كان بَدءُ هذا اليومِ أَن الغَلْفاءَ سَلَمَةَ بنَ عَمرو بن الحارِث الكِندِيَّ كان في بني تَغلِبَ مَلِكًا، وكان أَخوهُ شُرَحْبِيلُ مَلِكًا على بني تميم وقيسٍ وبطونٍ من بَكْرِ بن وائل، فعَلاَ الشَرُّ بين المَلِكَيْن، حتى جعلَ كلُّ واحد منهما لمن جاءَ برأْسِ أَخِيه مائةً من الإِبل، فبعثَ شُرَحْبِيلُ مُجاشِعَ بن العَقِيلَةِ التَّميميَّ في خَيْلٍ من بني تَمِيم، فأَغَارُوا على ناحِية لبني تَغْلِبَ، فأَصَابُوا أفراسًا سائمةً، فقال رجلٌ من بني ذُهْل بن شَيبَانَ كان معهم:
لا تَاْخُذَنْ أَفراسَ تَغلِبَ إِنّهَا يا بْنَ العَقِيلَةِ شَوْبُ سمٍّ ناقِعِ
والشَّرُّ يَبْدؤهُ الصَّغيرُ وهذِه فيها مَهَالِكُ نَهْشَلٍ ومُجَاشِعِ
فأَخذَها التميميُّ وقال:
[ ٣٦ ]
أَتُرَى تميمٌ لا أَبَا لأَبِيكُمُ تَخْشَى الّذِي تَخْشَوْنَه من تَغْلِبِ
أَمْ هَلْ سَمِعْتَ بضَيْغمٍ ذِي لِبْدَةٍ أَلقَى فَرِيسَتَه مَخَافَةَ ثَعْلَبِ
فلأَخْطَفَنْهَا يا بْنَ ذُهلٍ خَطْفَةً خَلْسًا كخَطْفِ الصَّقْرِ شِلْوَ الأَرْنبِ
فلمّا دخَلَ بالأَفْراس على شُرَحْبِيلَ المَلِكِ ونَظَرَ إِليها أَعجبَتْه فقال:
لا أَعْدِمَنَّ فارِسًا مُجَاشِعَا
قدْ نَالَ مِنْ تَغْلِبَ أَمْرَا فَاجِعَا
أَفْرَاسَ صِدْقٍ لم تَكنْ نَزَائعَا
قُبًّا كأَمْثَالِ القَنَا رَوَائعَا
ثمّ أَقبلَ يُزْرِي على بني تغلِبَ ويضَعُ منها وكانَ حَنَشُ بنُ مالك التَّغْلبيّ زَوّارًا للمُلوك، عظيمَ القدْرِ فيهم، وكان عنه يومئذ، وابنُه مَعْبَدُ بن حَنش قائمٌ على رأْسِه، بيَده قَوْسٌ له عرَبيَّة، فرَفَعَ مَعْبَدٌ قَوْسَه فضَرَبَ بها هامَةَ المَلِك فطَيَّرَها عن رأْسِه، وسقَط المَلك مَغْشيًّا عليه، وتَصَايحَ النَّاسُ: قُتِلَ المَلِكُ، فدَخَلَ ابنُه عَمْرٌو، فرأَى ما بأَبِيه، فاستوثَقَ من مَعْبَد، فلمّا أَفاقَ قدَّم مَعْبَدًا فضَرَبَ عُنُقَه، وجعلَ رأْسَهُ بين يدَيْه، فدَخَلَ حَنَشٌ فقال: لا خَيْرَ لك في صُحْبَتي بَعْدَ هذا الرَّأْسِ، فسَرِّحْنِي سَرَاحًا جَميلًا، فوالله لا أَغْسِلُ رأْسِي حتّى أَلقَاكَ في الخَيْلِ التي أَزْرَيتَ عليها، فسَرَّحَه وأَجَّله ثلاثًا، فلحِقَ ببني تَغْلب.
