كثيرون هم الذين أرّخوا لحياة الخوارزميّ من المعاصرين، فقد أرّخ له- على سبيل المثال- كارل بروكلمان في «تاريخ الأدب العربي» وجرجي زيدان في «تاريخ آداب اللغة العربية» والدكتور محمد مهدي البصير﵀- في «في الأدب العباسي»، والدكتور شوقي ضيف في «الفن ومذاهبه في النثر العربي» والدكتور مصطفى الشكعة في «بديع الزمان الهمذاني»، وأرّخ له سوى أولئك آخرون. ولكن أحدا ممن ذكرت لم يتجاوز في ترجمته الصورة التي رسمتها له المصادر العربية، وهي صورة إن لم تكن غامضة فهي أقرب ما تكون إلى الغموض.
ولقد أعلم أن السيد محمود صالح الضّمّور قد كتب عنه رسالة ما جيستير تقدّم بها إلى كلية الآداب من جامعة بغداد في السّبعينيات، ولكنني لم أقرأ الرسالة في حينها، ولم يتهيّأ لي الاطلاع عليها بعد ذلك الحين. والمظنون في رسالة جامعيّة أن تكون قد جلت صورته، وأنارت الجوانب الغامضة من حياته، ولكنني لم أطلع- كما قلت- عليها، ولو كنت فعلت، لربّما كانت أغنتني عن البحث في حياته. مما يضطرني أن أباشر هذه الحياة بنفسي فأقول:
هو أبوبكر محمد بن العبّاس الخوارزمي، لم يرق أحد المصادر أن يذكر اسم جدّه الأدنى. ولد لأسرة فارسيّة في سنة ٣٢٣ هـ «١» . أمّا مكان ولادته ففيه حديثان، أوّلهما ما قاله بعض من أرخوا لحياته من
[ ٧ ]
القدماء، وثانيهما ما قاله هو نفسه في رسائله. فأمّا الذي قاله بعض مؤرخيه، فهو أنه ولد في طبرستان، وخصّص بعضهم هذا الميلاد فقال: إنه كان في مدينة آمل من طبرستان، ثم استشهد بما نسبه إلى الخوارزميّ نفسه من قوله:
بآمل مولدي وبنو جرير فأخوالي ويحكي المرء خاله [١]
وأمّا حديثه هو فشيء آخر، إذ وجدناه يقول في رسائله عن خوارزم: إنها عشّه الذي فيه درج، وبيته الذي منه خرج، وإنها مقطع سرّته [٢] .
والآن، أيّ الحديثين نقبل؟ أنقبل حديث بعض مؤرخيه مشفوعا بشعره أم حديث رسائله؟ ويغلب على ظنّي أنّ ما قاله عن خوارزم في رسائله من أنّها مكان مولده أصدق، وأقرب إلى الحقيقة التاريخيّة، فليس قليل الدّلالة أن يفتتح الثعالبيّ باب فضلاء خوارزم من «يتيمة الدهر» به، ثم لا يكتفي بذلك فيشفعه بقوله: «أصله من طبرستان، ومولده، ومنشؤه خوارزم [٣] وقول الثعالبيّ أصدق من سواه، إذ ليس هو من معاصريه فحسب، وإنما هو من ملازميه الذين يعرفونه، وتلاميذه الذين يشافهونه، سمع منه، وأخذ عنه، وقرأ عليه.
_________________
(١) معجم البلدان ١: ٧٥؛ وينظر الوافي بالوفيات ٣: ١٩٥، ولم يتطرّق المعاصرون السالفو الذكر إلى هذا النصّ.
(٢) ينظر رسائل الخوارزمي: ٢٢٩.
(٣) اليتيمة ٤: ٢٠٤.
[ ٨ ]
وتقول: ما الشأن في قوله الذي سبق: «بآمل مولدي »؟ فأقول:
إنّ الذي يغلب على ظنيّ أن البيت موضوع على أبي بكر منسوب إليه، لا لضعف تركيبه النحويّ في قوله: « وبنو جرير فأخوالي» إذ أنه ليس من موجب لهذه الفاء إلا أن تكون فاء الزّينة، وإنما لشيء آخر هو أن واضع البيت لم يكن يريد أن يقرّر مكان مولده، وإنما كان يريد تقرير مذهبه ليصل من ورائه إلى تقرير مذهب محمد بن جرير الطبريّ، فقد ورد بعده:
فها أنا رافضي عن تراث وغيري رافضي عن كلاله
ولست أستبعد أن يكون أحد الحنابلة هو الذي نحل أبابكر هذين البيتين، ونسبهما إليه، غرضه من ذلك أن يثبت دعوى الحنابلة على الطبريّ أنّه شيعي. أما صلة أبي بكر به فقد درجت المصادر أن تقول عنه: إنّه ابن أخت الطبريّ صاحب التاريخ والتفسير [٤] . وإذا، فليس أبلغ في إثبات الدعوى من أن يشهد ابن أخته على صحّتها، فليس أحد أعلم من أبي بكر بمذهب خاله، وذلك أنّه كان للطبريّ « مذهب في الفقه اختاره لنفسه» [٥]، ولم يكن الحنابلة- بوجه خاص- ليرضوا عن هذا المذهب، حتى إنّه يوم توفي- وهو ما هو
_________________
(١) ينظر الأنساب: ٢١٠ و؛ ووفيات الأعيان ٤: ١٩٢؛ وبغية الوعاة ١: ١٢٥؛ وشذرات الذهب ٣: ١٠٥. وتابع هذا القول من المعاصرين مصطفى الشكعة في «بديع الزمان»: ٨٢؛ وشوقي ضيف في «الفن ومذاهبه في النثر العربي»: ٢٣٠ وبرو كلمان في «تاريخ الأدب العربي» ٢: ١١٠؛ وزيدان في «تاريخ آداب اللغة العربية» ١: ٥٨٢.
(٢) الفهرست: ٢٩١.
[ ٩ ]
علما وتدينا- «دفن ليلا خوفا من العامّة» [٦] . ومن هنا كان من مصلحة ذلك الحنبليّ أن يضع ذينك البيتين- كما قلت- على لسان أبي بكر، ولمّا لم يكن يعرف مكان ولادة أبي بكر، فقد قاسه على مكان ميلاد خاله، إذ إن الطبريّ من مواليد آمل [٧] .
وتسألني عمّا جعلني أظنّ هذا الظنّ فأقول: إنّه لو كان أبوبكر قالها لما نعت نفسه بالرافضيّ، وذلك أن أبابكر شيعي إماميّ [٨]، وأنّ الزيدية هم أوّل من استحدث مصطلح الرفض يطلقونه على خصومهم من الشيعه الإمامية، ثم لمّا تقادم الزمن بالمصطلح ونسي أصله، صار الآخرون من أتباع الفرق الإسلاميّة الأخرى ينبزون به الشيعة بصورة عامّة. أفيظنّ أحد- بعد ذلك- أن ينبز أبوبكر نفسه بأنّه رافضي دون أن يستفزّه أحد أو مناظر؟
هذه واحدة، وأما الثانية فهي أنّه لم يرد ذكر في رسائل الخوارزميّ، أو في أحد كتب تلميذه الثعالبيّ عن شيء من خؤولة محمد بن جرير الطبريّ لأبي بكر، وعند سواه، مما يجعلني أقرّر أن في نفسي شيئا من أمر هذه الخؤولة أريد أن أجلوه فأقول:
معروف أن الطبريّ ولد سنة ٢٢٤ هـ، فإذا افترضنا أن أخته المزعومة- التي هي أمّ أبي بكر- تصغره بأربعين سنة- وهو احتمال ضعيف
_________________
(١) معجم الأدباء ١٨: ٤٠، وينظر العيون والحدائق ق ١، ٤: ٢١٩- ٢٢٠.
(٢) ينظر معجم البلدان ١: ٥٧ والوفيات ٤: ١٩٢.
(٣) ينظر كتابه إلى جماعة الشيعة في نيسابور في رسائله: ١٦٠- ١٧٢.
[ ١٠ ]
جدا- فمعنى هذا أنّها ولدت سنة ٢٦٤ هـ، وأنّها بلغت سن اليأس- وهي في الخمسين من عمرها وليس في الخامسة والأربعين- سنة ٣١٤ هـ، أي: قبل أن يولد أبوبكر بتسع سنوات، فإذا جارينا المؤرخين في إصرارهم على أنّ أمّ صاحبنا هي أخت الطبريّ قلنا: إنّها ولدته وعمرها تسع وخمسون سنة، على افتراض أنه ولدها البكر، إن لم يكن عمرها ستين، فأيّ عاقل يقبل هذا؟! فإذا افترضنا أنها أخت الطبريّ من أمّ أخرى، وأن جرير بن يزيد- أبا الطبري- قد تزوّج زواجه الأول وهو في العشرين من عمره، ثم تزوّج زواجه الآخر الذي أنجب منه أمّ الخوارزمي، فمعنى ذلك أنّه يكون قد أنجبها وله من العمر أربع وتسعون سنة- هذا إذا تزوجت وهي ابنة تسع وعشرين-، أو أنجبها وقد جاوز المائة إذا كانت قد تزوجت وهي ابنة عشرين أو تزيد قليلا، فأي عاقل يقبل هذا؟! وإذا، ليس من المعقول أن يستغفل الناس أبو بكر ببيتين يزعم فيهما أن الطبريّ خاله، وأنّه ورث التشيّع عنه، ثم يعرض عن لفظ التشيّع إلى الرفض، ثم لا يكون عنده أو عند تلميذه الثعالبيّ شيء من هذا أو مما هو قريب منه.
وإذا صحّ هذا الذي قرّرته، فمعناه أنني أنفي عنه هذه الخؤولة جملة وتفصيلا، فلم يكن أبو بكر ابنا لأخت من أخوات محمد بن جرير الطبري.
وإذا فقد ولد في خوازرم لعائلة أصلها من طبرستان، فكان يلقّب
[ ١١ ]
نفسه بالطبريّ مرّة [٩]، وبالطبريّ الخوازرمي مرّة أخري [١٠]، وجمع له بعضهم في عصره- على ما يظهر- نسبتين في لقب واحد على سبيل النحت فلقّب بالطّبرخزي [١١] . ولكن بقي الخوازرميّ لقبه الأشهر الذي به يعرف [١٢] .
وينبغي لي أن أقف الآن عند نطق العرب لقبه: الخوارزميّ، فأقول:
اعتاد كثيرّ منهم أن يلفظوه بنطق الواو منه، على حين أن خوارزم- كما يقول ياقوت في معجم البلدان ٢: ٣٩٥- «أوّله بين الضمّة والفتحة، والألف مسترقة مختلسة، ليست بألف صحيحة » ويؤيد قول ياقوت أن قواعد اللغة الفارسية تهمل نطق الواو الواقعة بين الخاء والألف، فيقال في الخوانساري: الخانساري: وفي الخوارزمي: الخارزمي وعلى الخاء حركة بين الضمّة والفتحة، وهكذا. ومن مصاديق هذا النطق قول الخليل بن أحمد السّجزي يرد على هجاء أبي بكر إياه:
_________________
(١) ينظر رسائله: ٤٧، ٥٦، وقد وصف عقله بأنه طبريّ. وعلّل السمعاني في الأنساب: ٢١٠ ونسبته هذه بخؤولة الطبريّ له، وهو وهم كما رأينا، وانفرد السراج بقوله في مصارع العشاق ١: ٩٠ إنه من طبرية الشام، وهو وهم لأن النسبة إلى طبريّة: طبراني.
(٢) رسائله: ٦٥.
(٣) ينظر اليتيمة ٤: ٢٠٤، والوفيات ٤: ٤٠، والوافي ٣: ١٩١، وانفرد ابن العماد فى شذرات الذهب ٣: ١٠٥ فسماه: الطبرخي. وتعليل هذا اللقب فيها- ما عدا اليتيمة- أن أباه من خوارزم وأمه من طبرستان، ثم اضطرب عند ابن أيبك في الوافي فقال العكس. ويبدو لي أن اللقب جاء من كونه- كما قال الثعالبي- طبري الأصل خوارزمي المنشأ.
(٤) ينظر اليتيمة ٤: ٢٠٤.
[ ١٢ ]
وعاو عوى من أهل خوارزم خيفة كذا الكلب عند الخوف مجتهدا يعوي
إذ أنّه ينكسر وزن صدر البيت بنطق الواو، ويستقيم بإهمالها.
لا نعرف عن أسرته الفارسية التي ولد فيها شيئا، إذ لم يذكر مؤرخوه حالها، ولكن رسائله تدلنا على أنّها كانت موسرة، فقد خلّف له أبوه من الإرث «ما لو خلّفه على أهل بلد لكفاهم» [١٣] . والمظنون بأب له مثل هذا الثراء أن يعنى بتأديب ابنه، رغم أننا لا نعرف من أدّبه في نيسابور، ولكننا نعرف أنه كان يوم فارق وطنه- وهو حدث- «قويّ المعرفة، قويم الأدب» [١٤] حتى إنّه زعم- ذات مرّة- أنّه فارق وطنه إلى العراق مفيدا لا مستفيدا [١٥] . على أن قريحته الشعريّة قد تفتّحت وهو في خوارزم [١٦] لم يجاوز اليفاعة، فقد تحكّك بشاعر عصره الهجّاء أبي الحسن اللحّام الحرّاني فهجاه [١٧] وهجا أبا القاسم أحمد بن أبي ضرغام «أحد شعراء خوارزم المفلقين المذكورين » [١٨] .
_________________
(١) رسائله: ٢٢٩.
