من أحسن ما قيل في البناء قول عليّ بن الجهم في بناء المتوكّل:
مازِلْتُ أَسمَعُ أنّ المُلو كَ تَبْنِى على قَدْرِ أَقدارِها
ويُعرَفُ فَضْلُ عُقُولِ الرَج الِ بتَدْبيرها وبآثَارِهَا
فلمّا رَأَيْنَا بِنَاءَ الإِمَامَ رَأَيْنَا الخِلافة في دارِهَا
بَدائعُ لهم تَرهَا فارِسٌ ولا الرُّومُ في طُولِ أَعْمارِها
صُحُونٌ تُسَافِر فيها العُيونُ وتَحْسَرُ من بُعْدِ أَقْطارِها
وقُبَّةُ مُلْكٍ كأنّ النُّجو مَ تُصغِىة إليْهَا بأَسْراَرِها
تَخرُّ الُوفودُ لها سُجَّدًا إذا ما تَجَلَّتْ لأبْصارِها
لها شُرُفاتٌ كأنّ الرِّبِيعَ كَسَاهَا الرِّياضَ بأَنْوارِها
نَظَمْن الفِسَافِسَ نَظْمَ الحُليّ لِعُونِ النِّساءِ وأَبكارِهَا
فهُنّ كمُصطَحبَاتٍ بَرَزْنَ لفِصْحِ النَّصَارَى وإِفْطَارِهَا
فمن بين عاقِصة شَعْرهَا ومُرْسِلةٍ عَقْدَ زُنّارِهَا
وأَرْوِقةٌ شَطْرُهَا للرُّخامِ وللتِّبرِ أَكْرَمُ أَشْطَارِهَا
إذَا لمَعتْ تَسْتَبِينُ العُيو نُ فيها مَنَابِتَ أَشْفَارِهَا
إِذَا أُوقِدَتْ نَارُها بالعِرَاقِ أضاءَ الحِجَازَ سَنَا نَرِهَا
وقول أبي عينية في قصر أنسٍ بالبصرة:
فياحُسْنَ ذاك القَصْرِ قصْرًا ونُزْهَةً بأفْيَحَ سَهْلٍ غَيْرِ وَعْرٍ ولا ضَنْكِ
يُذكِّرني الفِرْدوس طَوْرًا فأرعَوِى وطَوْرًا يُوَاتِيني على القَصْفِ والفَتْكِ
بغَرْسٍ كأَبْقَارِ الجَوَارِى وتُرْبةٍ كأّن ثَرَاها ماءُ وَرْدٍ على مِسْكِ
كأنّ قُصُور القَوْم تَنْظُرُ حوْلَه إلى مَلِكٍ مُوفٍ على مِنْبَرِ المُلْكِ
يُدِلُّ عليها مُسْتَطِيلًا بمُلْكِهِ ويَضْحك منها وهْيَ مُطْرِقةٌ تَبكيِ
وأيضًا:
قُصُورُ المَالكيّةٍ كالعّذارَى لبِسْنَ خُلِيَّهنّ ليَوْم عُرْسِ
مُطِلاّتٍ عليى بَطْنٍ كَسَاهُ دَبِيبُ المَاءِ خِلقَةَ كُلِّ غَرْسِ
إذا بَردَ الظَّلام على ثَرَاهَا تَنَفَّس نَوْرُهَا من غَيْر نَفْسِ
يُفتِّقُها المِسَاءُ بكلِّ طِيبٍ ويُضحِكها مَطَالِعُ كلِّ شَمْسِ
وللمريميّ:
للهِ قَصْرٌ بنَاهُ ابنُ العلاءِ لقدْ زِيدَتْ به الغُوطَةُ الحَسْنَاءُ تَحْسِينَا
[ ٨٦ ]
مُذكِّرٌ جَنَّةَ اللهِ التي ذُكِرَت في وَحْيِهِ وأُعِدَّت للمُطِيعينا
له مَحَاسِنُ أَعلاها كأَسْفلها نَقْشًا وفَرْشًا وتَزْويقًا وتَزْيِينَا
إِذا تَأَمَّلَ شِيْئًا من بَدَائعها طَرْفٌ تأمَّلَ دُرًَّا مِنءه مَكْنُونَا
