وأقل آلاته وأدواته، وفضيلته فيها فضلة على ما هو أعلى منها وأشرف، وعلومه شاهدة أنه أنفذ من مدرسيها وأعرف.
ولقد حكى الزعيم أبو العلاء (ثقة الملك) صاعد بن مفرج أن أماثل متولي الدواوين اجتمعوا عند بعض الوزراء في سنة نيف وثلاثين، وتفاوضوا في نقل السنة الخراجية إلى الهلالية، وقصدوا ما رفع اللبس وأزاله، ووسعوا القول رغبة في إيضاح المعنى له، فقال: ما أوثر أن يجري هذا في أيامي ولا نظري، فو الله ما وصل إلى فهمي، ولا علق بتصوري، وهذا يكون على يد غيري، ويخبأ لمن يأتي بعدي. فأمسكوا عنه، وخرجوا من عنده وبقي ذلك مهملا إلى سنة خمس مائة لأن الله تعالى ذخر الفضيلة فيه لمولانا الملك الذي أسبغ النعم العميمة، وأولى المنح الجسيمة، ولم يكتف بالإحسان إلى كافة البرية حتى لاءم بين السنة الشمسية والسنة القمرية.
فالله تعالى يديم بهجة الدنيا بامتداد ظله، ويلهم أهلها ما يستوجبون به سبوغ عدله، ويجعل القلوب على طاعته متفقة، كما تألفت عنده الفضائل التي غدت في الناس مفترقة.
لا غرو إن كان فيه الفضل مجتمعا والفضل مفترق في (سائر الأمم)
فأحرف الخط يحوى الطرس جملتها وقد تفرع منها سائر الكلم
ولا زالت الأمة في شكره قاضية دين، وإحسانه متجددا أبدا على الجديدين. فأما إرشاده للمستخدمين، وإيفاؤه على ملوك الأرض المتأخرين والمتقدمين؛ فيكفي من ذلك ما شاع واشتهر، ويقنع منه ما بهر مذ ظهر، ولا خلاف أنه يهدي الحكام في المشكلات إذا نزلت، ويشجعهم في القضاء إذا ضعفت القوى وانخزلت، ويرسم للكتاب ما يعتمدونه في المستبهمات إذا عرت، ويوضح لهم طرق المعالي إذا صعبت وتوعرت، فأدام الله ظله على هذا الخلق، وأجاب فيه دعاء أهل الغرب والشرق، بكرمه وفضله وجوده، ومجده.
يحكى أن الصاحب أنشد عضد الدولة فناخسروا قصيدته المعروفة باللاكنية لكثرة ما كرر فيها (لكن) وأولها:
أشبب لكن بالمعالي أشبب وأنسب لكن بالمفاخر أنسب
ولي صبوة لكن إلى حضرة العلا وبي ظمأ لكن من العز أشرب
فلما انتهى إلى قوله:
ضممت على أبناء تغلب ثأيها فتغلب
ماكر الجديدان
تغلب
قال عضد الدولة: يكفي الله كراهية لقوله: تغلب! والصاحب لم يتيقظ لهذا النقد مع أنه لا يصح في هذه اللفظة إلا بتغييرين: ضمة التاء، وفتح اللام، وإنما ذكر أحدهما.
[ ٤٦ ]
وقد سلم ابن حيوس مما لزم الصاحب، لما كان مادحا لبني تغلب، وغير محتاج إلى بناء الفعل لما لم يسم فاعله في قوله:
إذا البيض كلت يوم حرب فإنها مواض قواض أن تغلب تغلب
ومولانا؛ فقد صان الله مواقفه المعظمة، ومقاماته المكرمة عن أن تكون الخدم بها إلا منقحة، والمدح لها إلا مهذبة مصححة، وحماها مما لم يزل سامعوه ينتقدونه فيحتاج قائلوه إلى الاعتذار عنه بما يتأولونه.
كان أبو المناقب الشاعر قد خدم المقام العالي المالكي الأفضلي - ثبت الله سلطانه - بعيدية أولها: نهنيك، كلا! بل يهنى بك الدهر فقيل له: إن لفظة (كلا) هاهنا غير مستحسنة، فوافق على ذلك وغيرها فقال: نهنيك والأولى نهني بك الدهر وهذا دليل على أن الأقدار بخدمة مولانا متطوعة، والأفكار إلى ما يرتضي غرضه بعالي مجلسه متوثبة متسرعة.