(٢) اليتيمة ٤: ٢٠٤.
(٣) ينظر رسائله: ١٥٦.
(٤) ينظر اليتيمة ٤: ١٠٢.
(٥) ينظر نفسه.
(٦) ينظر السابق ٤: ٢٥٤.
[ ١٣ ]
وإذا، فقد كفلت له هذه الأسرة الموسرة- قبل أن تفقد يسارها [١٩]- من التعليم ما أطعمه بالاستزادة، فارتحل إلى العراق، وقصد بغداد، فتتلمذ لأبي عليّ إسماعيل بن محمّد الصفّار، وأقرانه [٢٠]، ونعرف عن أبي عليّ أنه عالم بغريب اللغة، وبالنحو، وأنّه محدّث ذكر له حاجي خليفة في كشف الظنون ١: ٥٨٦ جزءا من مرويّاته في الحديث النبويّ الشريف، ولا بدّ أن يكون صاحبنا قد سمعه منه. ولكننا لا نعرف من أقران الصفّار إلّا القاضي أبابكر أحمد بن كامل السنجريّ، إذ رويت عن الخوارزمي حكاية عنه، فلعلّه اتصل به في بغداد من جملة من اتّصل بهم، فإذا صحّ أنه وقع هذا الاتصال أدركنا ما يبحث عنه صاحبنا من علم في بغداد، فقد كان أبوبكر القاضي «من العلماء بالأحكام، وعلوم القرآن، والنحو، والشعر، وأيام الناس، وتواريخ أصحاب الحديث» [٢١] . على أنه من المحتمل ألّا يكون أبوبكر الخوارزمي قد عني بالفقه، وعلوم القرآن، وتواريخ أصحاب الحديث عنايته بالنحو، والشعر، وأيام الناس. فأما النحو والشعر فقد كانا من عدّته طيلة أيام حياته، وأمّا أيّام الناس فحسبنا ما سرده علينا
_________________
(١) ينظر رسائله: ٢٢٩ وفيها ما يدلّ على أنه افتقر في خوارزم بعد غنى.
(٢) الأنساب: ٢١٠ و.
(٣) تاريخ بغداد ٤: ٣٥٧. وقد قرّر الدكتور البصير﵀- في «في الأدب العباسي»: ٦٥ أنّه لا يعرف «لسوء الحظ أحدا من أساتذته»، ولم يقرر الشكعة ذلك لكنّه لم يذكر أحدا من أساتذته العراقيين، ينظر بديع الزمان: ٨١- ٩١، وكذلك فعل الآخرون فلم يذكر أيّ منهم أستاذا من أساتذته.
[ ١٤ ]
منها في هذا الكتاب. ولا بدّ أن تكون معرفة هذه الأيام تفرض عليه أن يلمّ بأنساب العرب، فبلغ من معرفته بها ما كان يحيّر بعض أقرانه من العلماء [٢٢]، وما جعله فيها إماما [٢٣] .
ويهمّني الآن أن أعرف متى ورد أبوبكر بغداد، إذ اكتفى مؤرّخو حياته أن يقولوا: إنه ورد العراق، دون أن ينص أحد منهم على تاريخ ذلك، بل إن أحدا منهم لم يذكر بغداد سوى الحاكم النيسابوري الذي لولاه لكنت ظننت أنّه ورد العراق سائحا لا طالب علم. ولقد نستعين على معرفة تاريخ رحلته بتاريخ وفاة أحد شيوخه أعني به أبا عليّ الصفار، فقد توفي سنة ٣٤١ هـ[٢٤] . فإذا كان الأمر كذلك فمعناه أنّ أبابكر قد ورد بغداد قبل هذا التاريخ، وأنّه لازم الصفّار مدّة أتاحت له أن «يذكر سماعه » [٢٥] منه.
ويمكنني أن أتخيّل أنه سمع- أثناء حياة الصفّار وبعدها- من القاضي أبي بكر السنجري مدّة لا أستطيع تحديدها، ولكنني أستطيع تخمينها بما لا يرقى إلى سنة ٣٤٦ هـ، فقد غادر بغداد قبل هذه السنة متّجها إلى حلب. وإنما نصصت على هذه السنة، لأنني أعرف أنّه التقى بالمتنبيّ في حلب، وزاره في بيته [٢٦]، وأعرف أن المتنبّي غادر
_________________
(١) ينظر قول الحاكم النيسابوري عنه في الأنساب: ٢١٠ و.
(٢) ينظر الشذرات ٣: ١٠٥
(٣) ينظر نزهة الألباء (ط حجرية): ٣٥٥.
(٤) الأنساب: ٢١٠ و.
(٥) ينظر اليتيمة ١: ١٣٦.
[ ١٥ ]
في تلك السنة حلب متّجها إلى مصر يمدح بها كافور الإخشيديّ.
واتجه صاحبنا إلى بلاد الشام قبل سنة ٣٤٦ هـ و«سكن بنواحي حلب» [٢٧] و«لقي سيف الدّولة وخدمه » [٢٨] . وكان أهمّ من لقاء سيف الدّولة- على ما يبدو- من حيث التأثير في حياته لقاؤه أركان حضرته من العلماء والأدباء والشعراء مثل ابن خالويه، وأبي الحسن الشمشاطيّ، وأبي الطيّب المتنبيّ، وأبي العبّاس الناميّ، وسواهم [٢٩] .
وقد أفاد من مجالسة هؤلاء ما فتق قلبه، وشحذ فهمه، وصقل ذهنه [٣٠] . وإذا كان أفاد من ابن خالويه علمه بالنحو واللغة، فقد يكون أفاد من أبي الحسن الشمشاطيّ صاحب «أخبار أبي نواس » [٣١]، ومختصر تاريخ الطبري [٣٢] علمه بشعر المحدثين وبالتاريخ. أما المتنبي فحسبك به جليسا وبشعره معلّما؛ مما يتيح لنا أن نعدّ هؤلاء جميعا في أساتذته وليس ابن خالويه وحده [٣٣] .
على أن أبابكر لم يكتف بمجالسة هؤلاء ممن هم في حضرة سيف الدولة يلازمونه، وإنما مدّ بصره إلى من هم خارج هذه الحضرة سواء
_________________
(١) الوفيات ٤: ٤٠١؛ والشذرات ٣: ١٠٥.
(٢) اليتيمة ٤: ٢٠٤.
(٣) ينظر السابق ١: ٢٦.
(٤) ينظر نفسه.
(٥) ) الفهرست: ١٨٢.
(٦) الفهرست: ٢٩٢.
(٧) في معجم الأدباء ٤: ٥ أنّ أبابكر كان من تلامذة ابن خالويه
[ ١٦ ]
أكانوا من ملازمي حضرة سيف الدولة أم لم يكونوا، وكانت حال شعراء الشام في ذلك عنده حال الشعراء الطارئين عليها، فلقي ابن الكاتب الشاميّ، وأبا الفرج العجليّ، وأبا الحسين الناشيء الأصغر، والخليع الشاميّ، وأبا طالب الرّقّي، وأبا الحسن عليّ بن أحمد التلّعفري [٣٤]، ينشدونه أشعارهم بعضهم [٣٥] . وكان من أثر كلّ ذلك في نفسه أن قال بعد أن صار إلى ما هو عليه شعرا وأدبا وعلما: وما «بلغ هذا المبلغ بي إلّا تلك الطرائف الشاميّة، واللطائف الحلبيّة التي علقت بحفظي، وامتزجت بأجزاء نفسي» [٣٦] .
وينبغي لنا ألّا نتصور أن إقامة أبي بكر- وهو في عنفوان شبابه- في العراق والشام كانت جدّا كلها، فقد غشي مجالس المغنين، واختلط بالشطّار والعيّارين، وداخل مجتمعيهما مداخله أهّلته أن يؤلّف- فيما بعد- هذا الكتاب الذي قال عنه إنه «التقط من أفواه الشطار والعيّارين، جمع في مجالس المغنّين والمضحكين وسمع أكثر ما فيه من أفواه السؤّال والسّابلة» [٣٧] .
وينبغي لنا أيضا ألا نتصور أن أبابكر قد حظي من المكانة في الشام بما يغريه أن يقيم فيها، إذ لم تكن سنّة أو شعره أو أدبه مما يؤهّله
_________________
(١) ينظر اليتيمة ١: ١٢٠، ١٢٢، ٢٤٨، ٢٨٧، ٢٩٨، ٣٠٠.
(٢) كان ينفرد برواية أشعار أبي طالب الرّقي- ينظر السابق ١: ٢٩٨.
(٣) السابق ١: ٢٦.
(٤) مقدّمة الأمثال: ٢.
[ ١٧ ]
لهذه المكانة، لا سيما أن أساتذته مقيمون فيها وهم ما هم علما وأدبا وشعرا. على أن هذا لا يعني أنه تأخّر فيها، بل كان أمره فيها في حيث لا يؤخّر عن رتبة يبلغها أقرانه الذين هم في منزلته [٣٨] .
ومهما يكن من أمر، فإن إقامته في الشام- على ما يبدو- لم تطل كثيرا أيضا، فقد فارقها وقد قاربت شخصيته الأدبية الاكتمال إن لم تكن قد اكتملت [٣٩]، إذ نحن لا نجد بعد مغادرته الشام أحدا من العلماء يمكن أن يقال عنه: إنه كان أستاذا له، وإنه أخذ عنه.
أما السنة التي غادر فيها الشام فنحن لا نعرفها على وجه التحديد، ولكننا نستطيع أن نقرّر أن رحلته كانت قبل حلول سنة ٣٥٣ هـ. إذ أننا نعرف أنّه اتصل بوالي سجستان أبي الحسين طاهر بن محمد [٤٠]، وأن طاهرا هذا كان واليها في تلك السنة بعد أن استخلفه عليها خلف ابن أحمد أثناء حجّة فاستبدّ بها دونه [٤١] .
وإذا، فقد غادر الشام قبل سنة ٣٥٣ هـ- كما قلت- ميمّما وجهه شطر بخارى وهو لم يبلغ الثلاثين من عمره وإن يكن قد قاربها. وكان عليها يوم قصدها الأمير منصور بن نوح، وكان وزيره- على ما يظهر-
_________________
(١) ينظر رسائله: ٤٣.
(٢) ينظر اليتيمة ٤: ٢٠٤.
(٣) ينظر السابق ٤: ٢٠٥.
(٤) ينظر الكامل ٧: ١٤- ١٥ وفيه أنّ والي سجستان هو أبو الحسين طاهر بن الحسين، على حين أنه في اليتيمة: أبو الحسين طاهر بن محمد، وقد مات طاهر هذا سنة ٣٥٤ هـ.
[ ١٨ ]
أبو عليّ البلعميّ، فاتصل بهذا الوزير وصحبه «فلم يحمد صحبته» [٤٢] . ولا يبعد أن يكون الخوارزمي قد تأفّف من هذه الصّحبة أمام من سعى بقوله إلى البلعمّي، فخرج توقيعه بتقريع أبي بكر ولومه، فكتب إليه أبوبكر يعاتبه: «ذكر الشيخ أني تنقّلت بعرضه المصون، وتمندلت بقدره المكنون المخزون، وقد كنت أحسب الشيخ أمنع على السعادة جانبا » [٤٣] . فما أجدى العتاب، بل كثرت- على ما يظهر- رقاع البلعمّي إليه بما هو أكثر من التقريع الأوّل حتى بدا صاحبنا حائرا لا يعرف كيف يداري ما هو فيه [٤٤] .
على أنه حاول أن يلاين البلعميّ، وأن يستعيد ودّه، إلّا أنه لم ينجح في ذلك فقرّر أن يفارق حضرته إلى نيسابور، وفعل، فلما أن وردها كتب منها إليه كتابا يقرّعه فيه، ويشرح أسباب الخلاف بينهما، فقد كان يرغب البلعميّ أن يعامله صاحبه على أنه وزير، وشاء الخوارزميّ أن يعامله- وقد طالت العشرة- على أنه نظير [٤٥] .
وينبغي لنا أن نحمل حديث أبي بكر عن طول العشرة، وعن أنّه خرج عن حدّ الشبيبة في هذا الكتاب على محمل المبالغة التي من شأنها أن تثبت له حقّا على الوزير.
_________________
(١) اليتيمة ٤: ٢٠٤، وينظر نصّ بروكلمان في تاريخه ٢: ١١٠ على أنّ البلعميّ «وزير آل سامان» .
(٢) : ١١٩. و«تنقّلت وتمندلت » كناية عن الغيبة.
(٣) السابق: ١٢٠.
(٤) السابق: ٤٢- ٤٤.
[ ١٩ ]
ولم يكتف أبوبكر بإثبات رأيه في الوزير البلعميّ نثرا، وإنما هجاه بشعر له [٤٦]، على أنّه لم يكن وحيدا في هجائه، فقد هجاه من هو أسنّ منه أعني اللحام الحرّاني متّهما إياه في وزارته، بأنه:
لم يرع للأولياء حرمتهم فيها، ولا للوجوه والكتبه [٤٧]
مما يوحي أن أبابكر لم يكن بطرا يوم فارقه، وأنه صادق في خوفه من أن يذلّ في حضرته.
