وَمثل من يسبح بتسبيح غَيره مثل رجل عجز أَن يهدي إِلَى الْملك عل قدر ملكه وغناه فأهدى إِلَيْهِ من طاقته ومقدرته ثمَّ قَالَ لَهُ أهديت هَذَا من ذَات يَدي وَأهْديت إِلَيْك بقلبي هَدِيَّة مثلك فَعلم الْملك أَنه صَادِق فِي مقَالَته فاحتسبها مِنْهُ على قدره وَجعل ثَوَابه على ذَلِك
فَكَذَلِك العَبْد فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى إِذا أثنى عَلَيْهِ فَإِنَّمَا يثني بمبلغ علم ثمَّ علمه العَبْد أَنه عَاجز عَمَّا وَرَاء ذَلِك من الثَّنَاء إِذْ هُوَ فَوق مَا أثنى فَيَقُول لَك الْحَمد كَمَا حمدت نَفسك وَأَنت كَمَا أثنيت وَلَك التَّسْبِيح كَمَا سبحت بِهِ نَفسك وَلَك الْحَمد زنة عرشك ومداد كلماتك ورضا نَفسك فَهَذِهِ المعجزة عَن بُلُوغ هَذِه
[ ٩١ ]
الْأَشْيَاء فَجعل مقَالَته بِالْقَلْبِ كتلك الْأَشْيَاء الَّتِي ذكرت وَلَا يقدر بِلِسَانِهِ أَن يعبر إِلَّا بمبلغ علمه فَرُبمَا يقبل مِنْهُ كَهَيئَةِ مَا أحَال عَلَيْهِ من حَمده وثنائه عَلَيْهِ وكما أحب وَرَضي لنَفسِهِ وَإِنَّمَا أَمر العَبْد بالثناء لعظمته ثمَّ يسْأَل الْحَاجة فَإِذا سَأَلَ الْحَاجة من قبل أَن يثني فَكَأَنَّهُ لم يعظم الرب وَلم يؤد حق العظمة
وَلَو أَن ملكا من مُلُوك الدُّنْيَا رفع الْحجاب فِيمَا بَيْنك وَبَينه وَسَهل ذَلِك السَّبِيل إِلَى نَفسه وَرفعت الْحَوَائِج إِلَيْهِ لَكَانَ قد عظم رتبتك ومنزلتك فَكيف بِرَبّ الْعَالمين تَعَالَى أفليس يجب عَلَيْك من ذَلِك الشُّكْر وَأول الشُّكْر أَن تعظمه بِاللِّسَانِ وَالْقلب ثمَّ من بعد ذَلِك رفع الْحجاب