وهو يوم لبني تَغلِبَ على غَسّان ولَخْم وبُطُونٍ من اليمَن، وفيه مَقْتَلُ عَمْرو بن نائِل مَلِكِ لَخْمٍ:
كان ابنُ عُنُق الحَيّةِ واسمُه أَوْفَى بن يَعْفُرَ الَغسّانيّ وعُنُقُ الحَيَّةِ بلُغة حِمْيَر: مَلِكُ الملوك بَعُ مَلِكًا من مُلوكِ غسّانَ يقال له لَبِيدُ بن النمِس ليُملِّكَه على بني تَغلِب، فلمّا قَدِمَ عَلَيْهِم تزوَّجَ امرأةً من بني عِمرَانَ ابنِ تغلبَ يقال لهَا: عمرةُ بنتُ الخُنَابِس ثم إن بني تَغْلبَ كَرِهوا أَنْ يملكوه عليهم، ومَنعوه الإِتَاوةَ، فأَقَامَ على غيرِ ذِمّة فنازعتْه امْرَأَتُهُ الكَلاَمَ، فلَطَمَ وَجْهَها وقال: كأَنَّكِ تُرَيْن أَنّكِ حُرَّةٌ، قالت: وما يَمنَعُني وأَبِي عِمرانُ، وجَدِّي الوُجِيهَةُ ابْنَةُ عَمْرو بن عامر ملك الاَزدِ، قال: تلك القَرابَةُ منَعَتك، لولا ذلكِ لشَدَدْتُ شَعرَكِ إِلى ذَنَبِ قَلُوصٍ جَرْباءَ صَعْبَةٍ حتَّى تُقَطّعك.
فخَرجَتِ المرأَةُ حتى أَتتْ كُلَيْبًا وهي تَبكي وتقول:
ما كُنْتُ أَخْشَى والحَوَادِثُ جَمّةٌ أَنَّأ عَبِيدُ الحَيِّ مِن غَسَّانِ
حتَّى عَلَتْنِي مِنْ لَبِيدٍ لَطْمَةٌ سَدِرَتْ لِحَامِي حَرِّهَا العَيْنانِ
لا تَبْرَحوا الدَّهْرَ الجَدِيدَ أَذِلّةً شُنْجَ الأَعِنَّةِ يوم كلِّ رِهَانِ
لَوْلاَ الوَجِيهَةُ قَطَّعَتْنِي بَكْرَةٌ جَرْبَاءُ مُشْعَلَةٌ مِنَ القَطِرَانِ
وأَعْلَمَتْ كُلَيْبًا الخَبَرَ، فقال لها: إِنّي قاتِلُه، وخَرجَ كُليبٌ يَدُورُ في الحَيِّ لَيْلَتَه، فسَمِعَ لَبِيدًا وقد أَخَذَ فيه الشَّرَابُ وهو يَتَغَنَّى:
طَالَ لَيْلِي فمَا أَحُسُّ هُجُودَا أَرْقُبُ النَّجْمَ للمُغَارِ عَميدَا
مِنْ حَدِيثٍ نَمَى إِليَّ عَنِ المَرْ ءِ كُلَيْبٍ فَزَادَ حِقْدِي وَقُودَا
يا بَنِي تَغْلِبٍ عَلاَمَ تَقُولُوا نَ كُلَيْبٌ يُهْدِي إِليَّ الوَعِيدَا
نَحْن كُنّا المُلوكَ في عُصُر الدَّهْ رِ وكُنْتُمْ فِيم الأَنَاةُ عَبيدَا
إِنّ في مَنْعِك الإِتَاوَةَ حَرْبًا ونَكَالًا يُشَيِّبانِ الوَلِيدَا
فاقْبَلِي ما أَتَاكِ مِن قِبَل المَل ك ولا تَهْلِكِي هَلاَكَ ثَمُودَا
فلمّا سَمِعَ كُليبٌ الغِنَاءَ دخلَ مُغْضَبًا على لَبِيد فقتله، وقال: نحن عَبِيدٌ كما قلتَ إِن لم نُغَيِّر. ثم خَرَجَ وهو يقول:
إِن يكنْ قَتلُنا الملوكَ خَطَاءُ أَو صَوَابًا فقد قَتَلْنا لَبِيدَا
وخَلَعْنَا المُلوُكَ إِنَّ لنا اليَوْ مَ جِيَادًا مَنْسوبَةً وعَديدَا
وحُلومًا لنَا يَعِيشُ بها النّا سُ ورُكْنًا مِنَ الحِفَاظِ شَدِيدَا