واتصل- وهو في نيسابور- «بالأمير أبي نصر أحمد بن عليّ الميكاليّ، واستكثر من مدحه ونادم كثير بن أحمد» [٤٨] الذي هو ابن الأمير أبي نصر. على أن مدّته لم تطل في نيسابور- إذ فارقها سنة ٣٥٣ إلى سجستان- إلّا أنها تركت ثلاثة أشياء في حياته، أولها أنّه أحبّ هذه المدينة، وأحلّها في نفسه محلّة خاصة جعلته يتخذها- فيما بعد- دارا يأمن بها على أهله وولده [٤٩]، وثانيها أنّه بقيت له علاقة طيّبة بالأمير أبي نصر- بعد مفارقته- يدلنا عليها أنه شفّعه في اصطناع أحد الفقهاء من تلاميذه [٥٠]، وأنه بعث إليه بقصيدة من حبسه في سجستان [٥١]، وثالثها أنّه اتخّذ من كثير بن الأمير أبي نصر
_________________
(١) ينظر هجاؤه في اليتيمة ٤: ٢٠٤- ٢٠٥.
(٢) اليتيمة ٤: ١٠٨.
(٣) السابق ٤: ٢٠٥.
(٤) ينظر رسائله: ١٥٦.
(٥) ينظر السابق: ١٤٧- ١٤٩.
(٦) تنظر قصيدته في اليتيمة ٤: ٢٠٥- ٢٠٦.
[ ٢٠ ]
الميكالي نديما وصديقا [٥٢] .
وفارق نيسابور- كما قلت- سنة ٣٥٣- هـ إلى سجستان «وتمكّن من واليها أبي الحسين طاهر بن محمّد وأخذ صلته» [٥٣]، ولكنّه انقلب على طاهر، وهجاه لسبب لا نعلمه ممّا جعل طاهرا يسجنه [٥٤] .
وعلى أننا وجدنا الثعالبيّ يقول: إن طاهرا «أطال سجنه» [٥٥]، إلّا أنه لابد أن يكون قد خرج من السجن قبل وفاة أبي الحسين طاهر سنة ٣٥٤ هـ فاتّصل بعد خروجه من الحبس بصاحب طبرستان نوح بن منصور، وعلى أننا لا نعلم كم لزمه إلّا أننا نعلم أن حاله معه لم تكن في طبرستان بأفضل منها في سجستان [٥٦] . ولا بدّ أنه فارق طبرستان قبل سنة ٣٥٦ هـ، إذ إن نوح بن نصر قد توفي في هذه السنة [٥٧] .
وعاد صاحبنا مرّة أخرى إلى نيسابور قبل سنة ٣٥٦ هـ، كما قلت، فكانت له علاقة- على ما يبدو- بمدينة كرمان وأبي عليّ بن إلياس،
_________________
(١) ينظر رسائله: ١٦- ١٧، ١٥٦- ١٥٧ وفي الرسالة الثانية عتاب شديد، ٢٥٧- ٢٥٨.
(٢) اليتيمة ٤: ٢٠٥.
(٣) ينظر نفسه.
(٤) نفسه.
(٥) ينظر السابق ٤: ٢٠٦.
(٦) ينظر الكامل ٧: ٢٣، ولم يذكر أحد من القدماء أو المحدثين الذين ذكرت نوح بن نصر هذا، وإنما اكتفوا بأنه صاحب طبرستان.
[ ٢١ ]
فقد رأيناه يكتب إلى وزيره يعزّيه بوفاة ابن له [٥٨] . ولا بدّ أن يكون ذلك قد حدث- كما قلت- قبل السنة المذكورة، لأن أبا علي بن إلياس كان قد فرّ من كرمان إلى بخارى- حاضرة ملك السامانيين- ولأن عضد الدولة استولى على كرمان سنة ٣٥٧ هـ وأقطعها ولده أبا الفوارس الملقّب- بعد ذلك- بشرف الدولة [٥٩] .
وفي هذه المرحلة من حياته- وقد امتحن صحبة رجال الدولة السامانيّة- بدأ يمدّ بصره إلى صحبة البويهيين، فقد اتصل- على ما يبدو- بركن الدولة البويهيّ، فرأيناه يكتب رسالة إلى حاجبه بالريّ مرّة [٦٠]، وإلى كاتبه أبي قاسم بعد عزله مرّة أخرى [٦١] . ثم رأيناه يرثي ركن الدولة نفسه بعد وفاته سنة ٣٦٦ هـ[٦٢] . ولعل ابن كاملة- وهو ابن أخت ركن الدولة-[٦٣] هو الذي أوصله إلى خاله، فقد وصفه أبوبكر- بأنّه صديق شبيبة [٦٤] .
ولعلّ من آثار علاقته بركن الدولة البويهيّ أن كانت له علاقة
_________________
(١) ينظر رسائله: ٢٠٥- ٢٠٦.
(٢) ينظر الكامل ٧: ٢٧- ٢٨.
(٣) ينظر رسائله: ٩٧.
(٤) ينظر السابق: ١١٦- ١١٧.
(٥) تنظر قصيدته في اليتيمة ٤: ٢٢٦- ٢٢٧.
(٦) ينظر تجارب الأمم ٦: ١٧٦.
(٧) ينظر رسائله: ٢٠٣ وفيها أنه نادمه وهو مقتبل الشباب، حدث الأتراب.
[ ٢٢ ]
بوزيره أبي الفتح ابن العميد فوجدناه يرثيه [٦٥] بعد قتله سنة ٣٦٦ هـ.
ولعّل من آثارها أيضا ما كتبه إلى مسكويه وقد تزوّجت أمّه [٦٦]، فمسكويه هذا كان يخدم أبا الفضل بن العميد وزير ركن الدولة قبل ابنه أبي الفتح [٦٧] .
ثم اتّصل بعد وفاة ركن الدولة البويهيّ، واستيلاء ابنه عضد الدولة على الملك بعده، بالصاحب بن عبّاد في أصبهان، وكان من المعقول أن يتشوّف الصاحب إلى هذه الزيارة وأن يكون وراء هذا التشوّف أكثر من وجه، فمن هذه الوجوه أنه لا بدّ أن يكون قد سمع بأبي بكر وهو في حضرة ركن الدولة، ولا بدّ أن يكون أيضا قد شعر بشيء من عدم الرّضا وهو يراه على صلة بمنافسه أبي الفتح بن العميد [٦٨]، وأن يكون مما يسرّه أن يرى شاعر منافسه في حضرته، هذا إلى أنّ أبابكر قد بلغ من الشهرة- قبل أن يقصد الصاحب- ما يجعل حضرة مثل حضرة الصاحب تفرح بمقدمه، فقد رويت عن أبي بكر أكثر من رواية تدلّ على هذه الشهرة منها ما يدل على سعة حفظه. ويمكن أن نمثّل على سعة الحفظ بما رواه ابن خلّكان، فقد قال: إنه لما ورد حضرة الصاحب قال لأحد حجّابه: «قل للصاحب: على الباب أحد الأدباء وهو يستأذن
_________________
(١) تنظر قصيدته في اليتيمة ٤: ٢٢٦- ٢٢٧.
(٢) ينظر رسائله: ٢١٣- ٢١٤.
(٣) ينظر عن هذه الخدمة- على سبيل المثال- تجارب الأمم ٦: ٢٢٩.
(٤) ينظر في أمر هذه المنافسة الوفيات ٥: ١١١
[ ٢٣ ]
في الدخول، فدخل الحاجب وأعلمه، فقال الصاحب، قل له:
لقد ألزمت نفسي ألّا يدخل عليّ من الأدباء إلا من يحفظ عشرين ألف بيت من شعر العرب، فخرج إليه الحاجب وأعلمه بذلك، فقال له أبو بكر: إرجع إليه وقل له: هذا القدر من شعر الرّجال أم من شعر النساء؟
فدخل الحاجب فأعاد عليه ما قال، فقال الصاحب: هذا يريد أن يكون أبابكر الخوارزميّ، فأذن له في الدخول، فدخل عليه فعرفه وانبسط له» [٦٩] . وعلى أن هذه الرواية «ظاهرة التكلّف والافتعال» [٧٠] إلّا أن دلالتها على سعة حفظ أبي بكر تبقى قائمة، فقد كان أبوبكر يحفظ في هجاء المغنين وحدهم «ما يقارب ألف بيت» [٧١] .
ومن روايات شهرته ما يدلّ على سعة علمه باللغة، فقد قيل إنّه دخل «على الصاحب في أوّل لقائه إياه فارتفع على الحاضرين في مجلسه من العلماء والأدباء- والجماعة لا تعرفه- فتساءلوا عنه وغاظهم ما رأوا منه، وقال أحدهم: من ذا الكلب؟ - قولا سمعه أبوبكر- فالتفت إليه، وقال: الكلب من لا يعرف للكلب مائة اسم، ويحفظ في مدحه مائة مقطوعة وفي ذمّه مثلها. فقال الصاحب: فأنت أبوبكر
_________________
(١) الوفيات ٤: ٤٠١، وينظر الشذرات ٣: ١٠٥.
(٢) في الأدب العباسي: ٥٩، وقد سبق الدكتور زكي مبارك إلى شيء من هذا الرأي في النثر الفني ٢: ١٦٠.
(٣) خاص الخاص: ٦٤.
[ ٢٤ ]
الخوارزميّ، قال: نعم عبدك قال له: حقّ لك، وقدّمه وقرّبه» [٧٢] .
وعلى أن الرواية كأختها ظاهرة التكلّف بحيث لا أرى بي حاجة إلى الحديث عن هذا التكلّف، وتفصيل وجوهه إلّا أن ذلك لا ينفي سعة علمه باللغة. وحسبه من ذلك أنه كان أحد مصادر الثعالبيّ في «فقه اللغة» [٧٣]، وأحد رواة علم ابن خالويه اللغويّ [٧٤] .
وأريد الآن أن أحدّد الزمن الذي اتّصل فيه أبوبكر بالصاحب، فأقول: إنه لا كتب التأريخ، ولا كتب التراجم التي ترجمت حياة أبي بكر قد ذكرت شيئا- شأنها في ذلك شأنها مع أحداث حياته الأخرى السابقة منها واللاحقة- ولكننا نستطيع أن نستعين على هذا التحديد بأبي حيّان التوحيديّ، إذ أن أبا حيّان كان قد تعرّف في حضرة الصاحب على أبي بكر فروى عنه أشياء في «مثالب الوزيرين» فإذا عرفنا أن أبا حيّان قد غادر الحضرة- كما يقول هو- في عام ٣٧٠ هـ بعد أن أقام فيها ثلاث سنوات [٧٥]، أمكننا أن نقول بيسر: إنه اتصل به في هذه المدّة الواقعة بين ٣٦٧- ٣٧٠ هـ.
_________________
(١) الوفيات ١: ٤١٦؛ وينظر الأنساب: ٢١٠ و، وفيه أنه قال: « الكلب الذي لا يعرف عشرين لغة في الكلب » وواضح كيف تضخّمت رواية الأنساب في الوفيات حتى عادت بعيدة عن أصلها مصنوعة.
(٢) ينظر فقه اللغة: ١٠.
(٣) ينظر معجم الأدباء ٤: ٥ على سبيل التمثيل.
(٤) ينظر المثالب: ٢٠٧.
[ ٢٥ ]
وحظي أبوبكر عند الصاحب بمكانة كبيرة، فأعطاه وأولاه، وقدّمه وآثره [٧٦]، وبلغ من المكانة عنده بحيث يكتب إليه أرجوزة يدعوه فيها أن ينادمه في عيد الفصح [٧٧] . ولا بدّ أن يكون من أسباب هذه الحظوة- فضلا عن الأدب- أنه- أعني أبابكر- كان «يتعصّب لآل بويه تعصّبا شديدا» [٧٨]، ولا يبعد أن يكون الصاحب قد أفاد منه في معرفة أخبار السامانيّين، ومعرفة أخبار صاحب جيشهم أبي الحسن محمد بن إبراهيم بن سيمجور [٧٩] . ولكنّ هذا لا يعني أن نصدّق أبا حيان في أنّ الصاحب قد اتخذه جاسوسا على ابن سيمجور مأجورا، فقد كانت هنالك أكثر من مصلحة مشتركة بين الصاحب وأبي بكر في إضعاف شأن السامانيين، منها ولاء أبي بكر للبويهيين وتعصبه لهم، ومنها أنّ الصاحب وأبابكر شيعيّان يهمّهما القضاء على خصمهما السّنّي ابن سيمجور [٨٠] . كلّ هذه المصالح تجعل أبابكر يمدّ الصاحب بما لديه من معلومات عن طيب خاطر دون أن يكون مكلّفا أو أجيرا، إذ هو يمدّه بهذه المعلومات عن هوى وعقيدة، لا سيما أن العصر عصر صراع مذهبيّ حادّ.
_________________
(١) ينظر السابق: ٧٧.
(٢) ينظر اليتيمة ٣: ٢٦٣.
(٣) السابق ٤: ٢٠٨.
(٤) ينظر المثالب: ٧٧.
(٥) مما يدل على مذهب ابن سيمجور وتعصبه على الشيعة رسالة أبي بكر في رسائله: ١٦٠- ١٧٢.
[ ٢٦ ]
وبلغ الصاحب ذروة الأريحيّة مع أبي بكر حين زوّده بكتاب «إلى حضرة عضد الدولة بشيراز» [٨١] . ولعلّ الصاحب قد خفّف في هذا الكتاب من أثر رثاء أبي بكر أبا الفتح بن العميد، فليس من المعقول ألّا يترك هذا الرثاء أثرا في نفس عضد الدولة البويهيّ وهو الذي «كتب إلى أخيه فخر الدولة بالريّ يأمره بالقبض» [٨٢] على ابن العميد وعلى أهله. فسافر صاحبنا- ومعه كتاب ابن عبّاد- إلى شيراز- وأبو حيّان ما يزال في حضرة الصاحب- فاتّصل بعضد الدّولة فوجد منه «قبولا حسنا، واستفاد منه مالا كثيرا» [٨٣] . ولكنّ إقامته- على ما يبدو- لم تطل في حضرته، فعاد إلى نيسابور، واستوطنها، واشترى بهبات عضد الدولة «ضياعا وعقارا» [٨٤] . ثم عاد مرّة أخرى إلى حضرة عضد الدولة، ويبدو أن ذلك كان قبل سنة ٣٧١ هـ «فأجرى له عند انصرافه رسما يصل إليه في كلّ سنة بنيسابور مع المال الذي كان يحمل من فارس إلى خراسان » [٨٥] .
