[ ٨٠ ]
في هذا الباب ذكر منازل الأحباب وديارهم وأطلالهم وآثارهم، ومن وقف على آثار ديار أحبابه فعرفها أو شكّ فيها، وذكر من هيَّجته الرُّسوم فبكى بدمعه السَّجوم، حين عاين آثار أحبابه بعد الفراق، فتذكَّر أيّامهم وحنَّ واشتاق، وخاطب الدّار، وبكى على ما عفا من الآثار، إلى غير ذلك من ذكر السَّراب والآل، إن شاء الله.
قال أبو بكر محّمد بن الحسن: من أحسن ما خوطبت به الدّيار قول عدىّ بن الرِّقاع:
فسُقيتِ من دارٍ، وإِن لم تَسمَعِى أَصواتَنا، صَوْبَ الرَّبِيع المُسْبِلِ
ورُعِيتِ من دارٍ وإِن لم تَنْطِقِى بجَوَابِ حاجِتنا وإِن لم تَعْقِلىِ
قد كَانَ أَهْلُكِ مَرّةً لك زِينَةً فتَبَدَّلوا بَدَلًا ولم تَسْتَبْدِلىِ
فابْكِى إِذَا بَكَتِ المنَازلُ أَهلَها مَعْذورَةً وظَلَمْتِ إِن لم تَفعَلِى
ولأبي المشيَّع جبر بن خالد بن عقبة بن سلمة بن بعمرو بن الأكوع:
أمَنْزِلَتَىْ جُمْلٍ سلامٌ عليكما وإِن هِجْتما شَوقًا ولم تَنْفَعَا صَبَّا
يُبَرّحُ بي أَلاّ أَزالَ أَراكمُا فيغصبُنِى لُبِّى الهَوَى منكما غَصْبَا
أَلاَ طالَما هَيَّجْتُمَا بُرَح الهَوَى بقَلْبٍ سَقيمٍ لم يُطِق للنَّوَى شَعْبَا
ولمكنف بن ثميلة من ولد زهير بن أبي سلمى:
حَتَّى متَى أَنا بالدِّيارِ تَبِيلُ وجَدَى الدِّيَارِ ونَفْعُهُنّ قَلِيلُ
هَاجَتْ بذِى بَقَرٍ عليك صَبَابَةً دِمَنُ الدِّيَار ورَسْمُهنّ مُحِيلُ
إنّ المَنَازِلَ لا تَزالُ على البِلَى بالطَّلْحِ تَشْعَفُنى لهنّ طُلولُ
فسَقَى بذِى بَقَرٍ دِيَارَكِ مُسْبِلٌ هَزِمٌ يَجود عِرَاصَهَا ويَسِيلُ
ولغيره:
ذَكَّرَنِى وَادِى الأَرَاكِ المُجدِبُ
عَهْدَ صِبىً فيه لَسَلْمَى مَلْعَبُ
وَهْوَ بعُمْرَانِ الجَميعِ مُخصِبُ
يَطِيبُ فيه عَيْشُهُم ويَعْذُبُ
فأخرَبَ العامِرَ دَهْرٌ مُخرِبُ
فالشَّكُّ فيه لليَقيِن يَحْجُبُ
يَبْعُدُ في ظَنٍّ به ويَقْرُبُ
مُصَدِّقٌ قَلْبِى وطَرْفِى مُكذِبُ
وهذا ممَّن عرف دياره وديار أحبابه بقلبه، وأنكره طرفه لتغيُّره، وأوّل من نطق بهذا المعنى امرؤ القيس.
