وقال آخر ممن جعل النهار لرقدته، والظلام لعودته: لما فني عمر الأمس، وطفئ سراج الشمس؛ لاحت بروق الثغور اللوامع، وجلجلت رعود الأوتار في المسامع، وبعث مخارق وابن جامع، فلم يزل ذلك دأبنا ما أقلع سحابنا، ولا يبس ترابنا، حتى متنا بالهجعة، وكلنا يقول بالرجعة.
وقال آخر: لما ظهرت في الأرض الزهرة، وفي السماء الزهرة، شربنا على الما، والمقبل الألمى، وأجرينا شقر الراح، حتى رأينا أشقر الصباح فكمنا في خمر النوم، عمر اليوم، ثم خلعنا عهدة الرجعة، وأعدناها جذعة.
وقال من يخالف هذا المذهب ممن يمدح الصبوح يعاتب صديقًا أتاه في الغبوق: جعلت أول أمرنا أوان سكرنا، وأدرت خمرنا وقت خمارنا، فاغرم لنا بليلك ما أتلفت من نهارنا.
وقال آخر: نمنا بنية الإصطباح، فهببنا قبل الصباح، والأصوات خشنة، والحركات زمنة، وبدر الإنس هاجع، وكوكب الأنس راجع، ثم نشط الكسلان، وانتبه الوسنان، وبرهن الأعشى وأبو نواس، على مداواة الكاس بالكاس. فكم صرع من قرن، وما طلع للشمس قرن. ومن أعجب ما وقع الاختلاف فيه ما كان الناس مجمعين على مدحه أو ذمه، فيأتي من الفصحاء من يحسن ببلاغته مخالفتهم، ويزين بعبارته مفارقتهم، كالوعد الذي جبلت النفوس على مقته، وطبعت على الاستبطاء الأوان إنجازه ووقته. كما قال الشاعر:
أتى زائرا من غير وعد وقال لي أجلك عن تعذيب قلبك بالوعد
فجاء من قال:
أحسنت في تأخيرها منة لو لم تؤخر لم تكن كامله
وكيف لا يحسن تأخيرها بعد يقيني أنها حاصله
وجنة الفردوس يدعى بها آجلة للمرء لا عاجله
في الأبيات التي تقتضي قافية لا يكاد الخاطر يتخطاها فيأتي قائلها بأخرى لا يتعرض لها الفكر ولا يتعداها، من ذلك قول علية بنت المهدي:
ومغترب بالمرج يبكي لشجوه وقد بان عنه المسعدون على الحب
إذا ما أتاه الركب من نحو أرضه تنسم يستشفي برائحة القرب
قال السابق المعري: فأنزلت (الركب) عن هذه القافية وقد كان لها موضع، ولكن (القرب) أحق به. وقول ابن نباتة:
رمته بها أهل الجبال فما دروا أخيل رمتها بالعدا أم سلالم
والمملوك يقول: إن الذي يمر إليه الخاطر تقفية هذا البيت بالقشاعم، فلما ارتفع إلى السلالم زاد المعنى بهجة.