وقد قلت: إنه ورد حضرة عضد الدولة قبل سنة ٣٧١ هـ، لأنني رأيت عضد الدولة كان قد قصد في هذه السنة بلاد جرجان
_________________
(١) اليتيمة ٤: ٢٠٧.
(٢) الكامل ٧: ٨٢.
(٣) اليتيمة ٤: ٢٠٧، وفيه: «واستفاد منها »
(٤) نفسه.
(٥) نفسه.
[ ٢٧ ]
وطبرستان يطرد عنها صاحبهما قابوس بن وشمكير- ممدوح أبي بكر أيام منفى قابوس- ورأيت أبابكر في خراسان يكتب إلى الصاحب بن عبّاد- وكان على ما يبدو في حملة عضد الدولة- كتابا يعرض فيه نفسه مجاملة للقتال مع الصاحب [٨٦]، ولأن عضد الدولة مات بعد هذه الحملة في سنة ٣٧٢ هـ. أمّا لماذا لم يكتب إلى عضد الدولة نفسه؟ فلعلّ الخلطة لم تبلغ بينهما- وذلك أمر طبيعي- ما بلغته بين الصاحب وبينه.
وفي هذه المرحلة من حياته- بعد إذ أغناه عضد الدولة- تفرّغ للتدريس تفرّغا لم يكن من الغريب معه أن يستخلف أحد العلماء الذين يثق بهم على درسه إذا غاب، فقد استخلف ذات مرّة أستاذ الواحديّ: أبا الفضل العروضي [٨٧] . على أن هذا التفرّغ لم يكن ليمنعه من الانصراف إلى شؤون حياته الخاصة، وإلى لهوه، فكان يقضي «أيّامه بين مجالس الدرس ومجالس الأنس» [٨٨] .
وإذ توفي عضد الدولة بقيت علاقته بآل بويه وثيقة فقد رأيناه في سنة ٣٧٣ هـ يرثي مؤيّد الدولة ويهنّيء فخر الدولة الذي ولي الملك
_________________
(١) ينظر رسائله: ٧٥- ٧٧.
(٢) ينظر معجم الأدباء ٥: ٩٩، وأبو الفضل من العلماء باللغة، توفي سنة ٤١٤ هـ أو بعدها ومن كتبه: المستدرك على ابن جني فيما شرحه من شعر المتنبي. ينظر رائد الدراسة عن المتنبي: ٦٥- ٦٦.
(٣) اليتيمة ٤: ٢٠٨.
[ ٢٨ ]
بمشورة الصاحب بن عبّاد [٨٩] بعد مؤيّد الدولة.
وكما بقيت علاقته بآل بويه وثيقة بقيت بالصاحب أيضا، فقد بلغت هذه العلاقة بينهما من القوّة بحيث رأينا نائب الصاحب نفسه يكتب إلى أبي بكر يستشفعه عند الصاحب [٩٠]، وبحيث رأيناه يشفع لرجل أميّ عند الصاحب أن يكون على سوق الطعام [٩١]- وهو منصب له علاقة على ما يبدو بالحسبة- فيشفّعه، ولعلّ هذه العلاقة هي التي جعلت أبابكر يتحامل على المتنبي- فيما بعد- إرضاء للصاحب.
على أن هذه العلاقة المتينة بآل بويه ووزيرهم الصاحب لم تكن لترضي ولاة الأمر من السّامانيين في نيسابور، فكانوا يصبّون على أبي بكر ألوانا من المضايقات من شأنها أن تؤثّر في نفس مرهفة مثل نفسه، كأن يعامل معاملة العامّة في مطالبته بأداء الخراج عن ضياعه [٩٢] مرّة، وأن يشعر بكساد أدبه مرّة أخرى [٩٣]، إلى ما هنالك من ألوان المضايقات التي لم نستطع معرفتها، وإن كنّا نستطيع أن نتصوّرها.
وكان يزيد من موقف أبي بكر سوءا أنه كان من اعتداده بنفسه،
_________________
(١) ينظر الكامل ٧: ١١٧.
(٢) ينظر رسائله: ٣٣: ٣٤.
(٣) ينظر السابق: ٥٢- ٥٤.
(٤) ينظر السابق: ٢٤؛ ٣٥- ٣٦.
(٥) ينظر السابق: ٨٤؛ ١٠٩؛ ١١٢؛ ١١٤.
[ ٢٩ ]
وبمنزلته، وأدبه بحيث «كان يطلق لسانه بما لا يقدر عليه» [٩٤]، وأنه لم يكن لبق الخطاب فيما يحبّ أن يكون له من أموره، ولم يكن يترفّع عن الصّغائر ترفّعا يجعلنا نحسّ أنه كان يعرف ما يراد به فيعرض عنه، وإلّا فإنه لا يتوقع أحد له أن يكتب- وهو في مثل هذه المكانة الحرجة- إلى صاحب ديوان الخراج واصفا مطالبته إياه بأداء الخراج عن ضياعه بأنها خزاية وليست جباية، وبما هو أكثر من ذلك [٩٥] .
وزاد من تمرّد أبي بكر أنّ هؤلاء السامانيين- وهم أمير طفل ولي خراسان وعمره ثلاث عشرة سنة ووزير مستبد هو أبو الحسين العتبي يصرّف أمور الولاية على هواه، وصاحب جيش هو ابن سيمجور يتمرّد على الأمير والوزير معا [٩٦]- زاد من تمرّده، وإبائه أنّهم كانوا يريدون منه أن ينقطع إليهم دون سواهم من البويهيين، ولعلّهم أحسّوا بما سرّب من أخبارهم إلى الصاحب، ولكنّ إرادتهم في الانقطاع إليهم كانت بالترهيب لا بالترغيب، وبالإعنات، لا بالتوسعة، مما اضطره أن يكتب إلى أبي الفرج نائب وزير نيسابور- بعد أن عرض عليه انقطاعه إلى السامانّيين-: «فهمت ما ذكر الشيخ في كتابه ذكر الشيخ أني لو اقتصرت على خدمة الأمير، وعلى منادمة الوزير لمالت الصروف عن جانبي ناكبه، وولّت الخطوب عنّي هاربة مثلي أيّد الله تعالى
_________________
(١) اليتيمة ٤: ٢٠٨.
(٢) ينظر رسائله: ٣٥.
(٣) ينظر الكامل ٧: ١٠٧- ١٠٨.
[ ٣٠ ]
الشيخ لا يحمل على الخدمة بالتقريع والتثريب، ولا بالتهديد والترهيب وإنّما يحبس مثلي بالرّغبة، ويقيّد بقيد من الذّهب والفضّة، ويرضى منه بالحياء والوفاء كفيلين » [٩٧] . وفي ظلّ تعنّت السامانيين ورفض أبي بكر لم يكن من المستغرب أن يلقي أبو الحسن محمد بن إبراهيم بن سيمجور بصاحبنا في الحبس بعد زيارته عضد الدولة، مدّة لا نعرف أمدها، ولكنّ أحداث التاريخ تقتضي أن يكون قد خرج من الحبس قبل شهر جمادى الأولى من سنة ٣٧١ هـ فقد رأيناه في هذا الشهر هاربا إلى الريّ طليقا يكتب إلى الصاحب- كما أسلفت- كتابا يعرض عليه أن يقاتل معه على سبيل المجاملة، ويكتب إلى صديقه كثير بن أحمد الميكالي، وإلى صديقه الآخر أبي محمد العلوي، وإلى سوى هذين الصديقين [٩٨] .
وشاء الوزير أبو الحسين العتيبي- إزاء تمرّد محمد بن إبراهيم- أن يعزله عن قيادة الجيش، وأن يوليّ مكانه أبا العباس حسام الدولة المعروف بتاش الحاجب، وكان من المقدّر لأبي بكر أن يتنفّس الصّعداء بعد عزل خصمه الذي حبسه، ولكن ولاءه للبويهيين ولعضد الدولة منهم بوجه خاص حال دون ذلك.
وأريد أن أفصّل ما أجملت فأقول: إن قابوس بن وشمكير، وقد طرده عضد الدولة- كما ذكرت- من جرجان وطبرستان كان لجأ إلى
_________________
(١) رسائله: ١٥٤- ١٥٥.
(٢) ينظر السابق: ١٦؛ ١٧؛ ١٢٢؛ ١٢٣؛ ١٢٥.
[ ٣١ ]
الأمير نوح بن منصور فأمدّه بجيش يستعيد به ملكه، وكان ذلك الجيش بقيادة تاش الحاجب، ولكن الجيش انهزم فانقلب إلى نيسابور، وبقيت جرجان وطبرستان تحت نفوذ عضد الدولة البويهي. وبهزيمة تاش اجتمعت على أبي بكر فرحتان هما: انتصار وليّ نعمته عضد الدولة، وهزيمة الوزير العتيبي، فأطلق لسانه شامتا بالوزير وصاحب جيشه الجديد.
واستغلّ حسّاد أبي بكر وخصومه المناخ النفسيّ السائد فوضعوا على لسان أبي بكر شعرا يشمت فيه بالوزير، وسعوا به إليه، فأمر صاحب الجيش تاش بقطع لسان الخوارزميّ وبمصادرته، وكتب بذلك إلى أبي المظفّر الرّعيني «فتولّى حبسه وتقييده، وأخذ خطّه بمائتي ألف درهم، واستخرج بعض المال، وأذن له في الرجوع إلى منزله مع الموكّلين به ليحمل الباقي، فاحتال عليهم يوما وشغلهم بالطعام والشراب، وهرب متنكّرا إلى حضرة الصاحب بجرجان» [٩٩] .
وورد عليه في هروبه كتاب من صديقه القديم، ونديم لياليه، كثير ابن أبي نصر أحمد الميكاليّ يعرض عليه فيه أن يعود إلى داره بعد أن «تلطّف بالأمير حتى سلّ منه السّخيمة، وحمله على أن اغتفر الجريمة» [١٠٠] . ولكن أبابكر رفض- كما هو منتظر منه- العرض،
_________________
(١) اليتيمة ٤: ٢٠٨. ويرد العتبي في ابن الأثير على: أبي الحسين، وفي اليتيمة على: أبي الحسن.
(٢) رسائله: ١٥٦.
[ ٣٢ ]
ورأى فيه مكيدة قصاراها أن تعود به إلى ما كان عليه.
ومكث أبوبكر في حضرة الصاحب يجدّد عهده القديم بصاحبه، ولكنّ هذا المكث لم يكن طويلا، ولعلّه لم يبلغ السّنة، فقد قتل خصمه الوزير أبو الحسين العيبي، وقام مقامه أبو الحسين المزني وزيرا «وكان من أشدّ الناس حبّا للخوارزمي، فاستدعاه وأكرم مورده ومصدره، وكتب إلى نيسابور في ردّ ما أخذ منه عليه، ففعل، وزادت حاله» [١٠١] .
وعاد صاحبنا إلى داره في نيسابور، وإلى نسق حياته فيها قبل نكبته حتى بلغ عدد تلاميذه في هذه المرحلة شيئا كثيرا [١٠٢] . وكان ذلك في سنة ٣٧٢ هـ[١٠٣] .
ولكنّ عقارب الخصومة السياسيّة لم تكن لتهدأ- كما يبدو- وما كان لها أن تهدأ، لأنّ دواعيها ما زالت قائمة، إذ هي لم تكن قائمة على حزازة شخصيّة تموت بموت صاحبها أو بهلاك أصحابها، ولم يكن المقدّر أن تسلك مثل هذه الخصومة طريقا مباشرا واضحا إليه بعد إذ بسط عليه الوزير المزنيّ ظلّه، فكان أن دبّرت له مكيدة المناظرة بينه وبين بديع الزمان الهمذاني عسى أن يخمل ذكره، «وأعان الهمذانيّ عليه قوم من الوجوه كانوا مستوحشين منه جدّا»؟ [١٠٤] .
_________________
(١) اليتيمة ٤: ٢٠٨.
(٢) ينظر معجم الأدباء ١: ١٠٤، وكشف المعاني: ٤٠.
(٣) ينظر الكامل ٧: ١٠٩.
(٤) اليتيمة ٤: ٢٠٨- ٢٠٩؛ ومعجم الأدباء ١: ١٠١.
[ ٣٣ ]
وينبغي لي أن أفيض في أمر هذه المناظرة ووجوه الكيد لأبي بكر فيها، فأقول: إنّه ورد على نيسابور بديع الزمان الهمذاني، وكان قد سلب في الطريق إليها، فكتب رقعة إلى أبي بكر فاستقبله في داره استقبالا لم يرض عنه بديع الزمان، فقد كان يريد من أبي بكر أن يقوم له عن مجلسه قياما تاما، وكان أبوبكر يرى أنّه قد أجلّه بما فيه الكفاية، ولم يرفع عليه في المجلس أحدا سوى رجل من ذريّة رسول الله (ﷺ)، مما جعل في نفس بديع الزمان- وهو لم يخل من سكر الشباب بعد- شيئا أقرب ما يكون إلى الاعتقاد بأنه لم يوفّ حقّه.