ويروى أن سيف الدولة علي بن حمدان قال لابن خالويه: لم يأت على تصريف: رحم، فهو راحم، ورحيم، ورحمان؛ إلا قولهم: سلم فهو سالم، وسليم، وسلمان، وندم فهو نادم، ونديم، وندمان. فقال ابن خالويه: أعرف رابعا في نسب الأمير، قال: وما هو؟ قال: حمد فهو حامد، وحميد، وحمدان.
وهذه الرواية وإن شهدت بفضيلة سيف الدولة وأدبه، فقد أعربت عن إغفاله تقصي النظر في نسبه.
وقد تقدم من وصف مولانا ما يدل على معجزاته، وعلم معه أن الاستدراك لا مجال له في معلوماته، ولو أودع هذا الباب ذكر خصائصه لأتى من توسيع القول وبسطه ما يقضي بتوفر حظ الإطناب وتضاعف قسطه.
يقال: إن رجلا سأل شرف الدولة مسلم بن قريش حاجة، وسار في موكبه إلى أن وصل إلى حضرته، فقال له: أيها الأمير لا تنس حاجتي، فقال له شرف الدولة: إذا قضيتها نسيتها! وهذا من الأجوبة الدالة على شرف القدر، واستيجاب الصدر، وهو جل البيت الثاني من قول ابن قابوس عمر بن مسلم في يحيى بن خالد البرمكي:
رأيت يحيى أتم الله نعمته عليه يأتي الذي لم يأته أحد
ينسى الذي كان من معروفه أبدا إلى الرجال، ولا ينسى الذي يعد
ومن أعلى رتب البلاغة نثر المنظوم ونظم المنثور، وقل من يجيد فيهما إلا من أعانته دربته، وساعده طبعه وفطرته.
وقد كان أبو سعد علي بن خلف صنف لبهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة كتابا في حل المنظوم، ولقبه بالمنثور البهائي واعتمد فيه على الحماسة، للألف لها، والأنس بها، كما فعل أبو علي الفارسي في كتاب الإيضاح الذي عمله لأبيه عضد الدولة فناخسروا؛ فإنه استشهد في باب (كان) بقول أبي تمام:
من كان مرعى عزمه وهمومه روض الأماني لم يزل مهزولا
قال علي بن عيسى الربعي: قال لي أبو علي مرات: ما أفرق بين شعر الطائي والبحتري، وبين حجرين ملقيين في الطريق أتجنب أن أعثر بهما فأعدل! ثم اعتذر إلي من هذا البيت الذي ذكره في الإيضاح، فقال: يا أبا الحسن، لا تظن أني تغير رأي في الطائي، أو ناقضت لذكري هذا البيت، وإنما جرى في مجلس الأمير فعملته لأنه من حفظه لا أني جعلته شاهدا! ولعمري إن أبا تمام وغيره من المحدثين لا يستشهد بأشعارهم في النحو ولا اللغة؛ لأن الشواهد على ذلك إما لجاهلي، وإما لمخضرم: بفتح الراء وكسرها. قال الأخفش: يقال: ماء خضرم إذا تناهى في الكثرة والسعة، فمنه سمي الرجل الذي شهد الجاهلية والإسلام مخضرما؛ كأنه استوفى الأمرين.
قال: ويقال: أذن مخضرمة، إذا كانت مقطوعة، فكأنه قطع عن الجاهلية إلى الإسلام.
وإما لإسلامي كرؤبة، وذي الرمة، وجرير، والفرزدق.
على أن ابن جني قال في شرح منهوكة أبي نواس: وبلدة فيها زور.
قال بعض أهل علم العرب: لولا ما كان أبو نواس يخلط به شعره من الخلاعة لاحتج به في كتاب الله - ﷿ _، وفي حديث رسول الله ﷺ.