قَصْرٌ غَدَا الحُسْنُ مَقْصُورًا عليه بهِ لمّا غَدَا مِسْكَنًا للجُودِ مَسكُونَا
وللبحتريّ يذكر بناء المتوكّل ويصف القصر الذي سمّاه الجعفريّ، من قصيدة:
قد تَمَّ حُسْنُ الجَعْفَرِيّ ولم يكن لِيَتِمَّ إلاّ بالخَلِيفَةِ جعْفَرِ
مَلِكٍ تَبوَّأَ خَيْرَ دارٍ أُنشئَتْ في خَيْر دارٍ للأَنَامِ ومَحْضرِ
في رأْسِ مُشْرِفةٍ حَصَاهَا لُؤْلؤٌ وتُرابُهَا مِسْكٌ يُشَابُ بعَنْبرِ
مُخضَرّةٌ والغيْثُ ليس يسَاكبٍ ومُضِيئَةٌ واللَّيلُ ليس بمُقْمِرِ
وفيها:
أَزْرَى على هِمَمِ المُلُوكِ وغَضَّ من بُنْيانِ كِسُرَى في الزَّمَان وقَيْصرِ
عالٍ على لحْطِ العُيُونِ كأنَّما يَنظُرْنَ منه إلى بَيَاضِ المُشْتَرِى
مَلأَتْ جَوَانبُهُ الفَضَاءَ وعَانقَتْ شُرُفاتُه قِطَعَ السَّحَابِ المُمْطِرِ
وتَسِيرُ دجْلة تَحْتَه ففِنَاؤُهُ من لُجّةٍ غَمْرٍ ورَوْضٍ أَخْضَرِ
شَجَرٌ تُلاعِبُهُ الرِّياحُ فتَنثَنِى أعطافُه في سابحٍ متفَجِّرِ
قد جِئتُهُ فنزلتُ أَيْمَنَ مَنزِلٍ ورأيتُه فرأيْتُ أحسنَ منظرِ
فاعْمُرهُ بالعُمرش الطَّويل ونعْمَةٍ تَبْقَى بَشَاشتُهَا بَقَاءَ الأَعْصُرِ
وله أيضًا:
مَقاصِيرُ مُلْكٍ أَقْبَلَت بوُجُوهِهَا على منْظَرٍ من عُرْضِ دجْلةَ مُونِقِ
كأنّ القِبَابَ البَيْض والشَّمْسُ طَلْقَةٌ تُضَاحِكُهَا أنْصَافُ بَيْضٍ مُفَلَّقِ
ومِن شُرُفات في السَّمَاء كأنَّما قَوَادِمُ بِيضَانِ الحَمَام المُحَلّقِ
ولخالد الكاتب في برج المتوكّل:
بَنَى إمَامُ الهُدَى بُرْجًا يُقَال له بُرْجُ السُّرورِ وبُرْجُ اليُمْنِ والظَّفَرِ
كأنّه، والّذي يُبْقِي الإمَامَ له، بُرْجٌ من السَّعْد بين الشَّمْسِ والقَمَرِ
وأنا أستحسن قول القِصَافيّ يصف بناءً ابتناه محمّد بن عبد الله بن طاهر:
بَارَكَ اللهُ للأَمِيرِ ابي العبّا سِ في المَنْزِلِ البّديِعِ البِنَاءِ
بالمَحَلِّ المُبَارَكِ العَطِرِ التُّرْ بَةِ والمَرْبَعِ الرَّحِيبِ الفِنَاء
مَنْزِل فيه كلُّ ما صَبَت العَيْ نُ إليه من بَهجَةٍ وبَهَاءِ
ولعمري لقد افتتح القول بأحسن افتتاحٍ وابتداءٍ وكذلك كانت ابتداءات القصافي حسنةً عذبةً.
منها:
راحُوا ولَمَّا يُؤْذِنُوا برَوَاحِ
وأيضًا:
غَيْرِي أَطاعَ مَلامَةَ العّذَّالِ
وأيضًا:
في دَمْعِهِ الجَارِي وإِعْوَالِهِ ما يُخْبِرُ السائِلَ عن حالهِ
وشعره كلُّه على هذا.