ويلفت النظر في هذه المسألة برمّتها أنّ بديع الزمان وهو ابن أربع وعشرين سنة يوم جاء إلى نيسابور سنة ٣٨٢ هـ يريد من أبي بكر أن يوفّيه فضله ثم ينسى أن لأبي بكر من الفضل والسنّ ما يجعلان استقبال أبي بكر إياه في داره على غير معرفة سابقة تشريفا. وإلّا فمن هو بديع الزمان- يومئذ- إزاء مكانة أبي بكر وفضله؟
ترى أكان بديع الزمان يجهل هذا الأمر، أم أنّ هنالك جماعة من خصوم أبي بكر في نيسابور يستغلّون حداثة سنّ بديع الزمان وإعجابه الزائد بنفسه فيدفعون به إلى حيث يريدون؟ أمّا بديع الزمان- وهو يكاد يكون المصدر الوحيد في رواية ما وقع له مع أبي بكر- فيعترف بأنّ طائفة من الناس كانت تسعى إليه بما يتفوّه به أبو بكر، وبلغ البديع من تصديق ما ينقل إليه أن كتب إلى أبي بكر رقعة يتهمه فيها بالتعالي عليه، وبلغ أبوبكر- على ما يبدو- من الضيق بهذه المسألة
[ ٣٤ ]
الطارئة، وربّما من العلم بما يراد لها أن تصل إليه بحيث قال: «لو أنّ بهذا البلد رجلا تأخذه أريحيّة الكرم يجمع » [١٠٥] بينه وبين البديع، فتلقّف خصومه قوله يوجّهونه الوجهة التي يرضونها. ونشط من بينهم أبو الطّيب سهل الصعلوكي فجمع بين أبي بكر والبديع في داره، وحاول البديع أن يجرّ أبابكر إلى شيء مما يمكن أن يسمّى مناظرة فلم يستطع، وظلّ البديع ينتظر أن ينجد هو وأبوبكر- كما يقول- في الفضل ويغوّر، فكان انتظاره سرابا [١٠٦] .
ولعلّ ما جعل أبابكر يحجم عن مفاوضة البديع علمه بما ينطوي عليه صدر أبي الطّيب إزاءه. أمّا لماذا حضر داره، واستجاب إلى دعوته، فلعلّ ذلك كان ضربا من مجاملته، وسعيا إلى التخلص من مشكلة البديع الطارئة على أيّ وجه يكون ميسورا.
وهكذا أخفقت المحاولة الأولى في جرّ أبي بكر إلى حلبة البديع، فانعقد العزم على محاولة ثانية لا يرتاب بها كثيرا. وأي ريبة في مجلس يعقده نقيب العلويين بنيسابور أبو عليّ للغناء، ويكون من حضّاره البديع، ثم يدعى إليه أبوبكر؟ وكوتب أبوبكر بالحضور فاعتذر، فما كان من أهل المجلس إلّا أن يحرجوا أبابكر فيبعثوا إليه بمركوب يجيء به إليهم، فدخل وهو يتحدّث عن سباق وعن حبالة [١٠٧] وكأنه يعلم بما يراد به، ولكنّه يريد أن ينأى بنفسه عنه.
_________________
(١) كشف المعاني: ٣٦.
(٢) السابق: ٣٧.
(٣) ينظر السابق: ٣٩- ٤٠.
[ ٣٥ ]
والحقّ أن حديث أبي بكر عن الفخّ الذي نصب له حديث أقرب إلى الحكمة. فإنّه وضع بين حالتين لا تشرّفه أية منهما، الأولى أن يناظر البديع وأن يغلبه، ولكن أيّ فضل لأبي بكر في هذا والبديع شاب في أوّل الطريق؟ والثانية أن يغلبه البديع، ولكن أيّ حرج سيلحق به بعد هذا وهو إمام عصره علما وأدبا؟ إن مجرّد رضاه أن يجلس من البديع مجلس المناظر فيه غضّ من قيمته، واعتراف بمكانة البديع، ولكنّ الحبالة كانت قد أعدّت بإحكام.
وراح البديع يلحّ على أبي بكر، وأبوبكر يتحاماه حتى أذعن آخر الأمر، وما كان له إلّا أن يذعن وإلّا فسّر تحاميه بالعجز. ولا أريد أن أصدّق ما نقله البديع مما دار في هذا المجلس من أنه أشعر من أبي بكر، وأعلم باللغة منه وما إلى ذلك مما ساقه، ولكنني أريد أن أقول إنه كان قد أعدّ لنهاية المجلس أن يحكم «بعض القوم بغلبة البديع، وبعضهم يحكم بغلبة الخوارزمي» [١٠٨] .
ونهاية مثل هذه من شأنها أن ترغم صاحبنا على حضور مجلس مناظرة آخر أو يقرّ بالعجز، «وكان بعض الرؤساء مستوحشا من الخوارزميّ، وهيّأ مجمعا في دار الشيخ أبي القاسم الوزير، وحضر أبو الطيّب سهل الصّعلوكي والسيّد أبو الحسين العالم، فاستمال البديع قلب السيد أبي الحسين بقصيدة قالها في أهل البيت، ثم حضر
_________________
(١) هذه رواية البيهقي في وشاح الدمية نقلها ياقوت في معجم الأدباء ١: ١٠٣. على أن البيهقي- كما يبدو- اعتمد فيما اعتمد رواية البديع.
[ ٣٦ ]
المجلس القاضي أبو عمر البسطامي، وأبو القاسم بن حبيب والقاضي أبو الهيثم والشيخ أبو نصر بن المرزبان و أبو نصر الماسرجسي » [١٠٩] .
وكان قد أعدّ لهذا المجلس أن يحكم أبو الطيّب والبسطاميّ وصاحب الدار أبو القاسم المستوفي الوزير بغلبة البديع [١١٠] .
وأقول: إنه أعدّ للمجلس هذه النهاية لا للدّفاع عن أبي بكر ولكن لأنني قرأت ما كتبه البديع نفسه عنها، وما أثبته من كلامه وكلام أبي بكر، فلم أجد فيه شيئا ينتهي إلى هذا الحكم، أللهم إلّا أن يكون المنصفون من حضّار المجلس قد اشتريت ذممهم من قبل كما اشتريت ذمّة أبي الحسين العالم بمديح أهل البيت، فقد زلّ قلم البديع فقال عن حال أبي الحسين بعد سماعه القصيدة، قبل حضور الخوارزمي، إنه «انحلّت له العقدة، وصار سلما، يوسعنا حلما» [١١١] . وأقول اشتريت ذممهم. لأنني لا أستطيع أن أصدق- وقد قرأت شيئا من شعر أبي بكر- أن قائله- أعني الخوارزمي- قال في المجلس «تسعة أبيات
جمع فيها بين إقواء وإكفاء، وإخطاء وإيطاء» [١١٢] . أمّا ما أثبته البديع من نثره في الدّينار والدّرهم فهو يمكن أن يدخل في عزائم السّحرة،
_________________
(١) السابق ١: ١٠٤.
(٢) ينظر معجم الأدباء ١: ١٠٥، وكشف المعاني: ٦٦؛ ٦٤، وينظر رأي الثعالبي بالمناظرة في اليتيمة ٤: ٢٥٧.
(٣) كشف المعاني: ٦١.
(٤) السابق: ٧٢.
[ ٣٧ ]
ورقى العقارب، ولكنه لا يمكن أن يكون له أدنى صلة بالفنّ والنثر الفنّي، إذ هو من قبيل قوله- وقد أثبته- كما قلت- بنفسه: «الله شاء إن المحاضر. صدور بها وتملأ المنابر. ظهور لها وتفرغ الدفاتر. وجوه بها ومشق المحابر » [١١٣] . فهل يعقل أن يكون البديع قد غلب أبابكر بمثل هذا؟
أما إذا لم تشتر ذممهم، فإنّهم كانوا من انعدام الحسّ النقدي في تقويم النثر بمهوى سحيق.
ولم يكن لمثل هذه الحال أن تسرّ أبابكر حتى ولو حكم له بالغلبة، فأنف- كما هي طبيعة الأمور- منها «وانخزل انخزالا شديدا، وكسف باله، وانخفض طرفه، ولم يحل عليه الحول حتى خانه عمره، ونفذ قضاء الله تعالى فيه، وذلك في شوّال سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة » [١١٤] في نيسابور.
ولم يكتف البديع بوفاته، ولا من هم وراءه، فرثاه «بأبيات دسّ
_________________
(١) نفسه: ٧٨ وينبغي ألّا يفهم حكمي على نثر البديع مطلقا، ولا على قراءة القطعة بوجهين.
(٢) اليتيمة ٤: ٢٠٩، وفي الأنساب: ٢١٠ وأن وفاته كانت «للنصف من شهر رمضان» من العام، وتابع ابن العماد في الشذرات ٣: ١٠٦ رواية الأنساب واضطرب ابن الأثير فجعل وفاته في ٧: ١٦٢ سنة ٣٨٣ ثم عاد في ٧: ٢٢١ فجعلها سنة ٣٩٣ هـ وهو وهم منه. وكذلك وهم ابن نظيف الحموي حين جعل وفاته في التاريخ المنصوري: ٧٠ ظ سنة ٤٠٢.
[ ٣٨ ]
فيها سعاية ثانية» [١١٥] أمّا هذه السعاية فهي- كما تستشفّ من الأبيات- تحريض أولي الأمر في نيسابور على مصادرة ما خلّفه أبوبكر لابنه من إرث:
تحمّلت فيك من الحزن ما تحمّله ابنك من صامت [١١٦]
وهكذا طويت صفحة حياة أبي بكر- عليه رحمة الله- بمؤامرة من خصومه- وهو ابن ستين سنة أو يكاد- نفّذها لهم بديع الزمان الهمذاني، وواصلها بعد وفاته، وهو- بزعمه- يرثيه.
والآن وقد عرفنا حياة أبي بكر- وهي حياة مضطربة تعاورتها السجون والأسفار- نقول:
إنّه لا اضطراب حياته ولا مجالس أنسه منعاه من أن يكون أستاذا ملء السمع والبصر يفد عليه تلاميذه من نيسابور ومن خارج نيسابور [١١٧]، فكان له منهم كثرة كاثرة لم يبق لنا من أسمائهم إلّا ما لا يكاد يذكر، فمن تلاميذه: أبو منصور عبد الملك بن محمّد الثعالبيّ النيسابوري المتوفى سنة ٤٢٩ هـ، فقد رأينا في مقدّمة فقه اللغة وفي اليتيمة وفي سواهما من كتبه ما يدلّ دلالة واضحة على هذه التلمذه، فضلا عن نصّ ابن الأنباري عليها.
_________________
(١) اليتيمة ٤: ٢٠٩.
(٢) نفسه، وفي معجم الأدباء ١: ١١٦ أرجوزة للبديع يهجو بها أبابكر ويتّهم فيها ابنه عليّا بعلة البغاء. ويهمنا من هذا أنه يوم مات كان له ولد اسمه: عليّ.
(٣) ينظر رسائله: ١١٤؛ واليتيمة ٤: ٤٤٦. وفيهما حديث عن تلميذين من خارج نيسابور.
[ ٣٩ ]
وأبو المظفّر الهرويّ- واسمه محمّد بن آدم بن كمال- وقد ألّف من الكتب: شرح الحماسة، وشرح إصلاح المنطق لابن السّكّيت، وشرح أمثال أبي عبيد، وشرح ديوان أبي الطيّب المتنبّي. وكانت وفاته سنة ٤١٤ هـ[١١٨] .
وأبو نصر أحمد بن عليّ بن أبي بكر الزّوزني، فقد ورد نيسابور، وتلمذ له، ثم صار من شعراء عضد الدولة، ومات وهو شاب [١١٩] .
وأبو الفتح النحويّ اللغويّ، واسمه محمد بن أحمد بن محمد بن أشرس، وهو فاضل أديب، شاعر من أهل نيسابور [١٢٠] .
وآخر سمّاه أبوبكر- في رسائله- أحمد بن عليّ [١٢١]، ولا نعرف عنه أكثر من اسمه.
على أنّ في رسائله من الكتب التي خاطب بها تلاميذه أو التي أجاب بها عن كتبهم الواردة إليه ما جعل الدكتور شوقي ضيف يتوهم أن هنالك منصبا لتخريج التلاميذ في نيسابور كان يتولّاه أبوبكر [١٢٢] .
هذا ما كان من أمره أستاذا، أمّا ما كان من أمره مؤلفا فقد اتفّق
_________________
(١) ينظر معجم الأدباء ٦: ٢٦٧، وشرحه أمثال أبي عبيد مما فات زلهايم، فأطروحته عن شروح أمثال أبي عبيد ولم يتنبه إليه.
(٢) ينظر اليتيمة ٤: ٤٤٦- ٤٤٧.
(٣) ينظر المعجم ٦: ٣٢٦.
(٤) ينظر رسائله: ١٤٩.
(٥) ينظر الفن ومذاهبه في النثر العربي: ٢٣٣.
[ ٤٠ ]
الذين ترجموا له من القدماء والمحدثين على كتابين له هما: ديوان رسائله وديوان شعره، رغم أن البديع الهمذاني قد اعترف له بالنحو «واللغة والعروض والأمثال » [١٢٣]
وإذا، فإن المذكور في كتب التراجم من كتبه كتابان هما:
- ديوان رسائله [١٢٤]، وقد طبع باسم «رسائل الخوارزمي» في كوبريلي سنة ١٢٧٤ هـ؛ وفي بولاق سنة ١٢٧٩ هـ؛ وفي إستانبول ١٢٩٧؛ وفي بومباي سنة ١٣٠١ هـ ١٨٩١ م [١٢٥] . ثم طبعت هذه الرسائل باسم «رسائل أبي بكر الخوارزمي» في دار مكتبة الحياة ببيروت سنة ١٩٧٠ م وهي طبعة ملأى بالأخطاء المطبعيّة. على أن رسائل الخوارزمي لم تحقّق في أيّ من هذه الطبعات رغم وفرة نسخها المخطوطة.