وقال حَنَش بن مالك:
لعَمْرُك ما لي في جِوَارِك حَاجَةٌ ولا خَيْرُ عَيْشٍ بعد قَتْلِك مَعْبَدَا
أَمِن ضَرْبةٍ بالقَوْس لم يَدْمَ كَلْمُهَا ضَرَبْتَ بمَصْقُولِ الذُّبَابِ مُقَلَّدَا
فتًى مالَ رَيْعانُ الشَّبابِ بحِلْمِه ولمْ يُصْدِرِ الأَمْرَ الذِي كانَ أَوْرَدَا
ولو كُنْتُمُ إِذْ زَلَّتِ النَّعْلُ زَلّةً ذَخَرْتُمْ بها عنْدِي لقَوْمِكمْ يَدَا
فإِن تُبْقِني الأَيَّامُ أَجْزِك مِثْلَها شُرَحْبِيلُ في شِبْلَيْك عَمْرْو وأَسْوَدَا
وإِلاَّ أَنَلْ ثَأْرِي مِن اليَومِ أَجْزِهِ بما قَدَّمَتْ كَفَّاهُ في مَعْبَدٍ غَدَا
ولَنْ يَسْبِقوا آلَ الْمُرَارِ بثَأْرِه مَدَى الدَّهْرِ ما نَاحَ الحَمَامُ وغَرَّدَا
فإِنْ أَنا لمْ أَغْشَ الكُلاَبَ بفِتْيَةٍ على كُلِّ مَحْبُول الرِّحَالِة أَحْرَدَا
وكُلِّ سبُوحٍ في العِنَانِ مُقَلِّص كسِرْبِ القَطَا يَحْمِلْن مَجْدًا وسُؤْدَدَا
فَوَارِسُهَا مِنْ تَغْلِبَ ابْنَةِ وائلٍ بنو كُلِّ أَبّاءِ الدَّنِيَّةِ أَصْيَدَا
فلا يَدْعُنِي القَوْمُ الحَدِيدُ لمالكٍ ولا زِلْتُ وَغْلًا في النَدَامَى مُزَنّدَا
وأَخْبرَ حنشٌ بني تَغلِبَ بالخبَر، ووضَعَ ظُبَةَ سَيْفِه على سُرَّته وحلفَ لَيعمدنّ عليه حتى يخرجَ من ظَهْرِه أَو يُدْرِكُوا له ثأْرَهُ. فسَارَتْ بنو تَغلِبَ مُتَسانِدِين بسادَتهم، والتَّعْبِئَةُ إِلى سلمةَ بنِ خالدٍ، وكانت بنو دَارِم مع أَخوالها بني تَغْلِب، ورئيسُهم سُفيانُ بن مُجَاشِع، فقال سَلَمَةُ بن خالِدٍ لبني تَغْلِب: إِنْ حالوا بَينَكم وبين ماءِ الكُلابِ ظَفِروا بكم، فشقَّقَ مَزَادَ أَصحابِه حتى سفَحَ الماءَ، فسُمِّيَ السَّفّاح، وأَغَذُّوا السَّيْرَ حتّى نَزَلُوا على الكُلاَبِ، ونَزَل شُرَحْبِيلُ ومعَه بنو تميم وبُطون من اليَمن بأَسْفَلِه، وكانَ أَوّلَ مَن ورَدَ ماءَ الكُلاَبِ سَفيانُ بن مُجَاشِعِ بن دَارِمٍ، وابناه مُرّةُ وعامرٌ، وكانَت بنو شَيْبانَ قَتَلَت ابنًا لمرَّة قبْلَ ذلك فقال:
أَنا مُرَّةُ بنُ سُفْيَانْ والوِرْدُ وِرْدُ عَجْلانْ
والشيخُ شَيْخٌ ثَكْلانُ
وفي ذلك يقول الفرزدق:
شُيوخٌ منْهُمُ عُدُسُ بنُ زَيْد وسُفْيَانُ الذِي وَرَدَ الكُلاَبَا
وأَوُّلُ من وَرَدَ من بني تَغلِبَ رَجلٌ من بني عبْد بن جُشَمَ فارِس الخَرُّوب وورَدَ السَّفاحُ بالنّاس وهو يقول:
[ ٣٧ ]
إِنّ الكُلاَبَ ماؤُنَا فخَلُّوهْ وسَاجِرًا واللهِ لَنْ تَحُلُّوهُ
فاقتتَلَ القوْمُ قِتَالًا شَدِيدًا، وكان على مَيْمَنَةِ تميم واليَمَنِ وبَكرٍ عمْرُو بن شُرَحبِيلَ وعلى الميسرةِ الأَسوَدُ بن شُرَحبيلَ، وفي القلب أَبو عُمَيْرٍ المُجَاشِعيُّ، فقَصدَ حنَشُ بنُ مالكٍ المَيْمَنَةَ، وحَمَل على عَمْرِو بن شُرحبيل، فطعنه فصرعه، وقال يا بْنَ المُرَار، لهذا دَعَتْكَ تميم، وهذا بما كَسَبته يَدَاكَ ويَدَا أَبيك، وحمَلَ السّفَّاحُ على أًَبي عُمَير المُجاشِعيّ فطعَنَه فقتلهُ، وكثُرَتِ القَتلى بينهم، ثم وَلَّتْ تميمٌ، وأَسْرَفتْ تَغلبُ في قَتلِهم، ونَادى شُرَحْبِيلُ: يالَ تميم، فلم يُجِبه أحدٌ، وحملَ عليه أَبو حَنَش عُصْمُ بنَ النُّعْمَان التَّغْلبِيُّ فطَعَنَه فقتلَه، واحْتَزَّ رأْسَهُ، وجَاءَ به إِلى أَخيه وقلا: أَيّهَا المَلِك، مُر لي بهُنَيْدَةَ، فغضِبَ حين رَأَى رأْسَ أَخيه وقال. تَسْأَلُنِي إِبلًا وقَدْ قَتلْتَ أَخِي؟ قال: أَنتَ جَعلْتَهَا لمنْ أَتاكَ برأْسِه، وخَرجَ عُصْمٌ مغْضَبًا وقال:
قَتَلْتُ شُرَحْبِيلَ بنَ عَمْرِو بنِ حَارِيث هُمَامًا عليه التَّاجُ وابْنَ هُمَامِ
فلاَ تَرْجُونْ يا بْنَ المُرَارِ نَصِيحَتِي ولا وُدَّ قَوْمٍ مُغْضَبِين رِغَامِ
قَتَلْتُ لك السَّاعِي عليك وحَوْلَه تَمِيم ورَامَيْتُ الذين تُرَامِي
ثم إن عُصْمًا خَافَ سَلمَة المَلِكَ عَلَى، نفسه واسْتخْفَى، وقال سَلَمَةُ بن عَمْرو بن الحَارِث:
أَلاَ أَبْلِغْ أَبا حَنَشٍ رَسولًا فمَا لَكَ لا تَجِيءُ إِلى الثَّوابِ
وما لَكَ لا تَجِيءُ إِلى هِجَانٍ منَصَّبَةِ الغَوَارِبِ بالهِضَابِ
تَعلَّمْ أَنّ خَيْرَ النّاسِ طُرًّا قَتِيلٌ بين أَحجارِ الكُلاَبِ
تَداعَتْ حَولَه عَمرُو بن غنْمٍ وأَسْلَمَة جَعَاسِيسُ الرِّبَابِ
وهي طويلة يُهدِّدُ فيها أَبا حنَش.