حدَّثني عليُّ بن الصَّبَّاح ورَّاق أبي محلّمٍ، قال أبو محلّم: أتعرف لامرىء القيس أبياتًا سينيَّةً قالها عند موته في قروحه والحلَّة المسمومة التي ألبسها غير أبياته ال أوَّلها:
ألما على القديم بعسعساه
فقلت: لا أعرف غيرها فقال يلى أنشدي جمامة من الرواة:
لِمَن طَلَلٌ دَرَسَتْ آيُهُ وغيَّرهُ سالفُ الأحْرُسِ
تنكَّرهُ العَنْنُ من حادثٍ ويَعرِفُه شَعَفُ الأَنْفُسِ
فهذا المعنى الذي ابتدأه امرؤ القيس، وأحسن كلَّ الإحسان فيه، وجاء به المحدث في أبياته الرَّجز التي ذكرتها، وأنا أذكر أبيات امرىء القيس لأنّها غريبة حسنة ثم أعود إلى ذكر من أخذ منه هذا المعنى:
فإمّا تَرَيْنِىَ بي عَرَّةٌ كأَنِّي نَكيِبُ من النِّقْرِسِ
وصَيَّرني القَرْحُ في جُبَّةٍ تُخالُ لَبِيسًا ولم تُلْبَسِ
تَرَىْ أَثَرَ العَرّ في جلدْتى كما تَرْقُمُ الكَفّ في الأَطْرُسِ
وتُنْقُش فيه على نكْأةٍ كما ينقشُ الخَتْمُ في الجِرجسِ
فياربَّ يوم أجرِّع فيه المنيّة من شئت بالأكؤس الجرجس طين الختم، والجرجسانة الطِّينة منه والجرجس من البقّ يقال له: القرقس، فأخذ طريح بن إسماعيل الثَّقفىُّ قوله:
تنكَّرُهُ العينُ من حَادثٍ ويَعرفُهُ شَعَفُ الأَنفُسِ
وقال:
يَسْتَخْبِرُ الدِّمنَ القِفَار ولم تكن لِتَرُدَّ أَخْبَارًا على مُسْتَخبرِ
فظَللْتَ تَحْكُم بين قَلْب عارِفٍ مَعْنَى أَحِبَّتِهِ وطَرْفٍ مُنكِرِ
فأخذه أبو نواس فقال إلاّ أنّه قلبه فجعل الإنكار للقلب:
[ ٨١ ]
أَلاَ لاَ أرَى مثْلي امْتَرَى اليوْمَ في رَسْمِ تَعرَّفُهُ عَيْنى ويَلفِظُهوَهْمِىَ
ولو كان تنكره عينى ويعرفه وهمي لكان كالأوّل، ولعلّ أبا نواس قصد الخلاف وأعجبه قوله ويلفظه وهمي لأنّها لفظةٌ مليحةٌ، وقد تملَّح الحسن بن وهب بهذا المعنى إلاّ أنّه أجمله ولم يذكر القلب، من قصيدة:
أَبْلَيْت جِسْمِى من بَعدِ جِدَّته فما تكَادُ العُيُونُ تُبصِرُهُ
كأَنَّه رَسْمُ مَنزلٍ خَلَقٍ تَعْرِفُه العينُ ثمّ تُنْكِرُهُ
وزعم يحيى بن منصور الذُّهليّ أنّه عرف معاهد أحبابه فكتمها عينه فقال:
أَما يَتَفيق القَلْبُ إلاّ انْبَرَى له تَذكُّرُ صَيْف من سُعَادَ ومَرْبَعِ
أُخَادِعُ عَنْ عِرْفَانِهَا العَيْنَ إِننّيمَتَى تَعْرِفِ الأَطْلاَلَ عَيْنِىَ تَدْمَعِ
وقال غيره:
هي الدارُ التي تَعْرِ فُ أَو لاّ تَعْرِفُ الدَّارَا
تَرَى فيها لأَحبابِ ك أَعلامًا وآثارَا
فيُبْدِى القَلْبُ عِرْفانًا ويُبدِى الطَّرْفُ إنْكارَا
ولربيعة بن مقروم:
أَمِنْ آلِ هِنْدٍ عَرفْتَ الرُّسُومَا بحُمْرَان قَفْرًا أَبَتْ أَن تَرِيمَا
تَخَالُ مَعَارِفَهَا، بعدَما أَتَتْ سَنَتَانِ عليها، الوُشُومَا
وقَفْتُ أُسَائلُهَا ناقَتي ومَاذَا يَرُدُّ سُؤالي الرُّسومَا
وذَكَّرَني العَهْدَ آياتُهَا فهَاجَ التَّذَكُّرُ قَلْبًا سٌقِيمَا
وأنشد الحسن بن يحيى:
يا ديارَ الصِّبَا سَقَتْك الرِّهامُ حانَ من لَهْوِك اللَّذيذِ انْصِرَامُ
أَيُّ عَيْشٍ مَضَى بمَغْنَاك رَطْبٍ ونَعِيمٍ أَوْدَتْ به الأيّامُ
لمْ تَدَعْ فيكِ مُبْلِيَاتُ اللَّيَالي جِدَّةً فالجَديدُ منك رِمَامُ
كُنْتش بالآنِسَاتِ مُؤْنَسَةَ الرَّبْ عِ وعَنْكِ الخُطوبُ غُفْلُ نِيَامُ
وبُكَاءُ الطُّلُول يَشفِى منَ الوَجْ د إِذا بَانَ ساكنوهُ الكِرَامُ
وأيضًا
عَرَفْتُ لِسَلْمَى بالحِمَى مَنْزِلًا قَفْرَافأَسَبلْتُ دَمْعًا لا جَمُودًا ولا نَزْرَا
أَقول لصَحْبي والمَدَامعُ تُمتَرَى بما في الحَشَا مِن لَوْعَةٍ خِلْتُها جَمْرَا
قِفُوا وَقْفَةً فيها شِفَاءُ لذِى الهَوَىمن الوَجْد لا بَلْ تُدْرِكُونَ بها الأَجْرَا
فما بَعْدَ ذا اليومِ ارْتجاعُ ونَظْرةُ إلى الدَّارِ إِلاَّ أَنْ نَمُرَّ بها سَفْرَا
فقالُوا أَحقًّا لا تَزالُ مُكلَّفًا بمعْهدِ دارٍ لا تُبِينُ لَنَا خُبْرًا
وماذَا الّذي يُغنِى إِنِ الرَّكْبُ أَوْقفُوا رِكابهُمُ في منْزِلٍ قَد عفَا عَصْرا
فقُلْتُ وطَالَ اللَّوْمُ حُيِّيتَ مَنْزِلًاأَطَالَ الشَّجَى أَوْ هاجَ مِن أَهْلِه ذِكْرَا
سَقَتْك الغوادِى وابِل المُزْنِ وارْتَدتْ عِرَاصُك مِن سُقْيَاهُ أَرْدِيةً خُضْرَا
ولأحمد بن أبي طاهر:
تِلْك الدِّيارُ لَوَ أنَّهَا تَتَكلَّمُ كانَتْ إليكَ من البِلى تَتظَلَّمُ
دَرستْ مَغانِيها ومَحَّ جَدِيدُها بل عَاد رسْمًا رَبْعُها والْمَعْلمُ
لم يَبْقَ منها غيرُ آثَارِ الصِّبَا ومَعاهِدٌ يَشْجَى بهنَّ المُغْرَمُ
وأنشدنا محمّد بن يحيى قال: أنشدني أبي:
سَقَى اللهُ أَطْلاَلًا بأَكثِبةِ الحِمَى وإِن كُنَّ قد أَبْدَينَ للنّاس مَابِيَا
مَنَازِلُ لو مَرَّتْ بهنّ جنَازَتي لصَالحَ الصَّدَى يا صاحِبَيَّ انْزِلاَ بِيَا
وأنشد يعقوب بن السكّيت لأعرابيّ:
خليلّيَّ عُوجا من صُدُورِ الرَّكائبِ على طلَلٍ بين اللِّوَى فالمَذَانبِ
قِرىً لزَمَانٍ قد تَقارَبَ مُقْبِلٍ وبُقْيَا زَمَانٍ قد تَقادمَ ذَاهبِ
[ ٨٢ ]
هذا الأعرابيّ جعل الطَّلل وهو ما شخص من آثار الدِّيار قوتًا للزَّمان، قد أكل الماضي منه، وقد بقيت منه بقيةٌ لما يأتي من الزَّمان.