- ديوان شعره، وقد سمّاه حاجّي خليفة: «ديوان أبي بكر الخوارزمي» [١٢٦] . وألمح جرجي زيدان إلى ضياع هذا الديوان [١٢٧]، على حين اضطرب كارل برو كلمان في أمره فقال: « لم يبق لنا من شعر الخوارزميّ إلّا نماذج رواها صاحب اليتيمة» [١٢٨] ثم قال بعد ستة
_________________
(١) كشف المعاني: ٦٧.
(٢) ينظر كشف الظنون ١: ٧٧٠.
(٣) تاريخ الأدب العربي ٢: ١١١، وينظر تاريخ آداب اللغة العربية ١: ٥٨٢.
(٤) الكشف ١: ٧٧٠.
(٥) ينظر تاريخ آداب اللغة العربيّة ١: ٥٨٢.
(٦) تاريخ الأدب ٢: ١١١.
[ ٤١ ]
عشر سطرا: إنّ ديوانه قد « طبع في القاهرة ١٩٠٣» [١٢٩] . ولم يقدّر لي أن أرى هذا الديوان مما يجعلني أحجم عن تقرير شيء في أمره. وأما الكتب الأخرى فهي:
- الرسائل القديمة، ذكرها الثعالبي فقال: «وقرأت فصلا للخوارزميّ من رسائله القديمة: لو كنّا نعمل على قدر النيّة لحملنا إليك خراج فارس، وعشر الأهواز » [١٣٠]، ولعلّ من هذه الرسائل القديمة الفصل الذي كتبه «في ذكر إلّا ولولا» [١٣١] . ويغلب على الظنّ أن هذه الرسائل هي التي كتبها في صدر شبابه، وأنّها لم تصل إلينا.
- شرح ديوان المتنّبي، وقد ذكره الشيخ يوسف البديعي في حديثه عن شروح ديوان المتنّبي» [١٣٢]، ولم يشر الأستاذ كور كيس عوّاد إليه في «رائد الدراسة عن المتنبّي» . على أنّ هذا الشرح لا يعرف مصيره، لأن هنالك شروحا كثيرة مخطوطة لديوان المتنّبي لا يعرف شارحوها فلعل شرحه أن يكون أحدها، أو لعله من الكتب الضائعة.
- أمالي الخوارزمي، فقد قال الميداني وهو يفسّر: «لا أفعل كذا ما غبا غبيس»: « ورأيت في أمالي الخوارزميّ أن معنى غبا: أظلم،
_________________
(١) نفسه.
(٢) ثمار القلوب: ٨٢.
(٣) اليتيمة ٤: ٢٠١.
(٤) الصبح المنبي: ٢٦٨ وفي الوافي بالوفيات ٦: ٣٤٤ أنّ من شرّاح ديوان المتنبّي الهرّاسي الخوارزمي، فهل اختلط الأمر على البديعي؟
[ ٤٢ ]
والغبيس: من أسماء الليل» [١٣٣] فلعل الخوارزمي المذكور هو أبوبكر فقد رأينا أنّه كان عالما باللغة وأن مثل هذه الأمالي اللغوية مما يليق باهتماماته وبدروسه التي يتلقّاها عنه تلاميذه، هذا إلى أن صاحبنا من مصادر الميداني كما سيتضح.
- الأنساب، وقد نسبه إليه الشهاب الخفاجيّ «١» ولم يذكر كنيته.
- المكارم والمفاخر، وقد نشره عزّت العطّار في القاهرة، ١٣٥٤ ١٩٣٥.
- الأمثال، وقد ذكره أبو الحسن البيهقي في كتابه «غرر الأمثال»، فقال عند ذكره أبابكر الخوارزميّ: «إنّه ألّف كتابا في الأمثال المولدة» [١٣٤]، وذكره الشهاب الخفاجيّ في «شفاء الغليل» مرّتين، الأولى حين تحدّث عن «الرّزّاق» فقال: « قاله أبوبكر الخوارزميّ في أمثاله» [١٣٥]، والثانية وهو يتحدّث عن قولهم: «يدهن من قارورة فارغة» فقال مثل قوله الأول [١٣٦] . ثم ذكره من المعاصرين المستشرق الألمانيّ رودلف زلهايم، ولكنّه كان يعتقد أنّه ضائع [١٣٧] على الرّغم من أن نسخته المخطوطة محفوظة في إستانبول وأنّه كان اطّلع «على
_________________
(١) مجمع الأمثال ٢: ٢٣٩.
(٢) الأمثال العربية القديمة: ٢١٦.
(٣) شفاء الغليل: ١٠٢.
(٤) السابق: ٢١٦.
(٥) ينظر قائمة كتب الأمثال في الأمثال العربية: ٢٢٤.
[ ٤٣ ]
مجموعة من مخطوطات الأمثال [١٣٨] أثناء زيارته لإستنبول في سبتمبر (أيلول) من عام ١٩٥١ م. والأمثال هو هذا الكتاب الذي أقدّم له بعد أن حقّقته.
هذا ما استطعت جمعه من أسماء مؤلفات أبي بكر، ولعلّ له مؤلّفات أخرى لم أوفّق إلى العثور على أسمائها، وبحسبي من ذلك أنني استدركت ستّة كتب على كتابيه، لم يذكرها أحد ممن اطّلعت على ترجمتهم له.
وينبغي لي أن أتحدث عن أهميّة هذا الكتاب فأقول: لعلّ هذا الكتاب هو أوّل كتاب انعقد برمّته على أمثال المولّدين لم يسبقه إليه أحد، إذ أنّ جميع الكتب التي تحدّث عنها زلهايم، والتي تناولت أمثال المولّدين متأخّرة عنه [١٣٩] . أمّا الكتب التي سبقته فهي في الأمثال العربّية الفصيحة.
ولقد بلغ الاعتداد بأبي هلال العسكري- معاصر الخوارزمي- لدي جمعه هذه الأمثال أن عاب حمزة بن الحسن الأصبهاني المتوفى في حدود ٣٥٠ هـ بما تسرّب إلى كتابه «الدرّة الفاخرة في الأمثال السائرة» من أمثال المولّدين حتى صارت «العلماء تلغيه، وتسقطه وتنفيه»
_________________
(١) السابق: ١١.
(٢) ينظر السابق: ٢٠٥- ٢٠٧٨.
(٣) جمهرة الأمثال: ١١.
[ ٤٤ ]
وإذا كان مصدر أبي بكر في هذا الكتاب ما كانت قد وعته حافظته أثناء إقامته- وهو شاب- في العراق والشام، وما يمكن أن يكون قد دوّنه، فإنّ الذي يغلب على الظنّ أنه ألّفه على دفعات يبتعد بعضها عن بعض شيئا ما، وآية ذلك ما نراه من تكرار طائفة من هذه الأمثال، فقد تكرّر في الكتاب ثمانون مثلا- تزيد وتنقص- أسوق منها على سبيل التمثيل المثل الذي رقمه ٣٥٧ فقد أعاده في ٤٦٢ والمثل ٧٨٥ في ٨١١، و٤٧٢ في ٨١٢، و٥٣٤ في ٨٢٢، و٤٠٩ إلى هذا التكرار يغنيني عن التعداد. ومن آيات ذلك اضطراب منهج الكتاب شيئا ما. وأوّل ما يلاحظ ذلك على تبويب الكتاب، فهو يبوّبه على أساس الموضوعات كما في بابي «ما يجري مجرى العظة »،
و« المواعظ والأمثال»، وكما في « الشتم للرجل »، و«
مدح الرجل »، ولكنّه يخرج عن هذا الأساس إلى أساس آخر بلاغيّ في «تفاريق المجون والتشبيه»، و« تناول المولدين واستعاراتهم» وفي « الهزل في الاستعارة»، و« التشبيه في كأنّ وكأنّما»، ثم يعرض عن الأساسين معا إلى آخر هو البيئة كما في « أمثال السّؤال»، و« الأمثال التي تفرّد بها أهل بغداد» وترتّب على هذا شيء آخر يتعلق بتوزيع الأمثال على هذه الأبواب، فقد ذكر المثل ١١٨ في «باب المواعظ » وهو آية من القرآن الكريم، وكذلك ٤٦٤، و٦٨٩، ٨٦٦ فكان من حقّ هذه الأمثال
[ ٤٥ ]
جميعا أن تدرج في «باب ما جاء في القرآن فضربت به الأمثال» .
وذكر في «بابي مدح الرّجل والشفقة عليه» جملة أمثال تبدأ ب ٥٠٦ وتنتهي ب ٥٢٤، وكلّها تبدأ ب «كأنّ» مما يجعل لها حقا أن تذكر مع أخواتها في «باب آخر من التشبيه في كأنّ وكأنّما» . وجاءت في «باب مدح الرجل» أمثال على صيغة «أفعل» مثل ٤٨٤، ٤٨٥- ٤٩٢- ٤٩٦- ٤٩٧، وكان من حقّها أن ترد في «باب أفعل من كذا» . وهنا لك أشياء أخرى كان من حقّها أن تنقل من أماكنها إلى أماكن أخرى، ولم أذكرها، لأنني أمثّل ولا أستقصي.
ومن آيات جناية الذاكرة على هذا الكتاب أن أبابكر نسي تدوين بعض الأمثال مما يعرفه هو، مثل: «جصّصت الدار بعد ما خربت» [١٤١]، ومثل «مخلّط خراسان» [١٤٢]، و«يقع في البئر من حفر» [١٤٣]، وإذا كان يمكن أن يقال: إنّه من المحتمل ألا يكون المثلان الأوّلان مستعملين في العراق والشام، فإن الثالث ما يزال مستعملا في العراق إلى اليوم. ولا بدّ أن تكون هنالك أمثال أخرى سوى ما ذكرت قد غابت عن ذاكرة أبي بكر فغابت عن هذا الكتاب.
_________________
(١) استعمله الخوارزمي في شعره، ينظر اليتيمة ٤: ٢٣٣.
(٢) والمثل مناسب لقولهم: سفينة نوح، وجامع سفيان- ينظر ثمار القلوب: ١٧١ وقد كان يستعمله أبوبكر، والمخلّط: ما يخلّط: ما يخلط من اللوز، وبزر البطيخ، والكشمش ونحوها مما يكون في النّقل.
(٣) رسائل الخوارزمي: ٦٠.
[ ٤٦ ]
ولكن كلّ ذلك لا ينقص من أهميّة هذا الكتاب، ولا يقدح في قيمته كتابا رائدا في بابه فهو وثيقة اجتماعيّة تؤرخ لوجدان المجتمعين العراقيّ والشاميّ، وللوجدان العربّي الإسلاميّ بصورة عامّة من ورائهما. فإذ يمرّ ذكر البطّال عابرا- عدا تأريخ ابن عساكر. في حوادث سنة ١٢٢ هـ لدى بعض المؤرّخين نجده قد اتخذ مكانا في الذاكرة الشعبية فضرب المثل بشجاعته في: ١٢٣٤. وإذ تسكت كتب التاريخ وسواها عن الرّنداق صاحب شرطة أنطاكية نجد الذاكرة الاجتماعيّة قد ضربت المثل بشدّته في: ١١٦٢. وإذ تسكت كتب التاريخ عن علاقة واضحة بين خليفة المسلمين ورعاياه نستشف من المثل ١٠٩٩ شيئا أقرب إلى الضجر من طول أعمار الخلفاء- رغم قصرها-، ولعل هذا الموقف من الخلافة هو الذي صوّر سجون الخلفاء على الغاية من الاكتظاظ بالناس- ينظر: ١٢٢٦، ودواوين خراجهم على الغاية أيضا من الاكتظاظ بالمال [١٤٤] . ولعله هو الذي غيّب القرامطه والزنج عن ذاكرة المجتمع رغم أحاديث التاريخ المستفيضة عمّا صوّرته على أنّه من الفظائع.
وتنبيء هذه الأمثال أيضا عن تحوّل في الذوق الأدبيّ، فإذا تصوّر لنا مصادر الأدب الشعر الجاهليّ والأمويّ على أنهما الغاية التي بلغها الشعر العربيّ، وأنّه بديء الشعر بامريء القيس وختم بذي الرّمة- كما يقول الأصمعيّ- نجد الضيق بشعر امريء القيس في: ١١٨٥، وبشعر
_________________
(١) ينظر: ١٢٢٥.
[ ٤٧ ]
الكميت في ١٢١١. مما يدلّ على أن الصراع بين القدماء والمحدثين من الشعراء قد حسم لصالح المحدثين.
وتنبيء هذه الأمثال أيضا، على خلاف اهتمام العلماء باللغة في هذا العصر مثل ابن جنّي، وأبي عليّ الفارسيّ، وابن خالويه، ومن إليهم، أقول: تنبيء عن ضيق الناس بالنحو واستعماله في بعض جوانب الحياة كما في: ١٢٥٤.
ولا أريد أن أطيل في الجوانب الاجتماعيّة التي ضمّها هذا الكتاب، وإنما أردت أن أنبّه الدارسين المهتمين بدراسة المجتمع العربي في العصور الإسلاميّة إلى ما يمكن أن يقدّم كتاب الأمثال من أشياء اجتماعيّة.
