وإِذا رَجَّعت الإِبلُ الحَنينَ كان ذلك أَحسنَ صوتٍ يَهتاجُ له المُفَارِقُون، كما يَهْتَاجُون لِنَوْح الحَمَام، ولِلَمْع البُرُوق، ولِهُبوب الرِّياحِ من نحو أَرضِ الحبِيبِ.
نزَلَ عُقَيلِيّانِ بزوجِ لَيْلى عَشِيقةٍ المَجْنُونِ فلمّا تَهوَّرَ اللَّيْلُ حَنَّتْ قلُوصاهما، فقال أَحدُهما:
تَحِنُّ قَلُوصِي نَحْوَ نَجْدٍ وقد أَرَى بعَيْنَيَّ أَنِّي لَسْتُ مُورِدَها نَجْدَا
ولا وَارِدًا أَمْوَاهَ أَجْبُلَةِ الحِمَى وإِنْ أَرْهقَتْ نَفْسي على وِرْدِهَا جهْدَا
وقال العُقَيليُّ الآخرُ:
حنَّتْ قَلوصِي آخرَ اللَّيْلِ حنّةً فيَا رَوْعةً ما راعَ قلبي حَنِينُها
سعَتْ في عِقالَيْهَا ولاَح لِعينها سَنَا بَارِقٍ وَهْنًا فجُنّ جُنُونُهَا
فمَا برِحَتْ حتّى ارْعَوَيْنَا لِصَوْتِهَا وحتَّى انْبَرَى مِنّا مُعِينٌ يُعِينُها
تَحِنُّ إِلى أرضِ الحِجازِ صَبَابَةً وقد بُتَّ مِن أَهْلِ الحِجَازِ قَرِينُها
فيا رَبِّ أَطْلِقْ قَيْدَها وجَرِيرَها فقد رَاعَ مَنْ بالمَسْجِدَيْنِ أَنِينُها
فقالت ليلى:
لعَمْرِي لقدْ هاجَتْ عَلَيَّ صَبَابةً قلُوصُ العُقَيْلِيَّيْنِ لَيْلَةَ حَنَّتِ
قَعَدْتُ لها واللَّيْلُ مُلْقٍ روَاقَهُ فجَاوَبْتُهَا حتَّى مَلِلْتُ ومَلَّتِ
ولبعض العرب:
يَحِنُّ قَلوصي ذو الخَباطِ صَبَابةً وشِدَّةَ وَجْدٍ مِن تَذكُّرهِ تَجْدَا
[ ٧١ ]
تذَكَّرَ نَجْدًا مَوْهِنًا بعدَ ما انْطَوتْ ثَمِيلَتُهُ وازدادَ عنْ إِلْفِهِ بُعْدَا
تَذكَّرَ نَجْدًا حادِثًا بعد قادمٍ ولا يَلبَثُ الشَّوْقانِ أَن يَصْدَعَا الكِبْدَا
فقلتُ له هيَّجْتَ لي شَاعِفَ الهَوَى أَصابَ حِمَامُ المَوتِ أَضْعفَنا وَجْدَا
ولتميم بن جميل الأَسديّ:
يَحِنّ قَعُودٍي بعدَما كَمُلَ السُّرَى بنَخْلَةَ والضُّمْرُ الحَرَاجِيجُ ضُمَّرُ
يحِنّ إِلى وِرْدِ الخَشَاشَة بعدَما تَرَامَى به خَرْقٌ من البِيد أَغْبَرُ
وبات يَجُوبُ البِيدَ واللَّيْل ما ثَنَى يَدَيْهِ لتَعْرِيسٍ يَحِنُّ وأَزْفِرُ
وبِي مثلُ ما يَلْقَى من الشَّوْق والهَوَى على أَنَّني أُخْفِي الذي بي ويُظْهِرُ
فقلتُ له لَمّا رأَيْتُ الَّذِي به كِلاَنَا ِإلى وِرْدِ الخَشاشَةِ أَصْوَرُ
فلَيْتَ الّذِي يَنْسى تَذكُّرَ إِلْفِهِ وشِرْبًا بأَحْواضِ الخَشَاشَةِ يُنْحَرُ
ولغيره:
بَاتَتْ تُشَوِّقُني برَجْعِ حَنِينها وأَزِيدُهَا شَوْقًا برَجْعِ حَنِينِي
نِضْوَيْنِ مُقْتَرِنَيْن بينَ تِهامَةٍ طَوَيَا الضُّلُوعَ على جَوًى مَكْنُونِ
لو خُبِّرَتْ عنّي القَلَوصُ لخُبِّرتْ عن مُستَقَرٍّ صَبَابةِ المَحزونِ
ولعُروةَ بن حزام:
فلَو تَرَكَتْني ناقتِي من حَنِينها وما بيّ مِنْ وَجْدٍ إِذًا لَكَفَاني
فإِنْ تَحْمِلي شَوقِي وشَوقَكِ تُثْقَلِي ومَالَكِ بالحِمْلِ الثَّقِيلِ يَدَانِ
ولآخر:
حنَّتْ وما عَقلَتْ فكيفَ إِذا بَكَى شَوْقًا يُلامُ على البُكَا مَن يَعْقِلُ
ذَكَرَتْ قُرَى نَجْدٍ فأَقْلَقَها الهَوىَ وقُرى العِراقِ ولَيْلُهُنّ الأَطْولُ
وكأَنّمَا يُجْنَى لها ولِرَكْبها بنِطَافِ دِجْلَةَ والفُرَاتِ الحَنْظَلُ
