والكَرَاهِيَة لَها، لأَنَّها تَحمِلُ الظعَائنَ وتُشَتِّتُ الخُلاّنَ، وتَصيِيرِها كمِثْل غُرابِ البَينِ.
من ذلك قول أَبي الشَّيصِ:
النّاسُ يَلْحُون غُرا بَ البَيْنِ لمَّا جَهِلُوا
وما غُرابُ البَينِ إ لاّ ناقَةٌ أو جَمَلُ
وما على ظَهْرِ غُرا بِ البَيْنِ تُمْطَى الرِّحَلُ
ولا إِذا صاحَ غُرا بٌ في الدِّيارِ احْتَمَلوا
ولعَوفِ الراهبِ:
غَلِطَ الّذِين رَأَيتُهُم بجَهالةٍ يَلْحَون كلُّهُمُ غُرَابًا يَنْعِقُ
ما الذَّنْبُ إِلاّ للأَباعِرِ إِنّها مِمّا تُشسِتُّ جَمِيعُها وتُفَرِّقُ
إِنّ الغُرابَ بيُمْنِهِ يَدْنو الهَوَى وتُشِتُّ بالشَّمْل الشَّتِيتِ الأَيْنُقُ
ولدِيك الجِنِّ:
ما المَنايَا إِلا المَطَايَا وما فرَّ قَ شيءٌ تَفْرِيقَها الأَحْبابَا
ظَلَّ حَادِيهمُ يَسوقُ بقَلْبي ويَرَى أَنّه يَسوقُ الرِّكابَا
ولغيره:
فمَا للأَباعرِ لا بُورِكَتْ ولا بَارَك اللهُ فيمَنْ شَرَاهَا
إِذَا أَدْبرَتْ ذَهبتْ بالحَبيبِ وإِنْ أَقْبَلَتْ خَلَّفَتْه وَرَاهَا
وأنشدَ أَبو عُبَيدة في مثله، ويدعو على الإبل، يقول هي المُفَرِّقة:
لَهُنّ الوَجَى لِمْ كُنّ عَوْنًا على النَّوَى ولا زالَ منها ظالِعٌ وحَسِيرُ
[ ٧٠ ]
وقد أَنصف الإِبِلَ الذي يقول:
أَلاَ فرَعى اللهُ الرَّوَاحِل إِنّمَا مَطَايَا قُلوبِ العَاشقِين الرَّواحِلُ
على أَنّهنّ الوَاصِلاتُ عُرَا النَّوَى إذا ما نَأَى بالآلِفينَ التَّواصُلُ
وقد ذمَّ قومٌ السُّفُنْ، لارتحالِ أَحبابِهم فيها، فمن ذلك قول بعضهم:
يوم ذَمِّي للْجِمَالِ ولَمْ أَدْرِ أَنْ قد بُدِّلَتْ سُفُنَا
هذا ذَمَّ الجِمَالَ، وتَوَهَّمَ أَنَّ أحبابه يَرتحِلون عليها، فجَلسوا في السُّفن، وساروا في الماء فصارَت السُّفُنُ أَحقَّ بالذَّمِّ من الجِمالِ.
وقُلتُ في مِثله:
ليْسَ لِلغِرْبانِ إِنْ صا حتْ برَبْعِ الدَّارِ ذَنْبُ
ولقدْ سُبَّتْ جِمَالٌ ظُلِمَتْ حِينَ تُسَبُّ
إِذْ نَأَى في السُّفُن الأَحْ بَابُ فالْتَاعَ المُحِبُّ
هِيَ غِرْبانُ فِرَاقٍ إِذْ بِها شُتِّتَ شَعْبُ
وأيضًا:
ذَمَّ أُنَاسٌ غُرَابَ بَينٍ إِذْ صاحَ في الرَّبْعِ بالبِعَادِ
والنُّوقُ ذُمَّتْ كمَا عليها يَرْتَحِلُ الحيُّ والبَوَادِي
والسُّفْنُ أَوْلَى بالذَّمِّ منها إِذْ ضُمِّنَتْ سالِبَ الفُؤادِ
ونحوُ ذلك قولُ بعض المحدَثين أَحسبه السُّيُوفيّ:
لَمّا رَأَيْتُ السُّفِينَ مُنْحدِرًا أَبْعَدَ عنْ مُقْلتَيَّ إِغْفائِي
وَقَفتُ أَبكِي على سَوَاحِلهَا فمِن بُكائٍي زِيادةُ الماءِ
وأَيضًا نحوُه:
سارَ الحبيبُ وخَلَّفَ القَلْبَا يُبْدِي العَزاءَ ويُضمِرُ الكَرْبَا
قدْ قُلْتُ إِذْ سارَ السَّفينُ به والشَّوقُ يَنْهَبُ عَبْرَتِي نَهْبَا
لوْ أَنّ لِي عِزًّا أَصولُ بهِ لأَخذْتُ كُلَّ سَفِينةٍ غَصْبَا
وللحلَبيّ:
إِنّها فُرقةٌ تُذِيبُ القُلوبَا وتَرُدُّ الشُّبَّانَ لا شَكَّ شِيبَا
سَلَبَتْ قَلْبِيَ العزَاءَ فقد أَض حَى وأَمْسَى من العَزاءِ سَلِيبَا
ما تَرَى السُّفْنَ كيف تَعْلَو حَبَابَ الْ ماءِ مِثْلَ المَطِيِّ تَعْلُو الكَثِيبَا
وكَأَنّ المَلاّحَ إِذْ حَثَّ أُولاَ هُنَّ حادٍ غَدَا يَحُثُّ نَجِيبَا