ولقد كان من الممكن أن يكون هذا الكتاب وثيقة أخرى تقدّم لنا لغة المولّدين وتراكيبها النحويّة، لو أن أبابكر قيّد نفسه أن ينقل الأمثال على هيآتها التي كانت تتداول بها، ولكنّه لم يشعرنا في المقدمة أنّه تقيّد بهذا. وإذ نحن نعرف تخفّف الناس من الإعراب في هذا العصر تخفّفا جعل المتنبّي يقول:
وكلمة في طريق خفت أعربها فيهتدى لي، فلم أقدر على اللّحن [١٤٥]
لا نجد في الأمثال شيئا من اللحن الذي وصف أبو الطيّب فشوّه في ألسنة الناس. على أننا إذا تجاوزنا أوضاع النحو، وهي سليمة، في هذا الكتاب وجدنا الخيال فيها- أعني في الأمثال- خيالا مولّدا حتى
_________________
(١) ديوانه: ١٧١.
[ ٤٨ ]
لتلتبس هذه الأمثال بكثير من الشعر العباسي مما يفرض علينا أن نولي اهتماما أكبر لهذه العلاقة الوثيقة المتبادلة بين الشعر العباسيّ والأمثال، فلقد نقرأ قول حمّاد عجرد يهجو بشارا:
إنّ بشّار بن برد تيس اعمى في سفينه
ونحسب أن المشاكلة بين بشّار والتيس هي في الهيأة الجسمانية، ولكنّ المثل: ٦٩٦ يقول: «وتذكر المتهوّر الأحمق فتقول: تيس في سفينة» مما يدلنا أن حمّادا لم يشبّه وإنّما كنّى عن حمق بشار وعن تهوّره.
ومن هذا الالتباس في الخيال بين الشعر والأمثال قول اللحّام الحرّاني:
هذا زمانك فاختم بالطين والطين رطب [١٤٦]
فقوله نظم للمثل: ٩١، ثم توسّع بدلالته.
وقوله:
كن ذكورا يا أبا يح يى إذا كنت كذوبا [١٤٧]
فهو أيضا نظم للمثل: ١٣٩٣.
وهناك ناحية دقيقة في الالتباس بين الخيال في هذه الأمثال، والخيال الشعريّ عند العباسيّين هي هذا الميل الشديد إلى التشخيص مما يعني
_________________
(١) اليتيمة ٤: ١٠٦.
(٢) نفسه ٤: ١٠٧.
[ ٤٩ ]
أنّه من طبيعة البنية الفكرية لأبناء العصر، فلقد نجد شيئا مشتركا بين قول الحمدويّ في طيلسان ابن حرب:
طال ترداده إلى الرّفو حتى لو بعثناه وحده لتهدّى [١٤٨]
وقول المولّدين في: ٧٣٧ « لو ضاعت صفعة ما وجدت إلّا على قفاه» مما يعني أنّ هنالك تصورا مشتركا بين الشاعر ومجتمعه في تناول الأشياء، وفي النظر إليها، وفي التعبير عنها.
وثمة العشرات من هذه النماذج التي تؤكّد العلاقة الوثيقة- كما قلت- بين الشعر العباسيّ وأمثال المولّدين مما يمكن أن يكتشفه القاريء بنفسه في ثنايا الكتاب، ومما يجعلني- وأنا أقرأ هذه الأمثال- أسأل نفسي عمّا إذا كان المجتمع قد تبنّى الشعر فجعله مثلا، أم أن الشاعر قد تبنّى المثل فصاغه شعرا.
وأحبّ الآن أن أقف وقفة قصيرة عند أصول هذه الأمثال فأقول: لم يكن من المقدّر لهذه الأمثال- وقد نشأت طائفة كبيرة منها في العراق والشام- أن تكون بمنأى عن ثقافة العراق القديم، إذ لم يكن العراق يوم دخله الإسلام الحنيف خاليا من سكاّنه بناة حضارة بابل، وسومر، وأكد، فكان لا بدّ للعرب المسلمين يوم استوطنوه أن يتأثروا بثقافته مثلما يؤثرون فيه، هذا إذا لم يكن العراق القديم قد أثّر- وهذا هو الراجح- في الجزيرة العربيّة قبل ظهور الديانات السماويّة مما يجعل دراساتنا في الأدب العربيّ ناقصة ما لم تعن بتأثير الثقافات العراقية
_________________
(١) ثمار القلوب: ٦٠٣.
[ ٥٠ ]
القديمة فيه.
وإذا، كان من الطبيعيّ أن تتأثّر هذه الأمثال بثقافة العراق القديم، فكان المثل: ٩٤٨ القائل: «قال الفيل للبقّة: لم أحسّ بك إذ وقعت عليّ، فأحسّ بك إذا طرت؟ - كما يبدو لي- تلخيصا للقصّة السومريّة القائلة: «وقفت مرّة بعوضة فوق ظهر فيل وهو يمشي، فقالت له: هل أثقلت عليك يا أخي؟ فإن كنت فعلت ذلك فإنّني سأنزل عند بلوغنا مورد الماء، فأجابها الفيل: من أنت؟ لم أحسّ أنّك كنت فوق ظهري ولن أعرف عندما تنزلين» [١٤٩] . وكان المثل: ١٨٩٧ القائل: «إن الغريب- وإن أعزّ- ذليل» قريبا- كما هو ظاهر- من المثل السومريّ «ساكن البلد الغريب مثل العبد» [١٥٠] لا يختلف عنه إلّا قليلا. وتعمد بعض هذه الأمثال إلى قلب الأمثال السومريّة مثل:
٢١٠ القائل «جزاء مقبّل الوجعاء ضرطة» إذ هو- كما يغلب على ظنّي- السومريّ: «أن تضرط الشابّة في أثناء عناق زوجها لها أمر لم يحدث منذ القدم» [١٥١]، وكذلك ١٠١: «ليس الجمال بالثياب» إذ هو أيضا- كما يبدو- معكوس المثل السومريّ «العيون تتّجه لأحسنهم ملبسا» [١٥٢] . وقد يكتشف المختصون بالحضارة السومرّية
_________________
(١) مقدّمة في أدب العراق القديم: ١٨٢.
(٢) السابق: ١٦٠ ومن معاني «الوجعاء» الاست، ولا أظنّه مقصودا.
(٣) السابق: ١٥٩- ١٦٠.
(٤) من هنا يبدأ التأريخ: ٨١. وللمثل نظير عند الرومان فقد ورد في كتاب الناقد الروماني- كما أفادني بذلك الصديق الدكتور أبو العيد دودو- كانتيليان:-
[ ٥١ ]
أمثالا أخرى انحدرت من أصول تلك الحضارة، أمّا من هو مثلي فحسبه التمثيل والتنبيه.
ومن باب التنبيه أيضا أن أشير إلى أن بعض هذه الأمثال- على ما يبدو- من أصول إغريقية، كقولهم في: ٣٥٣ «ما أشبه السفينة بالملّاح» ففي التراث الإغريقي أن ديوغانس «نظر إلى طوف شوك يجري به الماء- وعليه حيّة- فقال: ما أشبه السفينة بالملّاح» [١٥٣]، وقولهم في: ١٣٢ «نعم الصّهر للمرأة القبر» فهو ينطلق- كما يغلب على الظن- من نظرة أبقراط إلى المرأة في قوله: «للمرأة ستران: بعلها وقبرها» [١٥٤] .
أمّا الكثيرة الكاثرة من هذه الأمثال فهي- كما هي طبيعة الأمور- من أصول عربيّة ولكنها تتفاوت في أزمانها. ولا أريد الآن أن أؤرّخ لهذه الأمثال، ولكن أريد أن أشير إلى صدق ما قاله المؤلّف من أنه «كان الرجل في صدر الإسلام، والآخر في الجاهلية يرسل الكلمة، فتترك ولا يتمثّل بها إلّا في أيام هذه الدولة العباسيّة» [١٥٥] . فقد وجدت أن طائفة من هذه الأمثال يعود إلى العصر الجاهليّ مثل: ٧٥؛
_________________
(١) - تعليم البلاغة، الكتاب الثامن، الفصل الخامس ما ترجمته: «اللباس يصنع الرجل» . وتطوّر على يد لو غاوس- كما يقول دودو- في «شعر الحكم الألمانية» - ٦٥٤ إلى: الثياب تصنع الناس.
(٢) المجتنى: ٦٨.
(٣) نثر الدر: ٧٢.
(٤) مقدّمة المؤلف: ٨٣.
[ ٥٢ ]
٧٧- ١٧٤- ١٨٩ وبعضها إسلامي مثل: ٢٢٣- ٢٦١- ٢٦٨- ٢٩٥، وشيئا منها يرجع إلى أيام الأمويين مثل: ١٣٠- ١٣٨٦- ١٤١٧- ١٤٣٨، ولكنّ الغالب- كما هو منتظر- المثل العباسيّ. على أنّ الذي يلفت النظر أن بعض الأمثال العباسيّة استحدثت في عصر المؤلّف- أعني القرن الرابع- مثل: ٤٦٦- ٦٤٥- ١٤٨٧ وسواها.
ولست أطيل في تاريخ ما استطعت تأريخه من الأمثال، لأن في حواشي التحقيق ما يكشف ذلك، ولأنني أريد أن أنصف الخوارزميّ في كتابه هذا من الثعالبيّ والميدانيّ، فقد ألّف الثعالبيّ كتابه «التمثيل والمحاضرة» بعد وفاة أستاذه أبي بكر، وأخذ أشياء من هذا الكتاب- أعني الأمثال المولدة- فأدرجها في كتابه مثل: ٣٥، ٣٨، ٤٤، ٤٥، ٥٢، ٥٨، ٦٤، ٦٦، ٧٦، ٨٩، ٩٠، ٩٤، ٩٨، ١٠١، ١٢١، ١٢٢، ١٤٣، ١٦٨، ١٨٨، ١٩١، ٢١٠، ٢٢٩، ٢٣٨ وسوى ذلك مما هو واضح من حواشي التحقيق، ولم يذكر هذا الكتاب في طول كتابه وعرضه حتى لكأنّ أبا بكر أستاذه لم يؤلّفه. ثم عاد الثعالبيّ فأفاد من هذا الكتاب في «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب» فأفاد من ٣٧٢، ٣٨٣، ٤١٧، ٤٦١، ٤٨٥، ٦٥٥، ٦٨٨، ٧١٢، ٧٢٤ ومن سواها ثم نقل منه فنسب النقل إلى أبي بكر، وأغفل ذكر الكتاب [١٥٦] .
أما الميدانيّ فأمره آخر، فقد تحدّث عن مصادره التي رجع إليها في
_________________
(١) ينظر ثمار القلوب: ٤٦٠- ٤٦١.
[ ٥٣ ]
مقدّمة كتابه «مجمع الأمثال»، ولم يذكر أبابكر في هذه المقدّمة، ولم يذكر كتابه رغم أنه- أعني الكتاب- كان من مصادره المهمة في سرد أمثال المولدّين، فقد كان يأخذ منه- في أحيان- أمثاله حرفا بحرف كما فعل في «لا أفعل ذلك حتى يؤوب المثلّم» فقد نقله، ونقل قصّته بتمام حروفها إلّا في جملة واحدة هي قول الخوارزمي « فلما توسّطها حكّموا » [١٥٧] فقد شرح الميداني هذه الجملة بقوله: « فلمّا توسّطها رفعوا أصواتهم: أن لا حكم إلا الله» [١٥٨] وكما صنع ب ١٤١٢ فهو عند الخوارزميّ: «إنّ السّنّور الصّيّاح لا يصطاد شيئا. أى الفأر يأخذ منه حذره فيفوته»، وهو عند الميداني «السّنّور الصيّاح لا يصطاد شيئا. لأنّ الفأر يأخذ منه حذره» [١٥٩] فقد أخذه الميدانيّ إلّا في شيئين هما «إنّ» لأنه يريد إدراجه في حرف السين، و«فيقوته»؛ لأنه رآها- كما يبدو- تحصيل حاصل. وكذلك صنع ب: ١٥٤١ فقد فسّره أبو بكر بقوله: «ويقولون في الفاسق النكد في كل أحواله»، وفسّره الميداني بقوله: «يضرب للفاسق النكد في جميع أحواله» [١٦٠] . وكما صنع في سوى هذه الأمثال مما هو واضح في حواشي التحقيق.
_________________
(١) مقدمة المؤلف: ٨٤.
(٢) مجمع الأمثال ١: ٢١٥.
(٣) السابق ٢: ١٧٣. وهذا من مصاديق ظن زلهايم في الأمثال العربية: ٢١٧ حاشية.
(٤) السابق ٢: ١٧٣.
[ ٥٤ ]
وكان ينقل الميدانيّ طائفة من هذه الأمثال فيتصرّف قليلا في مضرب المثل كما فعل- على سبيل المثال- في ٦٢٩، ٦٦٥، ٨٩٨، ٩٣٧، ٩٥٦، ٩٥٩، ١٠٠٧، ١٥٣٥، وهكذا.
