الصقر أصبرها على الحرّ والبرد، وأحملها لتأخُّر الطُّعم، والعرب تسمِّيه الأجدل، وجماعه الأجادل: قال عبد مناف بن ربعٍ الهذليّ:
يُخُوتُونَ أُخْرى القَوْمِ خَوْتَ الأَجادِلِ
والخائتة: العقاب التي تختات، وهو صوت جناحها. فاستعاره للصُّقور، ويقال للصَّقر أيضًا: المضرحىُّ، قال طرفة:
كأَنَّ جَنَاحَىْ مَضْرَحِىٍّ تَكنَّفَا جِفَافَيْهِ شُكَّا في العَسِيبِ بمِسْرَدِ
وتسميِّه القطامىّ والقطاميّ، والعرب تشبِّه خيولهم في سرعتا به إذا انقضَّ، وإذا رصفوا رجلًا بالذّكاء، وحدَّة الخاطر والناظر شبَّهوه بالصقر، قال جريرٌ يرثى ابنه:
مَضَى جُنَادَةُ يَجْلو مُقْلَتَىْ ضَرِمٍ مُصَرْصِرٍ بَاتَ فوقَ المَرٌقَبِ العَالِى
وقال آخر:
ويَنْظُرُ في أَعطافه نَظَرَ الصَّقْرِ
ومثل هذا في أشعارهم كثيرٌ.
وقال أبو صفوان الأسديّ يصفه بعد ذكره فرخ قمرية.
وقد صادَهُ ضَرِمٌ مُلْحَمٌ خَفوقُ الجَنَاحِ حَثِيثُ النَّجَا
حَدِيدُ المَخَالِبِ عارِى الوَظي فِ ضارٍ من الزُّرْق فيه قَنَا
تَرَى الوَحشَ والطَّيْرَ من خَوْفه جَوَاحِرَ منه إِذا ما اغْتَدَى
فباتَ عَذُوبًا على مَرْقَبٍ بشَاهِقَةٍ صَعْبَةِ المُرْتَقَى
فلمَا أَضاءَ له صُبْحُه ونَكَّبَ عن مَنكِبَيْهِ النَّدَى
وحَثَّ بمِخْلَبِه قَارِتًا على خَطْمِه مِن دِمَاءِ القَطَا
فصَاعَدَ في الجَوِّ ثمّ اسْتدا رَ ضارٍ خبيثٌ إِذا ما انْصَمَى
فآنسَ سِرْبَ قَطًا قَارِبٍ جَبَا مَنْهَلٍ لم تَجُحْهُ الدِّلاَ
فأَقْعَصَ منهنّ كُدْرِيَّةً فمَزَّقَ حَيْزُومَها والحَشَا
وعلى هذه السبيل كانت صفاتهم للصقور والعقبان، لا أنَّهم هم الّذين صادوا ولا أدَّبوها.
