الباشق رقيقٌ لا يحمل الحرَّ ولا البرد، وإنّما يلعب فيه في الفصلين، وهو بطىء التأديب، لا يلعب به ويقوِّمه إلاّ أحذق الطُّرّاد، لدقَّة لعبه وتقويمه، ولم تقل فيه الشُّعراء كبير شيء إلاّ ما قد ذكرناه، واليؤيؤ في صلبة الصقر وصبره على البرد والحرّ، وهو من جنسه، ويشبهه في لونه.
قال أبو نواسٍ في يؤيؤٍ:
ويُؤْيُؤٍ أَسْفَعَ كالدّينارِ
أَدْكَن قَدْ وُشِّىَ باحْمرارِ
بنُقِطٍ مَلائِحٍ صِغَارِ
حُرٍّ يُقِرُّ أَعْيُنَ الأَحْرَارِ
كأَنَّ عُشْرَيهِ لَدَى الأَمْطَارِ
سُودُ مَدَارِى الخُرِّدِ العَذَارِى
يَعْمدُ للهَدَاهِدِ الصِّغَارِ
فمَا تَرَاهُ أعْينُ النُّظَّارِ
من خَطْفِه يَذْهَب بالأَبْصَارِ
حَتّى يَقُدّ ثَبَجَ الفَقَارِ
وله فيه:
قد أَغتِدى واللّيْلُ في مُكْتَمِّهِ
بيُؤْيُؤٍ أَسفعَ يُدْعَى باسْمِهِ
مُقابَل من خالِه وعَمِّهِ
فأَيُّ عِرْقٍ صالحٍ لم يَنْمِهِ
وقانِصٍ أَخْفَى به من أُمِّهِ
لوْ يَستطيعُ قَاتَه بَحْمِهِ
ما زَال في تَقديحِه ونَهْمِهِ
يُوحِى إليه كَلِماتِ عِلْمِهِ
يَقِيه من بَرْدِ الثَّرَى بكُمِّه
تَوْقِيَةَ الأُمِّ ابْنَها في ضَمِّه
بمَا يلذُّ أَنْفُها من شَمِّهِ
[ ١١٥ ]
يُنَازِلُ المُكّاءَ عند نَجِمِهِ
بِالغَتِّ أَو يَنْزِلُ عند حُكمِهِ
يَرْكَبُ أَطرافَ الصُّوَى بخَطْمِهِ
وقد سَقَاهُ عَلَالً من سَمِّهِ
وله فيه:
قدْ أَغتدِى واللّيلُ في دُجَاهُ
كطُرَّةِ البُرْدِ على مَثْنَاهُ
بيُؤْيؤٍ يُعْجِبُ من يَرَاهُ
ما في الْيَآيِى يُؤْيؤٌ شَرْوَاهُ
من سُفْعَةٍ طُرَّ بها خَدّاهُ
أَزْرَقُ لا تَكْذِبُه عَيْنَاهُ
فلو يَرَى القَانِصُ ما يَرَاهُ
فَدَاهُ بالأُمّ وقد فَدَاهُ
مِن بَعْدِ ما تَذْهب حِملاقاهُ
لا يُوئِلُ المكّاءَ مَنكِباهُ
ولاَ جَناحانِ تَكنَّفاهُ
منه إِذا طارَ وقد تَلاهُ
دُون انْتِزَاعِ السِّحْرِ من حَشَاهُ
لو أَكثرَ التَّسبيحَ ما نَجّاهُ
هو الّذي خَوّلَناهُ الله
وقال أيضًا في الكلاب واليؤيؤ:
قد اغتدى مع القَنْيص المُدلجِ
بنَاطحٍ وعاطِفٍ ودُمْلُجِ
وكلّ مَحبوكٍ قرَاهُ مُدْمَجِ
مُحنِّبٍ أَضلاعُه مُعَوَّجِ
من السَّلوقِيَات غَير الأَجْنَجِ
ويُؤيؤٍ كالحَجَرِ المُدَحْرَجِ
قد رِيض في بَرْد جِبَالِ تَوّجِ
طَوِيلِ دفِّ ظَهْرِهِ مُدَبَّجِ
بمَنْسِرِ أَعْقَفَ مثْل المَنْسِجِ
كأنّما جَلَّى بعَيْنَى زُمَّجِ
ولشرشير في يؤيؤٍ:
ويُؤيُؤٍ بحُوّةٍ مجَزّعِ
مُخطَّطٍ بحِبَرٍ مدَرَّعِ
قد طُرَّ خَدّاهُ بلَوْنٍ أَسْفَعِ
كأَنّه من حُسْنِه في بُرْقُعِ
