وَرَأس هَذَا الْجَوْهَر حب الله تَعَالَى والفرح بِهِ فَإِن الله تَعَالَى لم يُعْطه ذَلِك حَتَّى أحبه وَفَرح بِهِ فابتدأ خلقته من بَاب الْفَرح بِهِ فَمن لَقِي الله قبل أَن يفتح هَذِه الصرة وَلم ينْكَشف لَهُ الغطاء لقِيه
[ ٩٦ ]
على غَفلَة عَظِيمَة وكفران نعْمَة وضياع شكر وتهافت فِي الذُّنُوب فَعظم حياؤه وَاشْتَدَّ خَوفه واستقبلته أهوال الْقِيَامَة وعسرة الْحساب
وَمن انفتحت صرته وكشف لَهُ الغطاء لَقِي الله على بَصِيرَة شاكرا مُؤمنا موقنا باذلا نَفسه قد وفى بالعهد وأتى بِالْإِسْلَامِ وحقائقه فَقرب وأدني وأومن
فَمَعَ كل وَاحِد صرة تَوْحِيد قد عقد عَلَيْهَا حَيَاة قلبه فَإِن أصل الْحَيَاة فِي الْقلب والذهن مقرون بِالْحَيَاةِ فقد عقد بحرارة حَيَاته وحدة ذهنه على الصرة وَهِي الْمعرفَة وَحب الله تَعَالَى فِيهَا مَكْنُون وَكتاب رب الْعَالمين فِيهَا مَكْتُوب وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان﴾
قَالَ لَهُ قَائِل وَمَا ذَلِك الْكتاب
قَالَ إِنَّه لما وَقعت جبايته فِي البدو يَوْم الْمَقَادِير على تِلْكَ الْقُلُوب قبض عَلَيْهَا وَقَالَ أَنْتُم لي فَصَارَت هَذِه الْمقَالة فِي القبضة كِتَابه فاطمأنوا إِلَيْهِ وآمنوا بِهِ وتعلقوا بِهِ فَذَلِك إِيمَانهم صَار هُنَاكَ مَكْتُوبًا يَوْمئِذٍ فَلَمَّا أخرجهم من بطُون الْأُمَّهَات إِلَى الدُّنْيَا أشرق فِي الْقُلُوب مِنْهُم نور الْمعرفَة من الْحبّ والرأفة وَالرَّحْمَة وَالْحيَاء
[ ٩٧ ]
وَعلم الصِّفَات وَعلم الْأَسْمَاء فَهِيَ مَكْتُوبَة لَا يكَاد صَاحبهَا يُمَيّز وَلَا يعبر عَنْهَا فَإِذا عقل وَاسْتعْمل عقله وتبحر ظَهرت الْأَنْوَار فِي الصَّدْر وانكشف الغطاء وحيي الْقلب وَعمل بذكاوة الْحيَاء فجددته وَعمل بحلاوة الْحبّ فَأخذ بِمَجَامِع قلبه وسبته حَتَّى صَار أَسِير الْحبّ وعملت أثقال الرأفة فضغطت الْقلب وعصرته وعملت أمطار الرَّحْمَة فلينت الْقلب وسكنت شعوثته واغتراره وعملت أَنَفَة الْحيَاء فقبضته وفترته وَعمل الْجُود فِيهِ فوسعه وَأعْتقهُ من رق النَّفس
فَهَذِهِ معرفَة قد انكشفت الصرة عَمَّا فِيهَا من هَذِه الْأَسْمَاء الَّتِي وصفتها فاستقام الْقلب بِمَا أبْصر فُؤَاده فِي هَذَا الصَّدْر من هَذِه الْأَسْمَاء فَاسْتعْمل بِالْمَعْرُوفِ الْمَوْصُوف فلهَا عَن كل شَيْء سواهُ فَأَحبهُ صدقا وخافه صدقا ورجاه صدقا واستحيا مِنْهُ صدقا ورعى حُقُوقه من تِلْكَ الرأفة صدقا فَمَا ظَنك بِهِ مَاذَا يظْهر على جوارحه من الْأَعْمَال السّنيَّة