ولقيس بن الخطيم:
أَتَعرِفُ رَسْمًا كاطِّرَادِ المَذَاهِبِ لِعَمْرَةَ وَحْشًا غيرَ مَوْقفِ راكِبِ
دِيار الّتي كادَتْ ونحن على مِنىً تَحُلُّ بنا لَوْلاَ نَجَاءُ الرَّكائبِ
قال أحمد بن يحيى اطّراد المذاهب ذهابها ومجيبئها، قال: والمذاهب: أجفان السُّيوف وغير موقف راكب قد استوحش منها إلاّ أن يمرّ راكبٌ بها فيقف متعجِّبًا لخلائها، وقال ابن حبيب: المذاهب: ألواحٌ مذهبةٌ وصحف مذهبةٌ كان يكتب فيها إلى الملوك ولا يكلَّمون.
وأنشد للنابغة الذُّبيانيّ:
وأَبْدَتْ سِوَارًا عَنْ وُشُومٍ كأَنَّهَا بَقِيَّةُ أَلْواحٍ عَلَيهنّ مُذْهَبُ
قال أحمد بن يحيى: أبدت سوارًا، أي كانت الرِّيح ساورت التُّراب، فأبدت عن وشوم، وهي رسوم الدِّيار. وللوليد بن عبيد:
أَمَحَلَّتَي سَلْمَى بكاظِمَةَ اسْلَمَا وتَعَلَّمَا أَنّ الهَوَى ما هِجْتُمَا
هل تُرْوِيَانِ من الأَحبّةِ هائمًا أَو تُسْعِدَانِ على الصَّبابَة مُغرَمَا
أَبكِيكما دَمْعًا لو أنّي علَى قَدْرِ الجَوَى أَبْكِى بَكَيْتُكُمَا دَمَا
أَينَ الغَزَالُ المُسْتَعِيرُ من النَّقَا كَفَلًا ومِن وَرْدِ الأَقَاحِى مَبٍْسِمَا
خُلِّفْتُ بعدَهُمُ أُلاحِظُ نِيَّةً قَذَفًا وأَنْشُدُ دَارِسًا مُتَرَسِّمَا
طَلَلًا أُكَفْكِفُ فيه دَمْعًا مُعْرِبًا بجَوىً وأَقْرَأُ منه خَطًّا أَعْجَمَا
تَأْبَى رُبَاهُ أَن تُجِيبَ ولم يَكُنْ مُسْتَخْبَرٌ ليُجِيبَ حتَّى يَفْهَمَا
وله أيضًا:
لدَارِكِ يا سَلْمَى سَمَاءُ تَجُودُهَا وأَنْفَاسُ رِيحٍ كُلَّ يَوْم تُعُودُهَا
وإِن خَفَّ مِن تلك الرُّسُومِ أَنِيسُهَا وأَخْلَقَ من بعْدِ الأَنِيسِ جَدِيدُهَا
مَنَازِلُ لا الأَيّام تُعْدِى على البِلَى رُبَاهَا ولا أَوْبُ الخَلِيطِ يُفِيدُهَا
وعَهْدِى بها من قبْلِ أَن تَحكُمَ النَّوَى على عِينِهَا أَلاَّ تَدُوم عُهُودُهَا
بَعِيدةُ ما بين المُحِبِّينَ والجَوَى ومَجْمُوعَةٌ غِيدُ اللَّيَالِي وغِيدُهَا
وللقصافيّ الأصغر:
محَلُّ الحيّ بالنّقوَين أَضحَى خلاءَ الرَّبْعِ مَهجورَ النَدِىِّ
تحمَّلَ أَهلُه ولقد أَراهُ شِفاءَ صَبَابةِ القَلبِ الشَّجِىِّ
ولأبي حفص الشَّطرنجيّ:
يا مَنْزِلًا دَرَسَتْ طُلُولُهْ وعَفَتْ مَعَالِمَه سُيُولُهْ
أَضْحى ولَيْسَ برَبْعِه إلاَّ الوُحُوشُ به تَجُولُهْ
ولعبد الله بن المعتزّ:
أَيُّ رَبْعٍ لآلِ هِنْدٍ ودَارِ دَارِسًا غَيْرَ مَلْعَبٍ وأَوَارِى
وثلاثٍ دَنَوْنَ لا لاشْتِياقٍ جالِسَاتٍ على فَرِيسَةِ نارِ
وعِرَاص جَرَتْ عليها سَوَفي ال رِّيح حَتّى غُودِرْن كالأَسْطارِ
ومَغَانٍ كانتْ بها العَيْنُ مَلْأَى من غُصُونٍ تهتزُّ في أقمارِ
سَحَقَتْهَا الرِّيَاحُ في كُلِّ فَنٍّ ومَحَتْها بَوَاكرُ الأَمْطَارِ
أين أَهلُ الدِّيارِ عَهْدِي بهم في هَا جَمِيعًا لا أَيْن أَهْلُ الدِّيارِ
هذا من قول البحتري:
أَين أَهلُ القِبَاب بالأَجرعِ الفَرْ دِ تَوَلَّوا، لا أَيْنَ أَهْلُ القِبابِ
ولعبد الله أيضًا:
لمَنْ دارٌ ورَبْعٌ قَد تَعَفَّى بنَهْرِ الكَرْخِ مَهجور النَّوَاحِي
إذا ما القَطْرُ حَلاّهُ تَلاقَتْ على أَطلالِه أيدِي الرِّياحِ
مَحَاهُ كلُّ هَطّالٍ مُلِحٍّ بوَبْلٍ مِثْلِ أَفْوَاهِ الجِرَاحِ
[ ٨٣ ]
فباتَ بِلَيْلِ باكِيَةٍ ثَكُولِ ضَرِيرِ النجْمِ مُتَّهَمِ الصَّبَاحِ
وأَسفَرَ بعد ذلك عن سَمَاءٍ كأَنَّ نُجُومَهَا حَدَقُ المِلاّحِ
وللبحتريّ:
هذي المنازلُ من سُعَادَ فسَلِّمَ واسْأَلْ وإِنْ وَجَمتْ فلم تَتَكَلَّمِ
آيات ربعٍ قدْ تأبدَ منجدٍ وحدوجُ حىً قد تحمل متهمِ
لؤمٌ بنَارِ الشَّوقِ إِن لمْ تحتدم وخَسَاسَةٌ بالدَّمْعِ إِن لم تَسْجُمِ
وله أيضًا:
آثَارُ نُؤْيٍ بالفِنَاء مُثَلَّمٍ ورِمَامُ أَشْعَثَ بالعَرَاءِ مُشَجَّجِ
دِمَنٌ كمِثْلِ طَرَائِقِ الوَشْمِ انْجلَتْ لَمَعَاتُهُنّ من الرِّداءِ المُنْهِجِ
يَضْعُفْنَ عن إِذكارِنَا عَهْدَ الصَّبَا أَوْ أَنْ يَهِجْنَ صَبَابَةً لم تَهْتَجِ
وللعبّاسيّ:
هاتِيك دَارُهمُ فعرِّجْ واسْأَلِ مَقْسُومَةً بينَ الصَّبَا والشَّمْألِ
فكأَنّنَا لم نَغْنَ بينَ عِرَاصِهَا في غِبْطَةٍ وكأَنّهَا لم تحْلَلِ
لَجَّتْ جُفونُك بالبكاءِ فخَلِّها تَسْفَحْ على طَلَلٍ لشروةَ مُحْوِلِ
وله أيضًا:
يا دَارُ يا دَارَ أَطْرَابي وأَسجاني أَبْلَى جَدِيدَ مَغَانِيك الجَدِيدانِ
لئِنْ تَخلَّيْتِ من لَهْوى ومن طَرَبي لقَدْ تَأَهَّلْتِ من هَمِّى وأَحزاني
جادَتْكِ رائحةٌ في إِثْر باكرةٍ تُرْوِى ثَرىً منك أَمسَى غير رّيّانِ
حتّى أَرَى النَّوْرَ في مَغناكِ مُبتسِمًا كأَنَّهُ حَدَقٌ في غَيْرِ أَجفانِ
لمَّا وَقَفْتُ على الأَطْلاَلِ أَبْكَاني ما كان أضحَكَني منْهَا وأَلْهَانِي
في كلِّ يَومٍ لعَيْنِي من جِنَايَتها فَيْضٌ أَمَا يَنْتَهِى عن ذَنْبِه الجَانِى
