رب! قد آتيتني من الملك.
اللهم إنك قد فضلتني على بريتك، ونصبتني لتدبير خليقتك، وارتضيتني محاميا عن كلمة توحيدك، وعرضتني بذلك لمضاعفتك النعمة عندي ومزيدك، وخصصتني بما لم ينله ملك في قديم الإسلام ولا حديثه، وجعلتني ممن يتفق كل ناطق في وصفه - جل قوله - وحديثه، وعصمتني أن أجحد نعمك وأكفرها، وألهمتني أن أهب الجرائم وأغفرها، ما لم يكن ذلك حائلا عن إقامة الحدود، أو حاجزا عن الانتقام من أهل الشقاق والمردود.
اللهم إنك قد حفظت بي من الدين القيم ما أضاعه ملوك الوقت، وجعلت ذلك قاضيا لي بالمحبة وحاكما عليهم بالمقت، وحبوتني من الكافة بصفاء الضمائر وخلوصها، وساويت بين سرائرهم في عموم مشايعتي وخصوصها.
اللهم إنه قد أشرف هذا الشهر الشريف الذي فضلته على جميع الشهور، وميزته في متقادم الأزمنة والدهور، وعظمته بما أنزلته في ذكره ووصفه؛ فقلت في كتابك الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) .
وجعلت فيه ليلة القدر التي لم تزل أعمال من أحياها إليك صاعدة، والمخصوصة بنزول القرآن إلى سماء الدنيا فيها جملة واحدة.
اللهم فأعين على صيامه وقنوته، وأنهضني بما يجب له في أحيان ذلك ومواقيته، ووفقني لما يرضيك من عمل نهاره وليله، وأذهب عني رجز الشيطان الذي يجلب على المؤمن برجله وخيله، واجعل نصيبي من ثوابه كمنزلتي من اصطفائك، وحظي من أجره أجزل حظ مننت به على عبيدك وأوليائك.
اللهم إنك أعلم بمصالحي مني، وإن أيسر جزء من إحسانك يتجاوز غاية التمني، فبحرمة ما تعلمه من باطني وسريرتي، وما تطلع عليه من صحة عقيدتي وطهارة نيتي، وما ألهمتني إياه من بث العدل في الرعية، والعمل بمرضاتك في هذه البرية؛ إلا مددت في عمري وأصحبتني التأييد في جميع أمري، وجمعت لي الحُسنيين في القول والعمل، وبلغتني في طاعتك غاية المطلوب والأمل.
اللهم واقض لي أن يكون هذا الشرع الشريف محروس النظام بي، واجعل حمايته في عقبي كما كانت من قبل من أبي.
اللهم وامددني من الحظوظ الملكوتية والسعود اللاهوتية بما أمددت به أنبياءك الذين حكمت بعزتهم، وحتمت بقوتهم، وقضيت بانتشار دعوتهم، وتأذنت بظهورهم وإعلاء كلمتهم.
[ ٤٣ ]
اللهم وألن في طاعتي القلوب القاسية، ومكن قواعد مملكتي لتكون راسخة راسية، واجعل الألسنة بصالح الأدعية لي لا غافلة ولا ناسية.
اللهم وأعني على ما استرعيتني ووفقني فيما استصلحتني له وارتضيتني، وأيدني بروح منك لتصلح شؤوني، ويصح تدبيري، وأرشدني إلى ما يحظى لديك عند مآلي إليك ومصيري، يا من لا يرد من أخلص في دعائه، ولا يحرم من وثق بعطائه، ولا يخيب من استمسك بالعروة الوثقى من تأميله ورجائه. إنك اللطيف الخبير، وأنت على كل شيء قدير.
(وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) وصلى الله على سيد المرسلين، محمد خاتم النبيين وعلى آله الطاهرين وسلم تسليما، (وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل) .