أَسْرَعَ ختْلًا من غُرَابٍ أَبْقَعِ
يَكادُ من مَيْعَتِهِ في المَنْزَعِ
يَسْبِق آناءَ الزّمَانِ المُسْرِعِ
وله في اليؤيؤ والباشق:
هل لك يا بْنَ القَانِصِ البطْرِيقِ
في يُؤْيؤٍ مُهذَّبٍ رَشِيقِ
كأَنّ عَيْنَيْه لدى التّحديقِ
فَصَّانِ مَخْروطانِ من عَقِيقِ
أَو باشَقٍ مُهّذَّب ممشوقِ
أٌقمَرَ مَوْشِىِّ الحُلَى مغروق
ميسر التقريج والتَّعريقِ
تَسْيِيرَ بُرْدٍ ناعِمٍ رَقِيقِ
فهْو بحُسْنِ المنظَر الأَنيقِ
أَجْلَبُ المعِشْقِ من المَعشوقِ
أَسْرع في الهُفُوِّ من حَرِيقِ
وفي اقْتِنَاصِ الطَّيْر من بُرُوقِ
يَفْعَل فِعْلَ الأَجْدلِ السَّحوقِ
وكلّ بَازىٍّ وسَوْذَنيقِ
فَهْوَ على مَنْظرِه المَرْمُوقِ
نِهَايةٌ في النَّفْعِ للصَّديقِ
والرِّفْدِ والقَضَاءِ للحُقُوقِ
وله أيضًا:
ويُؤيؤِ حُزْتُه من رأْسِ شاهِقةٍ جَلْسٍ يُرِيك شُخُوصَ الناسِ أَشباحَا
شَئْنِ السُّلاَمَى رَحِيبِ المنخرَيْنِ إِذا أَراحَ من غَيْرِ بُهْرٍ خِلْتَهُ ارْتاحَا
تَرى قَرَاهُ ودَفَيْه فتَحسبُها لأَحْرُفٍ سُطِرت فيهنّ، أَلواحَا
يُجِيلُ طَرْفًا يَرَى ما لَسْتَ مُدرِكَه بعيد مُطّرَجِ الأَجفانِ لَمَّاحَا
يَكادُ يَعلَمُ ما تُخْفِيه مُهْجَتُهُ من الحُقُودِ إِذا ما اهْتَزَّ أَوْصَاحَا
ولمحمد بن سعيد في باشقٍ:
قد أَغتدِى واللَّيْلُ حَيْرانُ الغَسَقْ
لم يَهْدِهِ قَطُّ إِلى نورِ الفَلَقْ
ببَاشقٍ يَرُوقُ عَيْنَىْ مَنْ رَمَقْ
مُسْتَحسَنِ الخِلْقةِ مَحمُودِ الخُلُقْ
يَمُرُّ كالسَّهْمِ إِذا السَّهْمُ مَرَقْ
أَسْرَع من خَطْفَةِ بَرْقٍ قد بَرَقْ
لو سابقَ الأَقدارَ أَعْطَتْه السَّبَقْ
إِذا رَأَتْه الطَّيْرُ مَاتَتْ مِن فَرَقْ
يَحُطُّهَا للأَرْضِ من أَعْلَى الأُفُقْ
يَسْطُو عيها بمَخَالِيبٍ ذُلُقْ
مُرْهَفَةٍ حُجْنٍ كأَنْصَافِ الحَلَقْ
ومنْسَرٍ ما يَلْقَ يَتْرُكْهُ مِزَقْ
فصَادَ عِشْرِين وعَشْرًا في نَسَقْ
وراحَ إِنْ يُضْبَطْ نَشَاطًا لا يُطَقْ
فنَحْنُ في مُصْطَبَحٍ ومُغْتَبَقْ
وصَفْوِ عَيْشٍ لم يُكدَّرْ برَنَقْ
فالحمدُ للهِ علَى ما قَدْ رَزَقْ
ولعبد الله بن محمّد:
أَخَفُّ القَوَانِصِ جِسْمًا ورُوحًا وأَجْمَعُها لأُمورٍ أُمورَا
[ ١١٦ ]
وأَكْرَمُهَا باشقٌ حاذِقٌ يُسَاوِى البُزَاةَ ويَشْأَى الصُّفُورَا
يُقَلِّبُ عَيْنَيْن ياقُوتَتَيْنِ تَرَى التِّبْرَ حَولَهما مُستدِيرَا
ولأحمد بن الحسين المتنبيّ في باشقٍ للحسن بن عبيد الله صاد به سمانى:
أَمِنْ كلِّ شَىْءٍ بلَغْت المُرَادَا وفي كلّ شَأْوٍ شأَوْتَ العِبادَا