فمَا أَقولُ لدَهْرٍ شَتَّتَتْ يَدُه شَمْلِى وأَخْلَى من الأحباب أَوطَانِى
ولغيره:
ليت الدّيارَ إِذا تَحمَّلَ أَهلُهَا دَرَستْ فلم يُعلَم لها بمَكَانِ
إِنّ الدّيَارَ وإِن تَقادَم عَهْدُها مّما تُهَيِّج دَائمَ الأَحْزَانِ
ولآخر:
لَيْتَ الدِّيَارَ التي تَبْقَى لتَحْزُننا كانَتْ تَبِينُ إِذا ما أَهلُهَا بانُوا
يَنْأَون عنّا فلا تَنْأَىمَوَدَّتُهمْ والقَلْبُ فيهم رَهِينٌ حيث ما كانُوا
ولبعضهم:
يا مَنْزِلًا دَرَسَتْ منه مَعالِمُهُ قد قَطَّعَ القَلْبَ أَحزانًا وما عَلِمَا
نَفْسِى بأَهلِكَ مّذ بانُوا مُعَلَّقَةٌ حتّى يَعُودَ انْصِدَاعُ الشَّمْلِ مُلْتَئِمَا
فإِن يَكُنْ ذاكَ فالأَيّامُ مُحْسِنَةٌ وإِن بغَتْ فلَطَالَ الدهْرُ ما ظَلَمَا
وللتنوخيّ:
وطَالَ ما طَلَلْتُ دَمْعِي في طُلو لٍ خَفِيَتْ عن البِلَى مِن البِلَى
تَنَاهبَتْ أَيْدِي الهَوَاءِ رَسْمَها نَهْبَ الهَوَى أَنفُسَ أَبناءِ الهَوَى
فاقْتسمَتْها السارِيَاتُ مِثْلَ ما يَقْتِسِمُ المَأْسُورَ أَسْبَابُ الأَسَى
فهْيَ أَثافٍ مَاثِلاثٌ لمْ يَزَلْ بهَا الحَيا حتّى أَمَاتَها الحَيَا
وعَطْفَتَا نُؤْىٍ كنُونٍ عُرِّفَتْ أَو صُدُغٍ عُقْرِبَ أَوْ أَيْمٍ سَعَى
وأَشْعَثٍ لمْ تُبْقِ منه المُورُ إِلاّ مِثْلَ ما أَبْقَتْ من الصَّبْر النَّوَى
مَنَازِلٌ أَنْزَالُ مَن يَنزِلُهَا وَجْدٌ ودَمْعٌ وغَرَامُ وجَوَى
مَمْحُوَّةُ الأَطْلالِ كالطِّرسِ امَّحَى مُوحِشةٌ كالشِّيْبِ بالحُورِ سطا
كأّنَّها الإِلْفُ جَفَا أَو نَبْوّةُ الدّ هْرِ نَبَا أَو كَبْوَةُ الجَدِّ كَبَا
وله أيضًا:
[ ٨٤ ]
مَغَانِي تَصَابٍ جَمّعتْ فِرَقَ الصَّبَا على نَكْبِهَا نَكْبَاءُ مُورٍ وحَرْجَفُهْ
لَبِسْن نُحُولِى أَو لَبِسْتُ نُحُولَهَا فتَعْرِفُ فيهَا كُلَّ ما فِىَّ تَعْرِفُهْ
تُرَاحُ بأَنْفَاسٍ فُؤادِي مَهَبُّهَا وتُسْقَى بمُزْنٍ دَمْعُ عَيْنِى يُكَفكِفُهْ
ولا غَرْوَ أَن يَبْلَى بِلَى الدّارِ مُغْرَمًافإنَّ بِلَحْظِ العَيْنِ يُدْنَفُ مُدْنَفُهْ
مَنَازِلُ أَنْزَالي إِذا ما نَزَلْتُهَا أسًى وقِرَى عَيْنِى بها الدَّمْعُ تّذْوفُهْ
تَحيَّفْنَ أيْدِي نَوْئِهَا أَيْدَ نُؤْيِهَا فلم يَبْقَ للأَيّامِ ما تَتَحَيَّفُهْ
وله أيضًا:
مَرَابِعُ لو كُنّ المَرَابِعُ أَنجمًا لَكُنّ نُجُومًا للنُّجومِ المَوَائِلِ