وقال أبو نواس:
لا صَيْدَ إِلاَّ بالصقور اللُّمَّحِ
كلِّ قطَامىّ بَعِيدِ المطْرَحِ
يَجْلُو حِجَاجَىمُقْلةٍ لم تجْرَحِ
لم تَغْذُهُ باللَّبَنِ المُضيَّحِ
أُمٌّ ولم يُولدْ بسَهْلِ الأَبْطَحِ
إِلاّ بأَشْرَافِ الجِبَالِ الطُّمَّحِ
يُلْوِى بخِزَّانِ الصَّحَارَى الجُمَّحِ
بسَلَبٍ كالنَّيْزَكِ المُذَرَّحِ
ومِنْسَرٍ أَشغَى كأَنْفِ المِجْدَحٍ
أَبْرَشِ ما بينَ القَنَا والمَذْبَحِ
وممَّاع ملح فيه أبو نواس جعل الدِّرهم صقرًا، وأضافه إلى الطَّرد فقال:
أَنعتُ صَقْرًا يَنْعَتُ الصقورَا
مُظَفَّرًا أَبيضَ مُستدِيرَا
وِلاَدَ شَهْرٍ وَاضِحًا مُنِيرَا
تَخالُه في قَدِّه العَبُورَا
مُكَرَّمًا يَجْتنِبُ الصَّفِيرَا
إِلاّ إِذا حُرِّك أَو أُثيِرَا
فهْو صَغِيرٌ يَفْعَلُ الكَبِيرَا
تَرَى الحَمَاليقَ إليه صُورَا
والصَّيْد يأْتِيك به مِسرورَا
ينْعشُ ذا الحاجَة والفَقِيرَا
يَخْتطِف الأَرنبَ واليَعفورَا
ولو بَغَى مُرْسِلُهُ النُّسورَا
والوَحْشَ جَمْعًا أضو بَغَى العَشِيرَا
لَجاءَ سهْلًا سِلِسًا يَسِيرَا
ما آبَ مَن صادَ به مَبْهُورَا
[ ١١٣ ]
مِن طَلَبِ الصَّيْدِ ولا حَسِيرَا
ولا تَشكَّى الأَيْنَ والفُتُورَا
بهِ يَصِيدُ الشادِنَ الغَرِيرَا
ما هَانَ مَن يَمْلِكُهُ الدُّهورَا
ولعبد الصَّمد بن المعذَّل في الصقر:
وعازبٍ باكَرَه الغُرُّ الفُرُطْ
تَخايَلَ النَّبْتُ به الجَعْدُ القَطَطْ
نُوّارُه مثلُ الذُّبَال قد سُلِطْ
كأَنّما الوَشَىُ عليه قد بُسِطْ
قال له الغَيثُ من الرُّوَّادِ مِطْ
للطّيْرِ فيه آنِفَ اليَوْمِ لَغَطْ
رَطَانةَ الزُّطِّ إِذا لاقَين زُطّْ
من كُلّ عَفْرَاءَ بدَفَّيْها رَقَطْ
وبذَنابَاها وبالجيد نُقَطْ
والجَنَاحَين وبالرأْسِ خُطَطْ
كأَنّ دِيباجًا عليها لم يُخَطْ
أَوْفَيْتُ والمَيْسَانُ من نَوْمٍ يَغِطّْ
والليْلُ بالصُّبْح مَلوثٌ مُختلِطْ
بصَادِقِ اللَّحْظِ قُطَامىٍّ سَلِطْ
أَفْتَى رَحِيبِ الشِّبْر مَحبوكٍ سَبِطْ
ما يَلْقَ بالْمِخْلَب من مَسْكٍ يَعُطّْ
حتّى إِذا حُدَّ مِقَاطٌ فنَشِطْ
وخُرِطَ المَوْتُ عَلَيْهَا إِذ خُرِطْ
ومَرَّ يَهْوِى كالحُسَامِ المُمْتَعِطْ
قَذَفْن ذَرْقًا كعَثَانِينِ الشُّمُطْ
يَصُكُّها صَكًا دِرَاكًا ويَحْطّْ
أَما رَأَيْتَ النارَ في الحَلْفَاءَ قَطّْ