وللحسين بن الضَّحاك:
وحَسْبُك بالخيْر من مَنْظَرِ إذا وَصَفَ الوَاصِفُونَ الخِيَارَا
زَهَا بمَجَالسَ رَقْرَاقةٍ تَخالُ دُجَى اللَّيْل فيها نَهَارا
كأَن جَوَاسِقَهَا أَنْجُمٌ يَزِينُ الأَكَابِرُ منها الصِّغارَا
ولا يَزْلقُ النَّعْلُ عن مَتْنِهَا إذا انْهمَر المُزْنُ فيها انْهِمَارَا
وله أيضًا:
يا وَاهِبَ الطّارِف والتَّلِيدِ
ما مِثْلُ بُنْيَانِكَ بالمَوجُودِ
فكَمْ به من جَوْسَقٍ مَشِيدِ
مُغْتَرِبٍ في وَصْفِه وَحِيدِ
قِبابُه في أَحْسنِ القُدُودِ
لأْلأُوها باقِيةُ الوُفُودِ
جالِسَةٌ للنَّظر الحَدِيدِ
فُضِّلْن في القِسْمَة والتَّحديدِ
[ ٨٧ ]
على انْفِصَالِ أَنْجُمِ السُّعُودِ
كأَنّهَا في النَّظَرِ المشِيدِ
بَيْضُ أدَاحٍ لاحَ في صعدِ
وله أيضًا في بُرْج المتوكّل:
ما كان بالبُرْج مذْ كانتْ أوائلُنَا ولا يَكُون بِناءٌ مِثْله أَبَدَا
كأنّه فَلَكٌ تَختالُ أنجمُهُ إذا التَّهَلُّلُ من تِيجانِهِ اطَّرَدَا
يُضَاحِكُ الدُّرَّ في أكْنافِه فِلَقٌ من الزَّبَرْجَدِ ما يُحْصَى لَه عدَدَا
عَفَّى على عَرْش بلْقِيس ببهْجَتِهِ وفَاتَ في الحُسْنِ حتّى جاوَزَ الأَمَدَا
فنضْرَةُ البُرْجِ بالفِرْدَوس مُذْكِرَةٌ مَنْ قاسَ ما غَابَ عنه بالّذي شَهِدا
مُمَهَّدٌ بمِهَادٍ لا يُحِيطُ به وَصْفُ البَليغِ إذا ما جدَّ واجتَهَدَا
من اللُّجيْنِ به والتِّبر آنِيَةٌ لوْ صِيغَ من أُحُدٍ أَمثالُهَا نَفِدَا
وله أيضًا:
ما اجْتلَتْ عَيْنُ ناظِرٍ كجِنَانٍ شِدُتَ فيها جَوَاسِقًا وقُصُورَا
مُشْرِفات على حَدَائقَ وُشِّي نَ من النَّوْرِ سُنْدُسًا وحَرِيرَا
فلنُوَّارِهَا إذا وَضحَ الصُّبْ حُ دير الزور! فِيفٌ يكادُ يُعْشِى البَصيِرَا
قدَّسَ اللهُ ما ابتَنيت وأثَّلْت تَ ولازَال آهِلًا مَعْمورَا
وله أيضًا:
ما رأينا بشرًا قبلك في صورة بدر
شيَّد اللهَ له قَصْرًا على لُجَّةِ بَحْرِ
مُشْرِفًا مُعْتَدلَ الصَّنْعَةِ في أَحْسَنِ قَدْرِ
بِدْعَةٌ أَلَّفَهَا لَفْظُكَ عن أحْكَمِ فِكْرِ
هِمَّةٌ غالَبْتَ عن سَوْرَتِهَا أَغْلبَ نَهْرِ
فَتَبَوَّأتَ على أَمْواجِه أَثْبَتَ قَصْرِ
تَحْتَهُ هَمْهمةٌ للرِّيح في نفخ ونَخْر
ومَجَالٌ لمَحِطِّ الماءِ في أَفْيَحَ غَمْرِ
مَنْزِلٌ فاضَ به سَيْبُك سَحًّا غيْرَ نزْرِ
وَصَلَ اللهُ لك العُمْرَ، أبا الفضل، بعُمْرِ
وقال الغلابيُّ: حدَّثنا الفضل بن عبد الرحمن بن شبيب بن شيبة قال: دخل عمِّى عبد الصمد بن شبيبٍ على عيسى بن جعفر بن المنصور وقد بنى قصره على نهر ابن عمر وبالبصرة، فأراد منه أن يصف بناءه فقال: أعزّ الله الأمير.
بنيت أحسن بناءٍ، بأوسع فضاءٍ، وأطيب فناءٍ، على أصفى ماءٍ، وأرقَّ هواءٍ، بين صرارٍ رعاءٍ وحيتانٍ وطباءٍ.
فقال له عيسى: والله. لبناء كلامك أحسن من بنائي. ووصله.