إٍِنْ يُرِدْنَا بكَيْده عُنُقُ الحَيَّ ةِ لا أُلْفَ عِنْدَهَا رِعْدِيدَا
نُوقِدُ الحَرْبَ بالذِي عَرَفَ النَّا سُ بها تَغلِبًا ونُذْكِي الوَقُودَا
ونَرُدُّ الأَنَاةَ ردَّ ذَوِي العِ زِّ ولا نَجْعَلُ الحُرُوبَ وَعِيدا
[ ٣٤ ]
فلما سمِع ابنُ عُ، ُقِ الحَيَّة بمقْتَل لَبِيد ساءهُ ذلك، ودَخَلَ عليه أَخو لبيد، فحَيّاه بتَحيَّة المُلك ثم قال:
اجْبُرَنْ ذَا مُصِيبَةٍ بأَخِيهِ هَلْ لِمَا كَان من كُلَيْبٍ نَكيرُ
إِنْ تَقْدْ نَحْوَه المُسَوَّمةَ الجُرْ دَ لَهَا بالمُدَجَّجِين زَفِيرُ
فَوْقَها الشُّمُّ مِنْ ذَوَائبِ غَسَّا نَ ولَخْمٌ وبَارِقٌ وبَكِيرُ
مُحْقِبِي كُلِّ نَثْرةٍ كَبَّهَا السِّيُّ يَرُدُّ النِّجَادَ عَنْهَا القَتِيرُ
تُدْرِكِ الثَّارَ أَو يُقَلِّدْكَ ذَا العَا رَ كُلَيْبٌ فاخْتَرْ وأَنتَ بَصِيرُ
فقال له الملك: اجْلِي فلن يُطَلّ دَمُ أَخيك ثمّ دعا بالخَمْر والقِيَان، فلمّا أَخَذَ فيه الشَّرَابُ قال:
قدْ كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ تَغْلِبَ وَائِلٍ سَتَجُرُّ حَرْبًا قَبْلَ قَتْلِ لَبِيدِ
فَالْيَوْمَ إِذْ قَتَلُوا لَبِيدًا فالشَّجَا مِن دُونِ ذلِكَ دُونَ حَبْلِ وَرِيدٍ
ويَدِي لهمْ رَهْنٌ بكُلِّ مُضَمَّرٍ مَرِطِ الجِرَاءِ وشَطْبَةٍ قَيْدُودِ
يَخْرُجْنَ مِن خَلَلِ الغُبَارِ عَوابِسًا لُحُقَ الأَيَاطِلِ كالرَّشَا المَجْرُودِ
حَتَّى تُصَبِّح تَغْلِب ابْنَةَ وَائِلٍ حَرْبًا يُشَبُّ سَعِيرُها بوَقُودِ
ثم إِنّ ابنَ عُنُق الحَيَّة جَمعَ لبني تَغلِبَ جَمعًا عظيمًا، وسارَ إِليهِم، وسارُوا، فالتَقوا بالكُلاَب، فاقتتَلوا قِتَالًا شَديدًا، فكان أَوَّل النّهَارِ لغَسّان، ثم إِنّ كُلَيبًا صمَدَ لِعَمْرِو بنِ نائِل مَلِكِ لَخْم، فطعنَه فقتَلَه، وكانَ على المَيْمَنَة، فانْهَزَمَ القوْمُ، ونادَى ابنُ ذي الحيلانِ: يالَ صَدِف، فأَجابَهُ بَنُو نَوَاس وحَامَوْا على لِوَائِهِم وقاتَلوا، حتى أَسرَعَ القَتْلُ فيهم، ونَزَلتْ غَسّانُ يَمشون في الحَديد، فاقتتَلوا أَشَدّ قِتَال يكون، حتّى جَنَّهم اللَّيْلُ، وقُتِل منهُم خَلْقٌ كثيرٌ، ووَلَّتْ غَسّانُ مُنْهزِمةً، وكفَّ بنو تَغلِبَ عَنِ اتِّبَاعِهِم، فلمّا قَدِمَ ابنُ عُنُق الحَيَّة على قَومه عَذَلوه، فقال: لا تَلُومُوني، فلَكم دِيَةُ القَتِيلِ، وفَكُّ الأَسِير، واللهِ لقد جئتُكُم من عنْد قَومٍ رأَيتُ المَنَاياَ تَلَظَّى في أَطْرافِ أَسِنّتِهِم.