وكان حين يقع في باب من أبواب كتابنا على أمثال توافق ترتيبه الهجائي ينقلها بتسلسلها كما في: ١٠٩، وفي: ٣٠١؛ ٣٠٥؛ ٣٠٦؛ وفي أمثال أخرى، وكان تتبّع هذا التسلسل على أوضح ما يكون في نقله أيّام الإسلام من هنا، فقد كاد يطابقها بأسمائها وبشروحها إلّا ما كان منها فيه شيء، فقد نقل- على سبيل المثال- يوم عين التمر، ويوم جواثى متسلسلين، وكان من المنتظر أن يذكر بعدهما يوم النّجير ولكنّه لم يفعل، فقفز عليه إلى الذي بعده أعني:
يوم صنعاء [١٦١]؛ لأنّ النّجير قد تصحّف في الأصل على «الحير» فلم يطمئن- كما يبدو- إليه فأهمله، وكذلك فعل في «يوم الراهب؛ لأنّه يوم غير معروف، وما يقال عن يوم الراهب يمكن أن يقال عن «يوم الهنيّ» . ولا أحبّ أن أتحدث عمّا تصحّف من هذه الأيام في المجمع لأنني أحبّ أن أميل إلى أن المحقق هو الذي صحّف، فقد ورد يوم «جبابة السّبيع» والصواب أنّه «جبّانة السّبيع»، و«يوم النجراء» والصواب: يوم البخراء، و«يوم دشنبى» [١٦٢] والصواب: يوم دستبى، و«يوم سكن» والصواب: يوم مسكن، و«يوم تل مجرى» والصواب:
_________________
(١) ينظر السابق ٢: ٤٤٥.
(٢) ينظر السابق ٢: ٤٤٦، ٤٤٧.
[ ٥٥ ]
تل محرى. على أنه من الأمانة أن أقول: إنّ يومي مسكن وتل محرى قد وردا مصحّفين في مخطوتنا كما تصحّفتا في المجمع. فهل كان أصل نسختنا المخطوطة بين يدي الميداني أم أن المحقق هو الذي صحّف؟
هذا إلى أن فكرة ذكر أيام العرب في كتاب ينعقد على الأمثال هي- كما يبدو- من بدوات الخوارزميّ، إذ لم نجد بابا للأيام في كتب الأمثال التي سبقت هذا الكتاب.
وإذا، فقد نخل الميدانيّ هذا الكتاب فأخذ منه أكثر أمثاله، ولم يذكره إلّا مرّة واحدة ذكرا أقرب إلى التضليل منه إلى الاعتراف، وذلك حين عرض إلى تفسير «أجور من قاضي سدوم» فقد قال: «قالوا:
سدوم مدينة قال الطبريّ: هو ملك من بقايا اليونانيّة غشوم» [١٦٣] .
وقلت أقرب إلى التضليل، لأنني لو لم أجد النصّ في: ١٢٠٠ من كتابنا لما ظننت، ولا ظنّ أحد أنه يعني بالطبريّ أبابكر؛ لأنّ هذا اللقب من أقلّ ألقابه شهرة نعم لو قال: محمد بن العباس الطبريّ لكان ذلك أقرب إلى الحق، وأدنى إلى التعريف به. هذا إلى أنّه- وقد ذكره- أهمل ذكر كتابه، وكأنه يريد أن يعشي العيون أن تعرف مصادره في أمثال المولّدين وإلّا فما معنى أن يذكر أماليه- كما رأينا- ويهمل ذكر أمثاله؟
وإذ فرغت مما كنت أريد قوله، ينبغي لي الحديث الآن عن المخطوطة
_________________
(١) المجمع ١: ١٩٠.
[ ٥٦ ]
الفريدة التي اعتمدتها في تحقيق الكتاب وعن عملي فيه فأقول:
إن مخطوطة الكتاب قد جاءت ضمن مجموع فيه كتب للثعالبيّ كتب عليه: «كتاب الأمثال وكتاب منتخب سنن العرب، وكتاب تحسين القبيح وتقبيح الحسن، وكتاب تحفة الوزراء، وكتاب المبهج ومواسم العمر، وسرّ الحقيقة كلّها للثعالبيّ رحمه الله تعالى» .
وهذا المجموع من أوقاف شيخ الإسلام فيض الله أفندي على مدرسته بقسطنطينية ورقمه في مكتبة فيض الله ٢١٣٣، ومنه نسخة مصوّرة في معهد إحياء المخطوطات بجامعة الدول العربية.
والكتاب يقع في ٦٦ ورقة مسطرتها ١٥ ٢١ سم. وقد كتب في أواسط شهر شعبان من سنة ١٠٢٨ هـ بخط نسخيّ غير مشكول إلّا نادرا، وغير معجم في أحيان. وكان الأصل الذي كتبت عليه هذه النسخة قد وقع الفراغ منه «في التاسع والعشرين من شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة» أي بعد مضيّ تسع وخمسين سنة على وفاة مؤلّفه، ولكن النسخة- رغم قرب أصلها من عصر المؤلف- فيها من التصحيفات والتحريفات شيء غير قليل.
ولحق بالنسخة أثناء التصوير آفتان أولهما: رداءة التصوير- وهو تصوير بدائي شمسيّ يعود إلى عام ١٩٤٩ م- مما يجعل القراءة على شيء غير قليل من الصّعوبة، وثانيهما: نقص ورقتين في التصوير هما ظهر الورقة ٢٦ ووجه الورقة ٢٧، والورقة ٦٤ بوجهيها، وانحراف عدسة التصوير عن متون بعض الأوراق إلى جوانبها مما جعل الصديق
[ ٥٧ ]
محمود صالح الضمّور- يوم حصل على المصوّرة- يرحل إلى إستانبول يستدرك ذلك بنسخ ما أخلّت به المصوّرة من المخطوط نفسه في مكتبة فيض الله. ولقد كان على الغاية من الأمانة- كما بدالي- في النسخ.
وإذ ذكرت الصديق الضمّور فلا بدّ لي أن أذكر أنه هو الذي سعى إلى تصوير المخطوط- كما قلت- وإذا حصل على المصوّرة، وأتمّ رسالته عن أبي بكر الخوارزميّ، أطلعني على تلك المصوّرة، فاستقرّ الرأي أن نشترك في تحقيقها إذا اقتنعت بضرورة ذلك. وجاء بعد ذلك سفري إلى الجزائر- الوطن الأرحب- وأنا شبه موقن أنّ إقامتي فيها لن تمتدّ إلى أكثر من ثلاث سنوات، أعود بعدها إلى عملي في جامعة بغداد ومعي رأيي بالمخطوطة وما أنجزته فيها فإن لم ألق الضمّور فيها فما أسهل أن ألقاه في محل إقامته في الأردنّ، ولكن جرت الرياح لا بما تشتهيه السّفن وحدها وإنّما بما لا تشتهيه البحار أيضا، فقد حيل بيني وبين بغداد، حتى توهّمت أنه لو قدّر لأحد أنه يستطيع أن يحول بين بغداد وأحلامي كما هي لفعل.
وزيد على السنوات الثلاث في الجزائر- كما قدّرتها- سبع والمخطوطة تنتظر، فخيّرت نفسي بين أمرين أولهما: أن أنتظر العودة ولقاء الضمّور الذي انقطعت أخباره عني منذ غادرت العراق إلى اليوم فأحرم الدراسات الأدبيّة من كتاب أراه مهمّا في مكتبة الأمثال، وثانيهما أن أنفرد بتحقيقه ذاكرا ما قام به الضمّور ففضّلت- بعد لأي- هذا، وبي أمل وطيد أنه أوّل من يفرح به.
[ ٥٨ ]
وهكذا حقّقت الكتاب فكان عملي فيه:
تحقيق نسبة الكتاب إلى صاحبه بما تعقّبته من نقول الكتاب، فثبت عندي أنه «الأمثال المولّدة» [١٦٤] لأبي بكر الخوارزمي.
ثم تحقيق النصّ وضبطه وشرح ما انبهم منه على قدر ما استطعت.
وكان من جملة عملي فيه تخريج نصوصه- لا سيمّا أن النسخة التي اعتمدتها فريدة- فخرّجت أغلب نصوصه إلّا حيث سكتّ، فقد كان معنى سكوتي أنني لم أعثر في المصادر التي بين يديّ على هذا النصّ أو ذاك. على أن المشكلة التي اعترضتني في التخريج هي قلّة المصادر في حين وانعدامها في حين آخر، فقد كنت أودّ أن أخرّج «باب أفعل من كذا» من «الدّرة الفاخرة» رغم علمي أنّ الميداني قد نقله برمّته إلّا قليلا [١٦٥] . فكانت تلك الرغبة معلّقة على محال، لأن الكتاب لم يدخل إلى الجزائر كاملا.
ومن مذهبي في التخريج أنني حين أجد مثلا هو في أصله من كلام الإمام عليّ بن أبي طالب- مثلا- أن أرجع إلى نهج البلاغة أخرّجه
_________________
(١) ممّن نصّ على أنّه: الأمثال المولّدة» وليس «الأمثال» تلميذه الثعالبيّ في كتابه: النهاية في الكناية: ١٤٩ ط تونس.
(٢) ينظر المجمع ١: ٤، والأمثال العربيّة: ٢١٧، ومن الأمانة أن أقول: إنني وجدت الجزء الأول من «الدرّة الفاخرة» ولكن حمزة لم يذكر أمثال المولّدين إلّا في جزئه الثاني الذي لم أجده في المكتبات العامة. ولم أتحدث عن المستقصى للزمخشري لأنه- فضلا عن فقدانه- في الأمثال الفصيحة.
[ ٥٩ ]
منه، وألّا أعنى بما يقوله السيوطيّ- على سبيل المثال- عنه وعن نسبته وعن روايته لأمرين: أولّهما ألّا يكون السيوطي شاهدا على الإمام عليّ وبينهما تسعة قرون، وثانيهما أنني لا أرى- بعد ضبط رواية النصّ، وضبط نسبته- أن يكون التخريج مباهاة بمعرفة المصادر كما يفعل كثير من المحقّقين دونما ضرورة.
على أنّ الذي يحزّ في نفسي، لأنه كلّفني مشقّة واضطرني إلى مخالفة مذهبي، هو معرفتي أن هنالك من المصادر ما كان يكفيني الرّجوع إلى سواه، ومن الدواوين ما يجنّبني البحث في مصادر الشعر، فلم أستطع أن أستنطق تلك المصادر أو هاتيك الدواوين، لأنها ليست بين يديّ.
وأمر آخر هو أنني أهملت ترجمة الأعلام الذين ظننتهم معروفين مشهورين، فترجمت لمن ظننت بهم حاجة إلى التعريف. على أنه لا بدّ أن يكون هذا الأمر موضع خلاف، فما أظنّه أنا مشهورا قد يتصورّه الآخر مغمورا، ومن باب وضع الحقّ في نصابه أن أقول أيضا:
إنه كان بودّي ترجمة بعض الأعلام شبه المغمورين- عند بعض الناس- فمنعني من ذلك قلّة المصادر، وخوف الركون إلى الذاكرة.
وما ذكرت هذا إلّا ليلتمس لي القاريء الناقد عذرا، فما فعلت- وهو قليل- جهلا بأصول التحقيق، وإنّما أضرعتني الحمّى.
ومن عملي أيضا أنني رقّمت الأمثال، وأفردت بعضها عن بعض، فقد كان الناسخ يضع خطّا قصيرا على رأس كلّ مثل حينا، ويهمل
[ ٦٠ ]
ذلك حينا آخر، مما جعلني أجتهد في فرز الأمثال فرزا يقع عليّ وزره إذا أخطأت.
ولقد كنت أتمنّى صنع فهرس هجائي لهذه الأمثال ييسّر على الباحثين الاستفادة منها فمنعني من ذلك أنني لو صنعته لكان معنى ذلك أنني أعيد تأليف الكتاب مرّة أخرى، فلا يكون الفهرس- حينذاك- أقلّ حجما من الكتاب نفسه.
ولا أريد أن أفيض في الحديث عن عملي في هذا الكتاب، فقد عملت فيه ما يعمله أيّ محقّق، ولكنني أريد أن أقول: إنني لا أشك- ولا أكاد أشك- في أنّ هنالك أشياء قد فاتتني، وأخرى يختلف معي فيها الآخرون، فرحم الله امرءا أهدى إليّ عيوبي فيه. على أنني لم أقصّر في الذي قصّرت فيه عن عمد، وإنّما «هذا جناي وخياره فيه» .
ولا أريد أن أمتنّ على الكتاب بما أحييت منه، وما ينبغي لي أن أفعل، ولكنني أريد أن أمتنّ عليه بما شققت به على أصدقائي الأفاضل من أمره. وإذا كنت قد تحدّثت عن فضل الضمّور عليه فضلا لا يسعه الشكر، فإنّه يسرّني كثيرا أن أثني ثناء حارّا على صديقيّ الكريمين الأستاذين: الدكتور أبي العيد دودو، وعبّود عليوش اللذين لم يبخلا عليّ بمشورة، ولم يضنّا عليّ بكتاب من مكتبتيهما العامرتين، فلهما مني أصدق الشكر وأجمل الثناء. ويزيد من ثقل ما طوّقنيه الدكتور دودو من فضل في هذا الكتاب أنه نظر فيه بعد إذ أنجزته فخرج بملاحظات أفدت منها، فكان من حقه عليّ أن أشكره مرّتين.
[ ٦١ ]
ورحم الله أبابكر الذي أهداني فرصة ثمينة تعلّمت فيها منه ما لم أجده عند سواه من المؤلفين، فقد تلمذت له في هذا الكتاب تلمذة أرجو أن يكون رضيها بما استنطقت من كتابه، وبما أنصفته من الآخرين الذين عدوا على حقّه وعلى علمه. والله وحده الموفّق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
محمد حسين الأعرجي معهد اللغة العربيّة وآدابها جامعة الجزائر
[ ٦٢ ]
الصفحة الأولى من المخلوط
[ ٦٣ ]
الصفحة الأخيرة من المخطوط
[ ٦٤ ]