أنشدت لبعض الأعراب:
[ ٧٣ ]
ولمّا نَزلْنا الساحليْنٍ تجاوبَتْ أبا عرنا لمَّا ازدَهَتْهَا النَّواعيرُ
وحنَّتْ نَوَاعيرُ الفُرَاتِ بأرضِهَا فلمَّا استحنَّت جاوَبَتْهَا الأبَاعِرُ
أبا عرنا بعض الحَنينِ فإنّه إلى غَير شيءٍ ما تحِنُّ النَّواعِرُ
سِوَى أنّهَا تُشجى الحزينَ الّذي به إلى رُؤيةِ الأَحبابِ داءٌ مُخَامِرُ
إذا نَحْن أخْفَيْنَا الَّدفينَ الّذي بنَامن الوَجْدِ نَمَّتْهُ الدُّمُوعُ البَوَادِرُ
وللمجنون:
باتَتْ تَحِنّ وما بها وَجْدُ وأحِنُّ من وَجْدٍ إلى نجْدِ
فدُموعُهَا تَسقى الرّياضَ بها ودُموعُ عَيْنى أَقْرحتْ خَدِّى
ولعبد الله ابن مسعود:
حَنَنْتُ إليك من شَجْوٍ وحَنَّتْ نواعيرُ الفُراتِ لغَيْرِ شجْوِ
١٢٣ - ألف خَلَوْنَ من الهَوَى ومُلئْتُ منه وليس أخو صَبَابَاتٍ كخلوِ
سَقَيْنَ الُحلْو من ثَمَرٍ وتسْقِى دُمُوعِى مِن هُمومى غَيْرَ حُلْوِ
وله أيضًا:
نَزَلْنَا بالفُرّات ضُحًى فحّنَّتْ نَوَاعِرُه حَنينَ المُعْوِلاتِ
وظلْتُ أحنُّ من شَوْقٍ وليسَتْ تحنُّ له نَوَاعِيرُ الفُراتِ
وبِتُّ من الصَّبَابَةِ مُستهامًا إليك وبِتْنَ مِنْهَا خالياتِ
سَوَاءً ما سَقَيْنَ وما جَرَتْهُ جُفونى من دُمُوعي الهاطلاتِ
وقلت:
نَزَلْنَا بأكْنافِ العِرَاق فهيَّجَتْ نَواعيرُه أحزانَنا حين حنَّتِ
تحِنّ وتَسْقى الرَّوْضَ ريًّا ولم تّذُقْ هَوَاىَ الّذي منه دُموعي اسْتَهلَّتِ
ولم تَعْرِفِ الشَّوْقَ الّذي في جَوانحي ولا حُرّقًا بين الضُّلُوعِ اسْتكنَّتِ
ولو عَلِمَتْ ما قَد لَقِيتُ ومُلِّكتْ لِسَانًا لبَاحَتْ بالهَوَى وتَشكَّتْ
ولعبيد الله بن مسعود:
ولمّا استَحَنَّتْ بالفُرَاتِ عَشيَّةً نَواعيِرُه كادَ الفؤادُ يَبينُ
تَحِنُّ بلا حُزْنٍ وشَوْقٍ أصابَهَا وللقَلْبِ من شَوْقٍ إليك حنينُ
سوَاءٌ بُكَاءُ العَيْنِ منّىَ والّذي بَكَيْنَ ولكنْ ما لَهنَّ عُيُونُ
على أّنّني والله قد أَقْرَحَ البُكَا جُفوني ولم تُقْرَحْ لهنّ جُفُونُ
ولأحمد بن محمّد المصِّيصيّ:
وَصَلَتْ نَوَاعيرُ الجِنانِ حنينَها فأَذْكَرت الهَوَى أخلاقُها
وكأَنّما طَفِقَتْ تُوَاصلُ أَدمُعي يَوْمَ النَّوَى وقد انْهمي مُهْراقُها