وفي هذا القصر يقول عبد الله بن أبي عيينة المهلّبيّ:
زُرْ وَادِىَ القَصْر نِعْمَ القَصْرُ والوَادِى لا بُدّ من زَوْرةٍ عن غَيْرِ مِيعادِ
زُرْهُ فليَس له شِبْهٌ يُقَارِبُه من مَنْزِلِ حاضرٍ إِنْ شِئْتَ أَو بَادِى
تُرْفَى قَرَاقِيرُهُ والعِيسُ وَاقفةٌ والنّونُ والضّبُّ والمَلاّحُ والحادِى
وحدَّثنا محمّد بن يحيى قال: حدَّثني مسبِّح بن حاتم العلكىُّ قال: حدَّثني يعقوب بن جعفر بن سليمان قال: قال أبي للأصمعيّ: ما أحسن ما قال هذا الفتى المهلَّبيُّ في قصر عيسى بن جعفر، وأنشده الأبيات، فهل سبقه أحدٌ إليها؟ قال: نعم: هذا خليفة بن خلف الأقطع دخل على يزيد بن عمرو بن هبيرة وقد بنى قصره، يريد القصر في طريق الكوفة فأنشده قصيدةً أوّلها:
قُرِنَتْ رُؤُوسُ ظِبَائِها بالزُّرْقِ من حِيتَانِهَا
مُكَّاؤُهَا غَرِدٌ يُجِي بُ الوُرْقَ من وَرشَانِهَا
هكذا أنشدنيه محمّد بن يحيى، وأنشدنيه عليُّ بن سليمان من ورشانها جمع ورشان، قال: وكذلك الكروان جمع كروان، وأنشد:
كأنّهم الكِرْوَانُ أَبصَرْن بَازِيَا
وللحسين بن الضَّحّاك في البديع:
إِنّ البَدِيعَ لَفَرْدٌ في مَحَاسِنه لا زالَ ظِلُّك عَمَّا تَبْتَنِى أَبَدَا
تَكَادُ تَختِلسُ الأَبصارَ بَهْجَتُه إِذا تَأَلَّقَ بالعِقْيانِ واتَّقَدَا
[ ٨٨ ]
بالسَّعدِ والطّائِرِ المَيْمُون فاغْنَ بِه لا زَالَ عيشُك منه ناعِمًا رَغَدَا
مُلِّيتَ مُلكَك تَطوِيه وتَنْشُرُه تِسْعِينَ كامِلَةً أَعْوَامُهَا عَدَدَا
وللمريمىّ:
إِنِّى سَأَنْعَتُ مَنْزِلاَ لمُهَذَّبٍ لا نَعْتَ إِلاَّ دُونَه إِغْرَاقُهُ
يَسْمُو ببَابٍ للمَكَارمِ فَتْحُه وعلى الصِّيانَةِ والتُّقَى إِغْلاقُه
لو كان مُرْتَفِعًا على قَدْر العُلاَ ما كَان إِلاَّ في المَجَرَّةِ طَاقُه
مَعمورةٌ عَرَصاتُهُ ورِحَابُه بالجُودِ قائمةٌ بها أَسواقُهُ
دُخَّالُه رَجُلانِ مَطْبِقُ طَرْفِه أو شاخِصٌ قد عَزَّهُ إِطْبَاقُهُ
هذَا يُحَيّرُ عَقْلَه خِيْرِيُّهُ ويَرُوقُ ذا حِيتَانُه ورِوَاقُهُ
أَيُّ الصّفاتِ يَزينُهُ لمُشَاهِدٍ إِنْ غابَ عنه فقَلْبُهُ يَشْتاقُه
أَحَلاَوَةُ التَّقْديرِ أَمْ إِحْكامُه أَم رَوْعَةُ البُنْيَانِ أَم إِيثاقُهُ
أَم صَحْنُهُ وسَماؤُه أَم سُفْلُه ونَقَاؤُهُ أَمْ عُلْوُهُ وطِبَاقُهُ
تَحْكِى زَخَارِفهُ زَخَارِفَ ما حَوَى فكأَنّما أَقسامُه أَعْلاقُهُ
وكأَنّمَا نُشِرَتْ عليه تُخُوتُه فعَلَتْه أَو نُثِرَتْ عليه حِقَاقُهُ
حَسَنٌ أَجادَ بِنَاءَه بَنَّاؤُهُ لأَغَرَّ حِسَّنَ خَلْقَه خَلاّقُهُ
باليُمْن يَسْكُنُه ويُزْغَمُ شَانِىءٌ ومُكَاشِرٌ بوِدَادِهِ مَذَّاقُهُ
ولابن طباطبا:
يا مَنْ رَأَىالقُبَّةَ الَّتِي اجْتَمَعَتْ مَنَاقِبُ الخُلْدِ في مَنَاقِبِهَا
كأَنَّهَا جَنّة مُزَخْرَفَةٌ زَيَّنَهَا رَبُّهَا لطَالِبهَا
تَظَلُّ فيها العُقُولُ حائِرةً ويَقْصُرُ الوَهْمُ عن عَجَائِبِهَا
دانَتْ لَهَا الجِنُّ عند رُؤْيتها للإِنْسِ إِذْ نحْن في غَرَائِبها
في سَمْكِها دِيمةٌ تَثُجُّ بلاّ سَحابةٍ أُنشِئَتْ لسَاكِبِها
تَهمِى لنا والسَّمَاءُ مُصحِيَةٌ لا يُرتَجَى الدَّرُّ من سَحائِبها
فيها نُقُوشٌ يَحكِى مُنَمْنَمُهَا مُنَمْنَمَ الرَّوْضِ في جَوَانِبِهَا
وللحلبيّ في قبَّة آبنوسٍ:
بَنَيْتَ عليكَ قُبَّةَ آبنُوسٍ تَتِيهُ على قِبَابِ الآبنُوسِ
تَطولُ برأْسها كِبْرًا فتُضْحِى قِبَابُ النّاسِ خاضِعةَ الرُّوؤُسِ
كأَنَّ العَاجَ مُبتْمَسِمًا عَلَيْهَا شُموسٌ يَبْتَسِمْنَ إلى شُموسِ
كأَنّ سَمَاءَهَا رَوضُ الأَقاحِى تُفَصَّلُ بالعُقُودِ وبالسُّلُوسِ
كأّنّ غِشَاءَها المُلْقَى قِنَاعٌ على عَيْطَاءَ بَكْرٍ عَيْطَموسِ
مُعَصْفَرَة اللّبُوسِ وآلُ حامٍ نِسَاؤُهُمُ مُعَصْفرةُ اللبُوسِ
كقيْنَةِ مَجْلِسٍ حَسناءَ تَعْلُو على الفَتَيَات في حُسْنِ الجُلُوسِ
تُكَفَّرُ في جَوَانبها الحَنَايَا كتَكْفيِر الشَّمَامِسِ والقُسُوسِ
لَئِنْ رَأَسَتْ لقد عَظُمَت وزَادَتْ رِيَاسَتُها بصَاحِبِهَا الرَّئِيسِ
ولأبي طالبٍ الحسين بن عليٍّ في قصرٍ:
والقَصُرُ يَبْسِمُ في وَجْهِ الضُّحَى فتَرَىوَجْهَ الضُّحَى عندَمَا أَبدَى له شَحَبَا
يَبِيتُ أَعْلاَه بالجَوْزَاءِ مُنْتَطِقًا ويَغْتَدِى يرِدَاءِ الغَيْمِ مُحْتَجِبَا
تَطامَنتْ نَحْوَه الإِيوانُ حينَ سَما ذُلًاّ وكيف تُضَاهِى فَارِسُ العَرَبَا
إِذا القُصورُ إلى أَرْبَابها انْتَسَبَتْأَضْحَى إِلى القِمَّة العَلْيَاءِ مُنْتَسِبَا
[ ٨٩ ]
فصِلْهُ لا وَصَلَتك الحادثاتُ ولا زَالَتْ سُعُودُك حتَّى تُنفِدَ الحِقَبَا
بَرٌّ وبَحْرٌ وكُثْبَانٌ مُدَبَّحةٌ تَرَى النُّفُوسُ الأَمَانِي بَيْنَهَا كَثَبَا
ومَنْزِلٌ لا تَزَالُ الدَّهْرَ عَقْوَتُه جَدِيدةَ الرَّوْض جَدَّ الغَيْثُ أَو لَعِبَا
حَصْباؤُهُ لُؤُلؤٌ نَثْرٌ وتُرْبَتُه مِسْكٌ ذَكِىُّ فلو لم تَحْمِهِ انْتُهِبَا
وكُلُّ ناحِيَةٍ منه زَبَرْجَدةٌ أَجْرَى اللُّجَيْنُ عليها جَدْوَلًا سَرِبَا
وله أيضًا:
باليُمْنِ ما رَفَعَ الأَمِيرُ وشَيَّدَا وبجدَّةِ النَّعْماءِ ما قد جَدَّدَا
قَصرٌ أَنافَ على القُصُور يَحُلَّه مَلِكُ أَنافَ على المُلُوك مُؤَيَّدَا
قُلْنَا وقد أَعلاه جَدُّ صاعِد في الجَوِّ حتى ما يُصَادِفُ مَصْعَدَا
أَبَنِيَّةٌ ببِنَائِهَا فُضِحَ البُنَى أَمْ فَرْقَدٌ بسَنَاهُ شَانَ الفَرْقَدَا