فازَ امرؤُ حالَفَ صَقْرًا واغْتبَطْ
ولشرشير في الصقر:
نَغْدُو بصَقْرٍ كُرَّز مُوَهّلِ
مُدَرَّعٍ دِرْعَ حَرِيرٍ مُخْمَلِ
مُفَوَّفٍ مُجَزَّعٍ مُرَحَّلِ
كأَنَّه في قَرْطَقٍ مُفَصَّلِ
مُنَمَّرِ الأَعْلَى حَصِيفِ الأَسْفَلِ
يَرُوق في الناظِر عيْنَ المُجْتَلِى
يَسْبِق عَفْوًا مُنْيَةَ المُؤَمِّلِ
يَنْسُرُ بالمِنْسَرِ كلَّ مُعْجلِ
كأَنّه يَنْجُلُه بمِنْجَلِ
وله أيضًا:
أَنعَتُ صَقْرًا يَفْرِسُ الصُّقُورَا
ويَنْسُرُ العِقْبَانَ والنُّسُورَا
يَجْتَابُ بُرْدًا فَاخِرًا مَطرورًا
مُسَيَّرًا بكِفَفٍ تَسْيِيرَا
وقد تَقَبَّى تَحتَه حَرِيرَا
يُضَاعِفُ الوَشْىُ به التَّنْمِيرَا
مُنْعَرِجًا فيه ومُسْتدِيرَا
كما يَضمُّ الكاتبُ السُّطورَا
كأَنّه قد مُلِّك التصويرَا
لنَفْسِه فأَحْسَنَ التَّقدِيرَا
تَرومُ منه أَسَدًا هَصورَا
كأَنّ في مُقلَتِه سَعِيرَا
تَخالُه من قَلَقٍ مذعورَا
ذا حَذَرٍ يستوضِحُ الأُمُورَا
تَرَى الإِوَزَّ منه مُستَجِيرَا
يُناكِبُ الضَّحْضاحَ والغَديرَا
يُثْبِتُ في أَحشائِهَا الأُطْفورَا
خَطْفًا تَرَاهُ مُهْلِكًا مُبِيرَا
يَنتَظِمُ الأَسْحَارَ والنُّحورَا
إِذا تَشظَّتْ زُمَرًا نُفُورَا
أَعْجَلَها من قَبْل أَن تَحُورَا
وله في الصقور:
قد أَغْتدِى وعُيُونُ الفَجْرِ وَاسِنَةٌ والشّمْسُ راقِدَةٌ عن عَينِ باغِيهَا
بالمضْرَحِيَّاتِ يَحْتَثُّ النِّزَاعُ بها كالأُسْد تَذعَرُها والنَّارِ تُذْكِيهَا
حُجْنٍ مَنَاسِرُهَا عُقُفٍ أَظافِرُها كأَنَّهَا من حَدِيدٍ رُكِّبتْ فيهَا
كأَنّ أَعيُنَهَا جَزْعٌ تُطِيفُ بهِ دَارَاتُ تِبْرٍ أُذِيبَتْ في مَآقِيهَا
تُدِيرُهَا بحَمَالِيقٍ مُزيِّلَةٍ عنها قَذَاهَا فتُخْفِيَها وتُبْدِيهَا
تكادُ تَعْرِفُ في عَيْنَىْ مُعَلَّمِهَا أَوَامِرًا من ضَمِيرِ القَلْبِ يُوحِيهَا
أَسُومُهَا لُجّةً لاحَتْ مَشَارِعُهَا وانْصَاعَ جَدْوَلُهَا وارْتَجَّ طَامِيهَا
فيها من الطَّيْرِ أَنواعٌ مُصنَّفَةٌ سُبحانَ مُبْدِعِها فنيا ومُنْشِيهَا
مُدبَّجات بأَلْوَان مُذهَّبَة مَوْشِيّة برُقومٍ جَلَّ وَاشِيهَا
كأَنّهنَ رِيَاضٌ بينَهَا زَهَرٌ يَحُفُّ بُطْنَاَنَهَا منها ضَوَاحِيَها
مُطَرّزَات بأَعْلام مُنَيَّرَة كالجزْعِ تَنْشُرُهَا حالًا وتَطْوِيهَا
[ ١١٤ ]