أعجِبْ بأجْسَامٍ بَدَائعَ خالَفَتْ فيخَلْقِهَا وتَنكَّرَتْ أخلاقُها
أفْواهُها أوْسَاطُها وعُيُونُها بجُنوبهِنَّ كثيرةٌ آماقُهَا
ولصالحٍ الدَّيلميّ يصف الدُّولاب:
ومُسْتَديرٍ بالا رُوحٍ تُدَبِّرُهُ يُديرُهُ قُطُبٌ في الأرضِ مَرْكوزُ
كأنّه فَلَكٌ تنقَضُّ أنْجُمُهُ إذا تَصَوَّبَ من كِيزَانِهَا كُوزُ
وللخبّاز البلديّ في دولاتب:
يَسُوقُ من جِجْلَةَ الرّوَاءَ له سَحَابَةٌ أُنْشِئَتْ من الخَشَبِ
نَجُومُ ماءٍ يُديرُها فَلَكٌ يكْثُرُ منه تَعَجُّبُ العَجَبِ
مُزمْزِمٌ ما يَبينُ مَنْطِقُهُ كقائِدِ التُّرْك غدْوةَ الشعبِ
يُتْعِبُ جِدًّا مُحصى تَقلُّبِهِ وهو مُعَافىً من شِدَّةِ التَّعَبِ
ولأبي طالب الحُسين بن عليّ:
بمشَعِّرٍ في السَّيْر إلاّ أنّه يَسْرِى فيمنعُهُ السُّرَى أن يَبْعُدَا
وَصَلَ الحَنينَ بعَبْرةٍ مسفوحةٍ حتّى حسبْناهُ مَشوقًا مُكَمَدَا
مُسْتَرْفِد ماءَ الفُراتِ ورافدٍ وَجْهَ الثَّرَى أكْرِمْ به مُسْتَرْفدا
[ ٧٤ ]
ينفى الصَّدَى عن رَوْضةٍ نَفَحاتُهَا أرَجٌ وبَرْدٌ يَشْفيَانِ من الصَّدَى
كَمُلتْ مَحَاسِنُهَا فنَشْرٌ يُرْتَضَى وفَوَاكهٌ تُجْنَى وظِلٌ يُرتْدى
وله أيضًا:
كأنَ دُولابَها إذْ حنَّ مُغْتَرِبٌ ناءٍ يَحِنُّ إلى أَوْطَانِه طَربَا
باك إذَا عقَّ زَهْرَ الرَّوْضِ وَالدُهُ مِن الغمامِ غَدَا فيهِ آبًا حَدِبَا
مُشمِّرٌ في مَسيرٍ ليس يُبْعِدُهُ عن المَحَلِّ ولا يُهْدى له تَعَبَا
ما زالَ يَطْلبُ رِفْد البَحْرِ مُجْتهِدًا للْبَرِّ حتّى ارْتَدى النُّوَّارَ والعُشبَا
وللصَّنوبريّ:
فلكٌ من الدُّولابِ فيه كَواكبٌ من مائِهِ تَنْقَضُّ ساعَةَ تَطْلُعُ
مُتَلوِّنُ الأَصْواتِ يَخْفِضُ صَوتَه بغِنَائِهِ طَوْرًا وطَوْرًا يَرْفَعُ
أبَدًا حنينُ الذِّئْبِ فيه مُرَدَّدٌ أبَدًا زئيرُ اللَّيْثِ فيه مُرَجَّعُ
كم صُوِّبت فيه سُمَاريَّةٌ مُوجِفَةٌ كالنِّقْنقِ النّافِرِ
ونَعرَتْ بالماءِ ناعورةٌ حَنينُهَا كالبَرْبَطِ النَّاعِرِ
وتارةً تَحْسبُها قيْنَةً تُردِّدُ اللَّحْنَ على زَامِرِ
كأنَّما كيزانُهَا أنْجمٌ دائرةٌ في فَلَكٍ دائِرِ