وقال عَمرو بن مُعاوِيةَ التَّغلبيّ:
أَتَانَا ابنُ عُنْق الحَيَّة المَلْكُ قادِمًا على أَمْرِه في تَغْلِبَ ابنَةِ وَائِلِ
بجَيْشٍ نَضِلُّ البُلْقُ في حَجَرَاتِه تَخَالُ دَوِيّ الرَّعْدِ صَوْتَ الصَّواهِلِ
فلَمّا الْتَقَيْنَا بالكُلاَب كأَنَّنَا أُسُودُ الشَّرَى لاَقَيْنَ أُسْدَ الغَيَاطِلِ
رَميْنَاهُمُ بالفَيْلَقِ الضَّخْمِ وانْتَمتْ فَوَارِسُ مِنَّا بالقَنَا والمَنَاصِلِ
وقُلْنَا ونَحْنُ القوْمُ نَمْنَعُ سِرْبَنَا عَلى ذَاك كُنَّا في الخُطُوبِ الأَوائلِ
بَنِي تَغْلبٍ إِنّ الفِرَارَ خَزَايَةٌ ولَيْس امْرؤٌ هَابَ الحِمَامَ بآئلِ
فحَامُوا عَلى أَحسابِكم بِسُيُوفِكمْ فلَلمَوْتُ خَيرٌ من سِبَاءِ العقائلِ
فشَدّ كُلَيبٌ شَدَّةً ورِمَاحُهمْ شَوَارِعُ فينَا بيْنَ صَادٍ ونَاهِلٍ
فأَفْرَجَتِ الخَيْلاَنِ عَنْه ورُمْحُه خَضِيبٌ مِن اللّخْمِيّ عَمْرِو بنِ نائِلِ
ودَارَتْ رَحَانَا واسْتَدَارَتْ رَحَاهُمُ وكُلٌّ بَصِيرٌ في الوَغَى بالمَقاتِلِ
فمَا زَالَ ذَاكَ الدَّأْبُ حَتَّى تَوَاكَلَتْ فَوَارِسُ مِنْ غَسَّانَ غَيرُ تَنَابِلِ
وطَارَتْ بعُنْقِ الحَيَّةِ المَلْكِ سَهْوَة تَدِفُّ دَفِيفَ الأَخْدَرِيّ المُوَائلِ
ووَلَّوْا شَعَاعًا والقَنَا مُتْلَئِبّةٌ تُكَسَّر في أَكْتَافِهِمْ والكَوَاهِلِ
وقال أخو عَمْرِو بن نائل اللَّخميّ من أَبْيَاتٍ:
[ ٣٥ ]
إِنّي غَزَوْتُ إِلى قَوْمٍ جَحَاجِحَةٍ كانُوا لأَوَّلِنا في الدَّهْرِ أَنْصارَا
شُمْس العَداوةٍ مَخِشيّ أَسِنَّتُهمْ لمْ يُدْرِكِ النَّاسُ منْهم قَطُّ أَوتَارَا
يكْسُون هَامَ مُلُوكِ النّاسِ ضَاحِيةً بِيضَ الصَّفِيحِ إِذا ما مَلْكُهُمْ جَارَا
إِنَّ الكُلاَبَ به قَتْلَى مُصْرَّعةٌ كَانُوا لَنَا سُنَّةً نَقْضًا وإِمْرَارَا
لَوْلاَ الظَّلامُ وأَنّ اللَّيْلَ خالَطَهمْ لم تُبْقِ تَغِلبُ مِن حَيَّيْك دَيَّارَا