وتَمُرُّ من لُجَج السّرابِ مَوَارِقًا والخَرْقُ أَغْبَرُ بالقَتَام مُجَلَّلُ
فغَدَتْ وأَيْدِي الصُّبْحِ تَلْمَعُ في الدُّجَى كالبِيض تُغْمَدُ تَارَةً وتُسَلَّلُ
ولجرير:
أَرَى نَاقتي حَنَّتْ طُرُوقًا وشَاقَها وَمِيضٌ إلى ذاتِ السَّلاسِلِ لاَمعُ
فقلْت لها حِنِّي رُوَيدًا فإِنَّني إلى أَهْلِ نَجْدٍ من تِهَامَةَ نَازِعُ
فلمّا رَأَتْ ألاَّ قُفُولَ وإِنّمَا لَهَا مِن هَواهَا ما تُجِنُّ الأَضَالِعُ
تَمطَّتْ بمَجْدُولٍ طَوِيلٍ فطالَعَتْ وماذَا مِن البَرْق اليَمَانِي تُطَالِعُ
ولأعرابي:
أَرَاكِ اللهُ نِقْيَكِ في السُّلامَى علَى مَنْ بالحَنِين تُعَوِّلِينَا
فلَسْتِ وإِن حَنَنْتِ أَشدَّ وَجْدًا ولكنّي أُسِرُّ وتُعْلِنِينَا
وبي مِثلُ الذِي بكِ غير أَنّي أَجِلُّ عن العِقَال وتُعْقَلِينَا
وممّا يُسْتَحْسَن في مثل هذا ويُسْتَغْرَب معناه، ويُحمَد اختصارُه قول أعرابيِّ من بني كلابٍ:
فَمن يَكُ لمْ يَغْرَضْ فإِنّي ونَاقتي بحَجْرٍ إِلى أَهْلِ الحِمَى غَرِضَانِ
تَحِنّ فتُبْدِي ما بها من صَبَابة وأُخفِي الذِي لولا الأُسَى لَقَضَانِي
يُرِيد: لقَضَى عليَّ، فأَخْرجَه لفصاحته وعِلْمِه بجواهرِ الكلامِ أَحسنَ مُخْرَج، قال الله ﷿ " وإِذَا كَالُوهم أو وَزَنوهم " أَي كالًوا لَهُم.
وقد قالت الشعراءُ في تَفضيل ما بَيْنَ حَنِينَهم وحَنين الإِبل: قال ثعلبةُ بنُ أَوس الكِلابيّ:
وما عَوْدٌ يَحِنُّ ببَطْنِ نجْدٍ مُعَالِي الشَّوْقِ مُضطَمِرٌ قلِيلاَ
إِلى وَأدٍ تذكَّرَ عُدْوَتَيه أَسَنَّ به وكانَ به فَصِيلاَ
[ ٧٢ ]
فبُدِّلَ مَشْرَبًا من ذاك مِلْحًَا وظِمْئًا بعْد قصْرَيْهِ طَوِيلاَ
يَحِنّ إِذَا الجَنائبُ هيَّجَتْهُ ضُحَيًَّا أَو هَبَبْنَ له أَصِيلاَ
بأَكثَرَ غُلَّةً مِنّي ووجْدًا على إِضْمارِيَ الهَجْرَ الطَّوِيلاَ
وله أيضًا:
وما ذُو مِشْفرٍ نِقْضٌ يَمانٍ بنَجْدٍ كان مُغْترِبًا نَزِيعَا
يُمارِسُ رَاعِيًا لا لِينَ فيه وقَيْدًا قد أَضرَّ به وَجِيعَا
إِذا ما البَرقُ لاح له سَناهُ حِجَازيًِّا سَمعتَ له سَجِيعَا
بأَكْثَرَ غُلَّةً منّي ووَجْدًا لَوَ أَنَّ الشَّمْلَ كانَ بنَا جَمِيعَا
ولآخر:
لعَمْركَ ما خُوصُ العُيونِ شَوَارِفٌ رَوائِمُ أَظْآرٍ عَطَفْن على سَقْبِ
يُفَدِّينَهُ لوْ يَسْتَطِعْن ارْتَشَفْنَهُإِذا اسْتَفْنَهُ يَزْدَدْن نَكْبًا على نَكْبِ
بأَوجدَ منّي يوم وَلّتْ حُمُولُهمْ وقد طَلَعتْ أُولَى الرِّكَابِ من النَّقبِ
وكُلُّ مُصيبَاتِ الزَّمانِ رأَيتُها سِوَى فُرْقَةِ الأَحبابِ هَيِّنةَ الخَطْبِ
وقد قيل في بيت عنترة:
بَرَكَتْ علَى ماءِ الرِّداع كأَنّما بَرَكَتْ على قَصَبٍ أَجَشَّ مُهَضَّمِ
إِنّه يَصف حَينَها، وإِنّه شَبَّهَ شَجْوَ صَوْتِهَا بالمزاميرِ، وأَراد القَصب الذي يُزْمَرُ به.
وقال الراعي يصف الحادِيَ:
زَجِل الحُدَاءِ كأَنّ في خَيْشُومِه قَصبًا ومُقْنِعةَ الحَنِينِ عَجُولاَ
المُقْنعُ: الرّافعُ رَأْسَه، في هذا المَوْضِع، وفي غيره: الذِي يَحطّ رأْسَهُ استِخْذاءَ ونَدَمًا، قال الله ﷿ " مُقْنِعِي رُؤوسِهم " هو الرّافِع رأْسَه.