أَشَاعِتُ كالخيلانِ في خَدِّ كاعِبٍ ونُؤْىٌ طَوَاه النَّأْىُ طَىَّ الخَلاخِلِ
وقَفْتُ بها والصَّبْرُ ليس بوَاقِفٍ عَلىّ ورُوحِي رَاحِلٌ في الرَّواحِلِ
وما زُرْتُهَا إِلاّ استَزارَتْ مَدَامِعِى فجاءَتْ بسُحْبٍ كالسَّحابِ الهَواطِلِ
وما اسْتَنْزَل الأَجْفَانَ مِن عَبَراتِها ، ولا سِّما أَن أَقفرَت، كالمَنَازِلِ
وللزُّريقيِّ:
تَسمَّعْ للمَنَازِل ما تَقولُ لأَمْرٍ ما تَكَلَّمِ الطُّلولُ
وكيفَ يُجِيبُ سائلَه مَحَلٌّ بسُلْمَانين من سَلْمَى مُحِيلُ
ومِثْل المستهامِ أَخِى التَّصَابِى شَجَتْ أَطْلالُهَا الدُّرسُ المُثُولُ
وقلت:
مَغَانِى الهَوَى هَيَّجْنَ قَلْبًا مُتَيَّمًامُعَنًّى بأَشْجانِ الصَّبَابةِ مُغْرَمَا
وَقَفْتُ على أَطْلالِهَا مُتَرسِّمًا فكادَتْ لفَرْطِ الشُّوْق أَن تَتكلَّمَا
عُهُودٌ عَهِدْنَاهَا تَشوقُ قُلوبَنَا سَقَاهَا عِهَادُ المُزْنِ ريًّا ودَيَّمَا
رَبَعْتُ على رَبْعٍ بها ولَطالَمَا غَنِيتُ بمَغْنَاهُ زَمَانًا تَجَرَّمَا
عفَتْ آيَهُ الأَنواءُ حتَّى تَغيَّرتْ مَعَالِمُه بَعْدِى وقد كان معْلَمَا
فيالَكَ مِن رَبْعِ التَّصَابِي ومَنْزِلٍ خَلاَ اللَّهْوُ منه حين خَلَّيْنَه الدُّمَى
لقَدْ هَمَّ أَن يُبدِي السّلامَ صَبَابَةً إليَّ ووَجْدًا إِذْ وَفَفتُ مُسَلِّمَا
وأيضًا:
عَرِّجْ بمغْنَى الصِّبَا وأَطْلالِهْ فاسْأَلْهُ عن أُنْسِهِ وحُلاّلِهْ
يا رَبْعُ قد كُنْتَ للصِّبَا وَطَنًا إِذْ أَنَا أَختالُ في ذُرَا خَالِهْ
فصِرْتَ مَبْكىً لكلِّ ذي شَجَنٍ أَسْعدَهُ طَرفُهُ بتَهْمَالِهْ
لمْ أعتقِبْ من رُسُومِ مَنْزِلها بعْدَ وُقُوفِى به وتَسْالِهْ
إلاّ حَنِينًا طَفِقتُ أَبْعثُهُ كأَنَّهُ رَجْعُ حَنَّةِ الوَالِهْ
وأنشدني محمد بن صدقة لحفص محصه يصف الأثافي:
شَجَتْك بأَعْراض المَحاضِر نُوقُ رَأَمْنَ وما في مِثْلِهِنّ طُروُقُ
على أحْرَجٍ مُطْلَنْفِىٍْ دافَعَتْ له أَذَى الرِّيح رُمْكٌ بالتُّرَابِ لُصُوقُ
أخذه من قول الكميت:
لم تُهِجْني الظُّؤَارُ في الدِّمْنَة القفْ رِ بُرُوكًا ومَالَها رُكَبُ
جُرْدٌ جلادٌ معطَّفاتٌ على ال أوْرَقِ لا مُصْحَفٌ ولا خَشِبٌ
أُنِخْنَ أُدْمًا فصِرْن دُهْمًا ومَا غيَّرَهنَّ الهِنَاءُ والجَرَبُ
هُنّ مَطايَا المُضَمَّنَات من ال جُوع دَوَاءَ العِيَالِ إِن سَغِبُوا