ماذَا تَظُنّ وأَشباهُ السِّبَاع لها خَوَاطِفٌ خُلُسٌ قد حُكِّمَتْ فِيهَا
ولعبد الله بن المعتزّ في الصقر:
يا رُبّ ليلٍ كجنَاحِ النَّاعِقِ
سَرَيْتُه بفِتْيةٍ بَطَارِقِ
تَنْتابُ صَيْدًا لم يُرَعْ بطارِقِ
بِأَجْدَلٍ يَلْقَنُ نُطْقَ النّاطِقِ
مُلَمْلَمِ الهَامةِ فَخْم العَاتِقِ
ذي مَخْلَبٍ أَقْنَى كنُونِ المَاشِقِ
وجُؤْجُوٍ لاَبِسِ وَشْىٍ رائِقِ
كأَثَرِ الأَقلامِ في المَهَارِقِ
أضو كبَقَايَا الكُحْلِ في الحَمَالِقِ
حتَّى بَدَا ضَوْءُ صَبَاحٍ فاتِقِ
وله في الكلاب والصقور:
وقِيدَتْ لِحتْف الصَّيْدِ غُضْفٌ كَوَاسبٌ كمِثلِ قِدَاحش البَارِيَات نَحَائِفُ
إِذا انْخرطَتْ من القلائدِ خِلْتَهَا تَرَامَى بها هُوجُ الرّيَاحِ العَوَاصِفُ
تَقاسَمَهَا قَبْضَ النُّفوسِ أَجادِلٌ ففِى الأَرْض نَهّاشٌ وفي الجَوّ خاطِفُ
كأَنّ دِلاَءً في السَّمَاءِ تَحُطُّهَا وتَرْقَى بها أَيدٍ سِرَاعٌ غَوَارِفُ
يُشَقِّقُ آذَانَ الأَرَانبِ صَكُّهَا كما صَكَّ أَنْصافَ الكَوَافِيرِ خَارِفُ
فصَبَّحَ خِزَّانَ القُرَيَّةِ غُدْرَةٍ شَياطِينُ في أَفْوَاههنّ المَتَالِفُ
وله في الفرس والصقر:
قد أَغْتَدِى والليلُ ذو مَشيبِ
بقَارحٍ مُسَوَّمٍ يَعْبُوبِ
ذي أُذُنِ كخُوصَةِ العَسِبِ
أَوْآسَهٍ أَوْفَتْ على قَضِيبِ
يَسْبِقُ شَأْوَ النَّظَرِ الرَّحيبِ
أَسْرَع من مَاءٍ إلى تَصْوِيبِ
ومن نُفُوذِ الفِكْر في القُلوبِ
وأَجْدَلٍ حُكِّمَ في التَّأْديبِ
صبٍّ بكَفِّ كلِّ مُسْتجيبِ
أَسْرَع من لحْظَةِ مُستَرِيبِ
وقال إسحاق بن خلف:
جِئنَا بِه من صَيْده نَزُفُّهُ
وكلُّنا من شَفَقٍ نَحُفُّهُ
أَشْغَى قَليلٌ رِيشُه وزِفُّهُ
مُختضِبٌ مِنْسَرُهُ وكَفُّهُ
من الدِّماءِ مزْجُهُ وصِرْفُه
سِيَّانِ ما قُدّامُهُ وخَلْفُهُ
ولأبي مليطٍ العنبريِّ يهجو صقرًا:
مالك من صَقْر لقِيتَ حَتْفَكَا
أَمَا تَرَى إِلى الحُبَارَى خَلْفَكَا
لائِذةً لم تَرَ صَقْرًا قَبلكَا
وأَرْنبًا أُخْرَى أَثَرْناهَا لَكَا
وكَرَوانَاتٍ كَيِيرًا حَوْلَكَا
تُقْبِل نَحْوىِ وتُوَلِّيَها اسْتَكَا
لقد عَرفْتُ أَذ رأيْتُ نَوْمَكَا
تَجْعلُ في ثِنْىِ الجناحِ رَأْسَكَا
إِنَّك لن تُغْنِىَ عنِّى نَفْسَكَا
وهذه الأبيات طريفةٌ في معناها، وقعت من الأفراد وإن لم تكن من الكلام البارع.