قال مُجِيبًا له:
قُلْ لذا الآكِل المُرَارِ خُذِ المُلْ كَ ولا تَبْكِيَنْ قَتِيلَ الكُلاَبِ
قد تَرَكْنَا أَخَاكَ في حَمسِ النَقْ ع صَرِيعًا مُضَرَّجَ الأَثْوَابِ
أَسلمَتْهُ على الكُلاَب تميمٌ بعد طَعْنِ الكُلى وضَرْبِ الرِّقابِ
وأَجَبْنَاكَ إِذْ دعَوتَ وذُو التا جِ شُرَحبِيلُ ثَمَّ غَيرُ مُجابِ
تَنْتَمِي حَوْلَكَ الأَرَاقِمُ في النَّقْ عِ كأُسْدٍ طَرِيرةٍ الأَنْيَابِ
فانْثَنَتْ عنْه دَارِمٌ وبَنُو الفِزْ رِ ويَرْبُوعُهَا وحَيُّ الرِّبَابِ
بينَ كابِي الجَبِين مُنْعَفِرِ الخَ دِّ وعانٍ مُشذَّبِ الأَصْحابِ
فقتلْنَا لكَ ابنَ أُمِّك والمُلْ كُ عَقِيمٌ مُقَطِّعُ الأَنْسابِ
أَصْبَحوا بالكُلاَبِ تَعْتَفِر الضّبْ عُ علَيْهِمْ وعَاوِيَاتُ الذِّئابِ
فاعْتَدِلْ يا بْنَ ذِي المُرًَارِ على القَصْ دِ ولا يَغْرُرَنْكَ تِيهُ الشَّبابِ
واختَرَنْ بينَ ما يَقول لك النَّا سُ وحربٍ تَحُرُّ بَرْدَ الشَّرَابِ
ودخل مَعد يكرِبُ بنُ عِكَبّ من فَورِهِ وجماعةٌ من رُؤًَساءِ تَغلِبَ، إِلى الملِك وقالوا: إِنّ الغَدْرَ وقِلَّةَ الوفاء لا يَحْسُنُ بالملوك، فإِن أَنَصفْتنا من نَفْسِك وإِلاّ أَنصَفْنا أَنْفسَنا منك، ولا نَقنَع إِلاّ بأَن تُعْطِيَ أَبا حَنَش ما وَعَدتَه. قال: فإِنّي أَفعَلُ، وأَمَر له بمائة ناقة، وقال لأَبي حَنَش: تَرِبَتْ يداك: كَرِيمٌ قَتَلَ مَلكًا.
وقد قال السَّفاحُ بن خالدٍ وعَمْرُو بن كُلثُومٍ وأُفنون بنُ مَعْشَرٍ، وجماعةُ شُعراءِ بني تَغْلِبَ في ذلك اليَوْمِ أَشعارًا كثيرَةً، ترَكْنَاهَا لطولهَا.
ولجابر بن حُنَىٍّ التَّغْلبيّ من قصيدة:
[ ٣٨ ]
ويوْمَ الكُلاَبِ قَد أَزَالَتْ رِمَاحُنا شُرَحْبيلَ إِذْ آلَى أَلِيّةَ مُقْسِمِ
لَيَنْتَزِعَنْ أَرْماحَنَا فأَزَالَهُ أَبُو حَنَشٍ عن سَرْجِ شَقاءَ صِلْدِمِ
تَناولَه بالرُّمْح ثمّ انْثَنَى له فخَرَّ صَرِيعًا لليَدَيْن وللْفَمِ
وقال مَعدِ يكَرِبُ بن عَمْرِو بن الحارث لَمَّا بلغَهُ قَتْلُ أَخِيه شُرَحْبيل يَرثيه:
إِنّ جَنبِي على الفِرَاش لنابِ كتَجَافِي الأَسَرِّ فوقَ الظِّرَابِ
مِن حَدِيثٍ نَمَى إِليَّ فمَا تَرْ قَا دُمُوعِي وما أُسِيغُ شَرَابي
مُرَّةً كالذُّعافِ أَكتُمُهَا النّ اسَ على إِثْرِ مَلَّةٍ كالشِّهابِ
من شُرَحْبٍلَ إِذْ تَعاوَرُه الأَرْ مَاحُ مِن بَعدِ لَذَّةٍ وشَرَابِ
أَينَ مُعْطِيكم الجَزِيلَ وحابٍي كمْ على الفَقْرِ بالعَطَايَا الرِّغَابِ
أَحْسَنَتْ تَغْلبٌ وعَادَتُها الإحْ سَانُ بالحِنْوِ يَوْمَ ضَرْبِ الرِّقَابِ
يَوْمَ وَلَّتْ بنو تَمِيمٍ وقَيسٌ خَيْلُهم يَتَّقِينَ بالأَذْنَابِ
يا بْنَ أُمّي ولو شَهِدْتُكَ إِذْ تَدْ عُو تَميمًا وأَنتَ غَيْرُ مُجَابِ
لنَشَدَّدْتُ مِن وَرائك حَتَّى تَبلُغَ الرُّحبَ أَوْ تُبَزَّ ثِيَابي
فارِسٌ يَضْرِبُ الكَتِيبَةَ بالسَّيْ فِ على جَيْبِهِ دمٌ كالمَلاَبِ