غُرَفٌ تأَلَّقُ في الظَّلام فلوْ سَرَى بضِيائِهَا سارِى الدُّجُنَّةِ لاهْتَدَى
عُنِىَ الرَّبيعُ بها فنَشَّرَ حَوْلَهَا حُلَلًا تُدَبِّجُ وَشْيَهَا أَيدِي النَّدَى
وكَأَنَّمَا تُزْجِى السَّحَائِبُ فَوْقَهَا جَيْشًا يَهُزُّ البَرقُ فيه مِطْرَدَا
وكَاّنّما نَشَرَ الهَواءُ بجَوِّهَا من كلِّ ناحيةٍ رِدَاءً مُجْسَدَا
وللحسن بن محمّد بن الحسن:
دارُ أَمْنٍ مَيْمُونةُ الإِنشاءِ وعُلُوٌّ مُشَيَّدٌ بعَلاّءِ
بَرَزَتْ بَهْجَةُ التَّأَلُّقِ منها بين مَقْصُورَةٍ وبين خِبَاء
عَلِمَ النّاسُ أَنّهَا الفردُ في الحُسْ ن فدَانُوا لها بفَرْدِ البِنَاءِ
ورَأَوْا كَوْنَهَا بغَيْرِ نَدِيدٍ فدَعَوها نِهَايَةَ الأَشْيَاءِ
مِثْل عَدْنِ الجِنَانِ يُدْرِكُ فيها ال مَرْءُ ما شَاءَهُ من الأَهْواءِ
وكَاَنّ الضِّياءَ وَقْفٌ عَلَيْهَا فهْي تَكْسُو الآفَاقَ فَضْلَ ضِيَاءِ
مَنْزِلٌ أُسُّهُ الحَضِيضُ وأَعلا هُ يُسَاوِى كَوَاكِبَ الجَوزْاءِ
وفيها:
أُطُمٌ لا تكَاد تَبْلُغ بعضَ ال سَّمْكِ منها لَوَاحِظُ البُصَرَاءِ
فلَوَ أنّ الأَهْرَامَ أَهْرَامَ فِرِعو نَ رَأَتْها أَغْضَتْ على الأَقْذاءِ
ولَوَ أنّ الإِيوان إِيوَانَ كِسْرَى رامَ منها لَسَاخَ في الغَبْرَاءِ
في فَضَاءٍ لوْ طَاوَلَت منه دَهن اءُ تَمِيمٍ لم تُدْعَ أَرْضَ فَضَاءِ
في اسْتوَاءٍ يُضْحِى عِيَالًا عَلَيه مِن صُحُونِ الأَيّام كلُّ اسْتِوَاءِ
وفيها:
وكأَنّ الرِّوَاقَ حُكِّمَ في الحُسْ نِ فلَمْ يَعْدُ كَثْرَةَ الإِحْتِوَاءِ
فاخِرٌ والمُحَنَّبَات بتيجا نِ سُقوفٍ مَلْزُوزَةِ الأَصْلاءِ
ناظِرَات بأَعْيُنٍ بين كَحْلاَ ءَ ولمْ تَكْتحِلْ إِلى شَهلاءِ
ساكنَات إِذا العيُونُ تَحرَّكْ نَ لشيْءٍ باللَّحْظِ والإِيماءِ
لم يُغَمِّضن مُذْ فتحْنَ يَدَ الدَّهْ رِ لغَضٍّ يومًا ولا إِغْفَاءِ
مُحْدقات بها حَدائِق نورٍ ما غَذَتْهَا بَوَاكِرٌ الأَنْدَاءِ
وفيها:
دارُ مَجْدٍ حَوَتْ أَفانينَ كانتْ أَعْيُنُ الخَلْقِ دُونَهَا في غِطَاءِ
نُزْهةٌ للعُيون مُذهِبَةٌ للْ هَمِّ كَشّافةٌ جَوَى البُرَحَاءِ
لوْ سَعَتْ ساحةٌ بمِدْحَةِ بانٍ لم تَكُنْ عَنْه سُوحُها ببِطَاءِ
كَعْبَةٌ حَجَّها العُفَاةُ فآبُوا بعْدَ إِمْلاقِهم من الأَغنياءِ
ولعبد الله بن المعتزّ يصف الثريّا:
[ ٩٠ ]
حَلَلْت الثُّرَيَّا خَيْرَ قَصْرٍ ومَنْزِلٍ فلا زَالَ مَعْمُورًا وبُورِك من قَصْرِ
جِنَانٌ وأَشجارٌ تَلاَقَت غُصُونُهَا وحُلِّين بالأَثمار والوَرَقِ الخُضْرِ
تَرَى الطَّيْرَ في أَغْصَانِهِنّ هَوَاتِفًا تَنقَّلُ مِن وَكْرٍ لهنّ إِلى وَكْرِ
هَجَرْت سِوَاهَا كُلَّ دارٍ عَرَفْتها وحُقّ لدَارٍ غَيْر دَارِكَ بالهَجْرِ