ويدخل في هذا البات ما جاء في العروب والأرحية فمن ذلك ما أنشدناه أبو القاسم العلويّ لأبي طالب الحسين ابن عليّ الأنطاكيّ:
وابْنةِ بَرٍّ لم تَبِنْ عن زُهْدِ
أضْحَى بها البَحْرُ قَرِيبَ عَهْدِ
تعَافُهُ وهْوَ زُلالُ الوردِ
فليْسَ تَحْبُوهُ بصفْوِ الوُدِّ
إلاّ برَبْطٍ عندَه وشَدِّ
لمّا نَضَتْ مَلاحِفَ الإفرِنْدِ
واتَّشحَتْ من الدُّجى ببُرْدِ
تَوسَّطَتْ سَكْرَ صَفيحٍ صَلْدِ
فأشْبَهَتْ وَاسطَةً في عِقْدِ
مُطلَّةً علىرِكَابِ الوَفْدِ
كأنّهَا أمُّ النّعامِ الرُّبْدِ
عَجَاجُها شَيْبُ بَنِيها المُرْدِ
وَاجِدّةٍ بالبَرِّ أيَّ وَجْدِ
تذكَّرتْ طِيبَ ثَرَاه الجعْدِ
أيّامَ تُغْذَى بجَنىً كالشُّهْدِ
ولَمْعِ بَرْقٍ وحَنينِ رَعْدِ
فَهْيَ تُعيدُ أَنَّةً وتُبْدِي
كما يَئنُّ مُوثَقٌ في العِدِّ
لولا امْتِدَادُ الطُّنُب المُمْتَدِّ
لشَمَّرَتْ تَشمِيرَ ذاتِ الجِدِّ
فصافَحَتْ خَدَّ الثَّرَى بخَدِّ
وأنشدني للحلبيّ:
ويا نغم العُرُوبِ إذا تَوَالتْ فوَالَتْ بيْنَ طِيبِ النَّغْمَتَيْنِ
وَموْفِفُنا بصَفَّيْهَا كأنَّا لدَى صَفَّيْ نعَامٍ وَاقِعَيْنِ
طُيُورٌ وَاقِعَاتٌ طائِرَاتٌ فيَالكَ مَنْظَرًا ذا مَنْظَرَيْنِ
بأجْنِحَةٍ لهَا في الصَّحُو نَوْءٌ يُقَصِّرُ عنه نوْءُ المِرْزَمَينِ
ويذكر فيها السُّفُن فيقول:
ويا سُفَنَ الفُرَاتِ بحَيْث تَهْوِى هُوِىَّ الطَّيْرِ بينَ الجَلْهَتَينِ
تَطَارَدُ مُقْبِلاتٍ مُدبِرَاتٍ على عَجَلٍ تَطارُدَ عَسْكَرَينِ
وأنشدني للأنطاكيِّ من قصيدة:
وللمَاءِ مِن حَولِنا ضَجَّةٌ إذا المَاءُ كافحَ تلك العُرُوبَا
حِبَالٌ تُؤَلِّفُها حِكْمةٌ فتَنْحُو البِحَارَ بها لا السُّهُوبَا
تُقَابِلُنا في قميصِ الدُّجَى إذا الأفْقُ أصبح منه سليبَا
حَيَازيمُها الدَّهْرَ منْصُوبةٌ تُعانِقُ للمَاءِ وَفْدًا غَريبَا
عَجِبْتُ لهَا شاحِبَاتِ الخُدو دِ لمْ يُذْهِبِ الرِّىُّ عنْهَا الشُّحُوبَا
إذا ما هَممنَا بغشْيَانها رَكِبْنا لَها وَلَدًا أو نَسِيبَا
يُجاوِرُها كُلُّ سَاعٍ يُرَى وإنْ جَدَّ في السَّيْرِ منها قَرِيبَا
[ ٧٥ ]
خَلِىُّ الفُؤادِ ولكنَّهُ يحِنُّ فيُشْجِى الفُؤَادَ الطُّروبَا
وله أيضًا:
وزنْجِيَّةٍ عُرِفَتْ بالإباقِ فلَيْسَ لها رَاحَةٌ من وَثَاقِ
إذا اضطربَ الماءُ مِنْ حَوْلها رأيْتَ الحِبَالَ بها في تَلاقِ
يَثُورُ بهَا قَسْطَلٌ أبيضٌ على القوْمِ غَيْرُ كَيِيفِ الرّوَاق
فأبْناؤُها المُرْدُ شِيبُ الرُّؤوِس وأبْنَاؤهَا السُّودُ بِيضُ التَّراقِي
رَكِبْنا إليه غَدَاةَ الصَّبُوحِ مَطَايَا تَخبُّ كدُهْمِ العِتَاقِ
فظِلْنا نُمِيتُ لَدَيْهَا الزِّقَاقَ إلى أنْ حَيِينَا بمَوْتِ الزِّقَاقِ
وله أيضًا:
وسَوْدَاءَ آبِقَةٍ قُيِّدَتْ فَمِنْ كُلِّ وَجْهٍ لها حَابِلُ
تَوَسَّطَتِ البحْرَ حتَّى نَأَى علَى مَن أَقامَ بها السَّاحِلُ
وحَنَّتْ إلى البَرِّ مُشْتقاقةً إليه كمَا حَنَّتِ الثاكِلُ
ودارَ لها فَلَكٌ خارجٌ يَدُورُ بِهِ فَلَكٌ دَاخِلُ
فسُكَّانُهَا الدَّهْرَ من نَقْعِها شَبَابٌ وشَيْبُهُم شامِلُ
إذَا رَامَهَا فارِسٌ نَالَهَا ويعَعْجِزُ عن نَيْلِهَا الرَّاجِلُ
وله أيضًا:
وقَوَاطِنًا في المَاءِ تَحْسَبُ أَنَّهَا شُمُّ الهِضَابِ لَبِسنَ لَيْلًا أَرْبَدَا
مِثْلُ الإماءِ السُّودِ خافَ إباقَها مَوْلًىفشَدَّ وَثَاقَها وتَشَدَّدَا
تَصَبَتْ حَيازِيمًا لها مشْعوفَةً بالمَاءِ تَمنَحُهُ عِنَاقًا سَرْمَدَا
لم تَخْلُ من زَوْرٍ يُشَاهِدُ مَعْرَكًا ذا قَسْطَلٍ فيَشِيبُ فيه أمْرَدا
بِدَعٌ إذَا ما الفِكْرُ حَاوَلَ وَصْفَها يَوْمًا تَحيَّرَ دُونَهَا وتَبلَّدَا
قال أبو القاسم: وكنّا مع أبي طالب على شربٍ، إلى جانب رحى على نهر الأرند، وهو النهر المقلوب، فقلت له: هل تعرف في الرَّحى شيئًا؟ قال: لا، ولكنّي أعمل السَّاعة، فعمل:
ومَنْزِلٍ رَقَّ به الهَواءُ
وطَابَ للشَّرْبِ به الثَّوَاءُ
بَنِيَّةٌ ما حَوْلَهَها بِنَاءُ
كمَا أُقِيمَ في يَدِ إنَاءُ
تَرْكُضُ فيه فَرَسٌ دَهْمَاءُ
تَكْنُفُهَا عَجَاجَةٌ بَيْضَاءُ
تَجْرِى وإِنْ أَعوزَهَا الفَضَاءُ
مَيْدَانُهَا وجِسْمُهَا سَوَاءُ
يَحْفِزُها جَارٍ له ضَوْضَاءُ
كِلاهُمَا لمَعْشَرٍ نَمَاءُ
يَوْمُ سُرُورٍ مابِه خَفَاءُ
ولَيْلَةٌ مُسْفِرةٌ غَرَّاءُ
رَحَاؤُها إنْ دَرَجَتْ رَحَاءُ
تَبْرُدُ مِن نَسِيمِها الأَحْشَاءُ
غُرَّةُ دَهْرٍ كُلُّه ظَلْمَاءُ