غَسَّانُ صُبْرٌ وأَحْيَا تَغْلِب بُهَمٌ كُلٌّ يُحَدِّدُ أَنْيَابًا وأَظْفَارَا
وقال ابن عُنُق الحَيّة:
ظَنَنْتُ ظُنُونًا فأَخْلَفْنَنِي كَمَا أَخْلَفَ السَّفْرَ رَيْعُ السَّرَابِ
وقالُوا الغَنِيمَةُ في تغْلِبٍ فسِرْنَا إِليهِمْ بجَيْشٍ سِغَابٍ
ذوَائبَ مِن كُلِّ صُيّابَةٍ ولَيْسَ القَوَادِمُ مثْلُ الذُّنَابِ
علَى كُلّ جَرْدَاءَ خَيْفَانَةٍ ولاَحِقَةِ الإِطْلِ مِثْلِ العُقَابِ
فَوَارِسُهَا الشُّمُّ مِن مالِكٍ وعَمْرو ولَخْمٍ وحَيَّيْ شِهَابِ
أَقُودُ خَمِيْسًا له أَزْمَلٌ وقَدْ قَادَني الحَيْنُ نُحْوَ الكُلاَبِ
إِلى أُسْرَةٍ غَيْر مَذْمومةٍ إِذَا أَبْدَتِ الحَرْبُ حَجْلَ الكِعَابِ
وقَامَتْ رَحَانَا على قُطْبِها وفَرَّتْ هُنَالِك عنْ حَدِّ نَابِ
وجَاءَ الأَرَاقِمُ لا يَنْثَنُونَ كأُسْدٍ خَوَارِجَ مِنْ بَطْنِ غابِ
سَوَاكِنَة الخَيْلِ في نَقْعِها بطَعْنِ النُّحورِ وضَرْبِ الرِّقابِ
ووَقْعِ الصِّفَاحِ على الدَّارِعِينَ وأَسْرِ الكُمَاةِ وحَوْيِ النِّهابِ
فأَمْعَنْتُ رَكْضًا على قَارِحٍ يَمُجُّ نَجِيعًا من المَوْتِ جَابِ
وقَدْ زَايلَ القَلْبَ أَنْيَاطُه ولَمْ يَبْقَ إِلاّ نِيَاطُ الحِجَابِ
وقال مُهلْهِلٌ في هذا اليومِ قَصِيدةً طَوِيلةً أَوَّلُهَا:
لَوْ كَان شَيءٌ لابْنِ لِحْيَةَ ناهِيًا لَنَهَتْه عَنّا وَقْعَةُ السُّلا؟ َّنِ
ويقول فيها:
لَمّا رَأَوْنَا بالكُلاَبِ كأَنَّنا يَوْمَ اللِّقَا أُسْدٌ عَلى خَفَّانِ
نَهَضَ الكُمَاةُ بكُلِّ أَبْيَضَ صارِمٍ وبكُلِّ أَسْمَرَ مَارِنٍ حَرَّانِ
يَمْشونَ في حَلَقِ الحَدِيدِ كَأَنّهمْ جُرْبُ الجِمَالِ طُلِينَ بالقَطِرانِ
فنَجَا بمُهْجَتِهِ وأَسْلَمَ قَوْمَهُ مُتَسَرْبِلِينَ زَوَاغِفَ الأَبْدَانِ
وبنُو نُوَاسٍ تَحْتَ ظِلِّ لِوَائِهمْ مُتَعَطِّفِينَ علَى ابْنِ ذِي الحيلاَنِ
وهَوَى ابْن نَائلَ في المَكَرِّ كأَنَّه والرُّمْحُ شاجِرُهُ قَرِيعُ هِجَانِ