وأَنْهَارُ مَاءٍ كالسَّلاسِل فُجِّرَت لتُرضِعَ أَوْلادَ الرَّيَاحِينِ والزَّهْر
ومَيْدانُ وَحْشٍ تَرْكُضُ الخَيْلُ وَسْطَهُ فيُؤْخَذُ منها ما يُشَاءُ على قَسْرِ
إِذَا ما رَأَتْ ماءَ الثُّرَيَّا ونَبْتَهَا نَسِينَ وُثُوبَ الكَلْبِ فيهنّ والصَّقْرِ
وقلت في بيتٍ بناه الأمير أيَّده الله:
بَنَيْتَ بَيْتًا سَمَا للفَخْر مَصْعَدُهُ واحْتَلَّ في ذِرْوَةِ العَلْيَا مُشَيّدُه
قد عَانَقَ الأُفْقَ حتَّى خِلْتَهُ كَلِفًا قد طالَ مِن وَجْدِه فيه تَلَدُّدُهُ
للنُّورِ في دَوْرِه لِعْبٌ ومُؤْتَلَقٌ يَعلو ويَنْحِطُّ مُسْتَناٍّ تَوَقُّدُهُ
كأَنّه صارمٌ في كَفِّ مُدَّرِعٍ يَسُلُّه في الدُّجَى طَوْرًا ويَغْمِدُهُ
بَنَاهُ ذو هِمّةٍ عِلْمًا وهَنْدَسَةً عَقْلًا ووَطَّدَهُ فِكْرٌ يُردِّدُهُ
أَسَاسُه مَجْدُه والجُودُ حَائِطُه وأَرْضُه فَضْلُه والسَّقْفُ سُؤْدَدُهُ
كأَنّه صَرْحُ بلْقِيسٍ وقد كَشَفَتْ سَاقًا وظَنَّتْهُ ماءً خِيفَ مَوْرِدُهُ
أَقُول إِذْ كَلَّ وًصْفِي عنْه واعْتَذَرَتْ شَوَاهِدُ الحُسْنِ عنِّي حِينَ تَشْهَدُهُ
بَيْتَانِ في الأَرْضِ بَيْتُ الله نَعْرِفُهُذِكْرًا وذا البَيْتُ نَغْشَاه ونَقْصِدُهُ
مُبَارَكٌ عَرَّفَ اللهُ الأَمِيرَ به يُمْنَ الجُلُوسِ ودَامَتْ فيه أَسْعُدُهُ
ولجعيفران الموسوس يصف قصرًا ويهجو صاحبه:
يا قَصْرُ شانَكَ بُخْلُ صاحبك الّذي مافيه مَعْ إِمْسَاكِهِ مُسْتَمْتَعُ
أَنت العَروسُ لهَا جَمَالٌ فائِقٌ لكِنَّهَا في كلِّ يَومٍ تُصْدَعُ
وأيضًا في مثله لغيره:
بَنَى أَبُو جعفرٍ دَارًا فشَيَّدَهَا ومِثلُه لجِيَار الدُّروش بَنّاءُ
الجُوعُ داخِلُهَا والمَنْعُ طاهِرُهَا وفي جَوَانِبِهَا بُؤسٌ وضَرَّاءُ
ما يَنْفَعُ الدّارَ مِنْ تَزْوِيقِ صَاحِبِها وليسَ في جَوْفِهَا خُبْزٌ ولا مَاءُ
ولأبي الطَّريف يذمُّ بيته:
فلو كانَ لي بَيْتٌ يَحِلُّ دُخُولُه لأَمْتَعتُكم بالقَصْفِ والشُّرْبِ والسُّكْرِ
ولكِنّما لي بَيْتُ سُوءٍ كأَنَّه بَقِيَّةُ نَاوُوسٍ على سَاحِلِ البَحْرِ
ولابن المعتزّ في بيتٍ ضيّقٍ كان فيه هو وجماعة من أصحابه:
يارُبّ بَيْتٍ زُرْتُهُ وكأَنَّمَا قد ضَمَّنى من ضِيقهِ سِجْنُ
ما يُحْسِنُ الرُّمّانُ يَجْمَعُ نَفْسَهُ في قِشْرِه إلاّ كما نَخْنُ
وأخذ أبو العبّاس السَّفَّاح بيد عبد الله بن عليٍّ يدوِّره في أبنيةٍ كانت نبنى له، فتمثَّل عبد الله:
أَلَمْ تَرَ حَوشَبًا أَضْحَى يُبَنِّى بِنَاءً نَفْعُهَا لبَنِى بُقَيْلَهْ
يُرجِّى أَنْ يُعَمَّرَ عُمْرَ نُوحٍ وأَمْرُ اللهِ يَطْرُقُ كلَّ لَيْلَهْ
فغضب السفّاح ونتر يده من يده. فحلف عبد الله أنه ما اعتمد سوءًا.