رجع المملوك إلى حل المنظوم: فمن فصول المنثور البهائي المقدم ذكره:
[ ٤٧ ]
ومتى استنهضتنا لخطب، أو استنجدتنا في حرب؛ أنجدك منا رجال بأيديهم آجال، إذا أبدى البأس ناجذيه طاروا جماعات ووحدانا إليه، وإن صرح الشر لهم، وهو عريان، عدوا عليه عدوة الليث وهو غضبان، يرون بالقتل حياة، وفي الشر نجاة، لا يصدون عن الحرب الزبون فرارا، ولا يزدادون عليها إلا إصرارا، ولا تبلى بسالتهم وإن صلوا بها أطوارا، إذا أحلبت عليهم العدو المباسل اقتسمته الأسنة والسلاسل، وإن سما لهم الجاهل المتطاول، فما العمر منه بباق ولا المدى متطاول.
وهذا الفصل جل أوائل الحماسة: فأما نظم المنثور فلم ير المملوك تصنيفا فيه إلا الحاتمية. وهو يمثله بشيء مما حاضر به، واتفق له.
قال يوما لأمية بن عبد العزيز المعروف بأبي الصلت في مذاكره بينهما: ما أحسن قولهم: الأماني أحلام المستيقظ، فوافق على استحسانه، ونظمه فقال:
كم ضيعت منك المنى حاصلا كان من الواجب أن يحفظا
فإن تعللت بأطماعها فإنما تحلم مستيقظا
من الشعر المستحسن قول سيف الدولة صدقة بن مزيد يصف ناقة:
وحطا رحال الميس عنها فإنها أنيخت هلالا بعدما ثورت بدرا
ويحكى أنه لم يقل قط إلا هذا البيت، واقتصاره عليه دليل على أنه لم يستكره طبعه ولا تعسف فكره.
وهذه قضية قد اتفقت لجماعة من الفضلاء في أنهم يقولون البيت المفرد، ولا يعملون له ثانيا. فمنهم وقد - رقي المنبر يوم عيد فأرتج عليه، فنزل وهو يقول:
فإلا أكن فيكم خطيبا فإنني بسيفي إذا جد الوغى لخطيب
فقيل له: لو قلت هذا على المنبر كنت أخطب الناس! ومنهم هشام بن عبد الملك، فإنه كان يكثر التمثل ببيت قاله، ولم يقل غيره، وهو:
إذا أنت لم تعض الهوى قادك الهوى إلى بعض ما فيه عليك مقال
ومنهم إبراهيم بن موسى بن جعفر في قوله لذي الرئاستين معزيا بابنه العباس:
خير من العباس أجرك بعده والله خير منك للعباس
ومنهم عمرو بن مسعدة - ووقع به -:
أعزز علي بأمر أنت طالبه لم يمكن النجح فيه وانقضى أمده
وقال ابن عبدوس في كتاب: الوزراء والكتاب إنه لم يقل قط غيره.
ومنهم إبراهيم بن العباس الصولي في قوله:
أناة فإن لم تغن أعقب بعدها وعيدا، فإن لم يغن أغنت صوارمه
ولم يقل أولا ولا ثانيا.
وقد قيل: إنه بدأ به على أنه كلام منثور، فجاء موزونا، فأقره على ما هو به.
ولا يعلم المملوك شعرا في مكاتبة سلطانية إلا هذا البيت.
ومما مدح الفضل بن يحيى به مفردا:
ما لقينا من جود فضل بن يحيى يترك الناس كلهم شعراء
فاستجيد هذا البيت، وعيب بأنه مفرد، فقال أبو العذافر:
علم المفحمين أن ينطقوا الأش عار منا والباخلين السخاء
ويروى أن ابن دارة واصل هجاء رجل من العرب فلقيه المهجو يوما وحده، فقتله، وقال: محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا.
ومنهم الشريف البياضي، وكتبه على مروحة:
وا رحمتا لي أن حللت بمجلس أن لحنوا فيه يكون كسادي
وهذا من أحسن ما هجي به غناء.
ولبعض شعراء المجلس العالي - ثبت الله سلطانه - في ملك غانة، لما وصل مصر يريد الحج، وقد شاهد أهل مملكة مولانا ما ناله من الحباء الذي سهل حجه، والعطاء الموضح له سبيل مراده ونهجه:
كذا يجيب دعاء الله من عرفه من غانة غاية الدنيا إلى عرفه
ولما اجتمع المملوك به طالبه بعلم ثان فذكر قصور قدرته عنه.