فمَاذا تَركْتَ لمَنْ لم يَسُدْ وماذا تَركتَ لِمَن كان سادَا
كأَنّ السُّمَانَى إِذا ما رَأَتْكَ تَصَيَّدُهَا تَشتَهِى أَن تُصَادَا
ولأبي الفتح الكاتب المعروف بكشاجم:
مَرَّ بنا في كفِّه باشقٌ فيه وفي الباشق شىْءٌ عَجيبْ
ذاكَ يَصِيدُ الطَّيْرَ من حالِقٍ وذَا بعْينَيْهِ يَصِيدُ القُلوبْ
ولأبي نواس في فنون الطَّرد:
قد أَغتدِى واللَّيْلُ كالمِدَادِ
والصُّبْحُ يَنْفِيهِ عن البِلادِ
طَرْدَ المَشِيب حالِكَ السَّوَادِ
غُدوَّ باغِى قَنَصٍ مُعتادِ
في فِتْيَةِ من مَعْشَرٍ أَنجادِ
بالخَيْلِ والكِلابِ والفِهَادِ
وتَوَّجىٍّ طَيِّعِ القِيَادِ
جَلَّ عن الصِّفَاتِ والأَنْدادِ
ذِى حجَنَاتٍ صَدْقَةٍ حِدَادِ
وللمريميّ:
قد بَاكرَ الصَّيْدَ في صِيدٍ تَخَيَّرَهُم كالبَدْرِ حَفَّتْهُ منهم أَنْجمٌ زُهُرُ
فغَادَرَ الوَحْشَ من صَرْعَى بأَسهُمِهِ كأَنَّهَا يومَ فَتْحِ الرَّقَّةِ الجُزُرُ
ومن طَوَالِعَ جَرْجَى من جَوَارِحِه ذا يَستقِلُّ وذا بالتُّرْب مُنْعَفِرُ
هاتِيك يَقْضِى عليها السَّهْمُ والوَتَرْ وتِلك يَحْكُمُ فيها النَّابُ والظُّفُرُ
شُهْبُ السَّمَاءِ وشُهْبُ الأَرضِ تَلْحقُها عُلْوًا وسُفْلًا فما تُبْقِى ولا تَذَرُ
في إِثْرِ مُنُحرِفٍ منهنّ مُنْعطِفٍ وفوقَ مُنْحَدِرٍ منهنّ مُنْكَدِرُ
تُطْوَى إِذا انتَشَرَْ قَسْرًا وَأَيْنَ بهاعن حَتْفِهَا وَهْىَ تُطْوَى حين تَنْتَشِرُ
ولديك الجنّ من قصيدة:
وغُضْفًا يَنْتَظِمْنَ الأَرْضَ نَظْمًا تَنَثَّرُ فيه حَبّاتُ النُّفُوسِ
لها في كلِّ مَعرَكةٍ ضجَاجٌ ودَاهِيَةٌ كدَاهِيَةِ البَسُوسِ
وسِرْب حُبَاريَاتٍ فَوْقَ جَلْسٍ أُشَبِّهُهُ بمَشْيَخَةٍ جُلُوسِ
وفيها:
بَطاوِيَةِ الأَجَادلِ أَو بُزَاةٍ مُحَمِّجَةٍ لدَاهِيَةٍ شَمُوسِ
تَرَاهَا في بُرَاها مُنْغِضَاتٍ بأَرْؤُسها بحسٍّ أَو حَسِيسِ
فأُمُّ الطَّيْرِ في شَرٍّ وعَرٍّ وأُمُّ الوَحْشِ في يومٍ عَبُوسِ
وفيها:
وأَحْمر مذْبحٍ وقَرًا وزَوْرٍ هَمُوس زِيَارَةِ القِرْنِ الهَمُوسِ
وأَبْيَض ما اطْمَأَنَّ من الذُّنَابَى إِلى الحاذَيْنِ كالقَصَبِ اللَّبِيِس
وأَسْوَدَ لهْذَمِ السَّيْرَيْنِ جَوْنٍ وأَزْرَق مِنْسَرٍ أَقْنَى نَهُوسِ
وأَصْفَر قِمّةٍ وحَجَاج عَيْنٍ فتَحسبُه تَكحَّلَ من وُرُوسِ
إِذَا بُعِثَت سَمِعْتَ لها زُهاءً وجَهْوَرَةً كجَهْوَرَةِ القُسُوسِ
كأَنّ على القَرَا دِيباجَ وَشْىٍ تَكَشَّفَ عن غُلاَلَةِ خَنْدَرِيسِ
كأَنّ جَآجِئًا منْهَا وهَامًا أَعارَتْهَا النُّفُوسَ يَدَا عَرُوسِ