وبنى عليُّ بن محمّد بن عبد الله بن حسن دارًا بالمدينة حسَّنها واجْتهد فيها، فلمّا فرغ منها قال:
حِسَّنْتُ دَارِى بعدَ عِلْمِى أَنَه سَيَفُوزُ بَعْدِى الوَارثونَ بحُسْنِهَا
فلَئِنْ بَنَيْتُ وكانَ غَيري نازِلًا فلَكَمْ نَزَلتُ مَنَازِلًا لم أَبْنِهَا
[ ٩١ ]
وقال محمّد بن يحيى: دخلت على أبي العبّاس عبد الله بن المعتزّ وقد هدم أكثر داره، وهو ينظر إلى الصُّنّاع كيف يبنون قبَّةً له، فكأنّى أشفقت من الغرم مع قلّة الدَّخل، فأومأت بالقول إلى ذلك، فأنشدني مساعدًا لي:
أَلاّ مَن لِنَفْسٍ وأَشجانِهَا ودَارٍ تَداعَتْ بحِيطانِهَا
أَظَلُّ نهارِىَ في شَمْسِهَا مُلَقًّى مُعَنًّى ببُنْيَانِهَا
يُسَوَّدُ وَجْهِى بتَبْيِيضِهَا ويخْرَبُ كِيْسِى بعُمْراَنِهَا
وقال وقد مدَّت دجلة فخرَّبت بعض داره:
أَتَتْنِىَ دِجْلَةُ لمْ أَدْعُهَا فمَا صَنَعَ البَحْرُ ما تَصْنَعُ
طُفَيْلِيّةٌ لم تكن في الحسا ب تَأْكُلُ دارِى ولا تَشْبَعُ
فكَمْ مِنْ جِدَارٍ لنا مائِلٍ وآخَرَ يَسْجُدُ أَو يَرْكَعُ
ويُمْطِرُنا السَّقْفُ من فَوقِنَا ومِنْ تَحْتِنَا أَعْنُنٌ تَنْبُعُ
وأَصبَح بُسْتانُنا جَوْبَةً يُسَبِّحُ في مائِهِ الضِّفْدَعُ
وحدّثني أبو الحسن عليّ بن هارون بن عليّ بن يحيى بن أبي منصور قال: كان أبي نازلًا في جوار عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، فانتقل عنها إلى دارٍ ابتاعها بنهر المهديّ، وهي دار إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، فكتب إليه عبيد الله بن عبد الله مستوحشًا:
يا منْ تَحَوَّلَ عنّا وهْو يَأْلَفُنَا بَعُدْتَ جِدًّا فلأْيًا صِرْتَ تَلْقَانَا
فاعْلَمْ بأنّك إِنْ بُدِّلْتَ جِيرتَنا بُدِّلْتَ دَارًا وما بُدِّلْت جِيرَانَا
فأجابه أبو هارون بن عليّ:
بَعُدْتُ عنك بدارِى دُونَ خالِصَتي ومَحْض وُدِّى وعَهْدِي كالّذِي كانَا
وما تَبَدَّلتُ مُذ فَارَقْتُ قُرْبَكُمُ إلاّ هُمُومًا أُعانِيهَا وأَحْزَانَا
وهلْ يُسَرُّ بسُكْنَى دَارِهِ أَحَدٌ وليسَ أَحبابُهُ للدّارِ جِيرانَا