أول من افتنَّ في فنون الطَّرد وأبدع فيه أبو نواس، لأنّه عمل في سائر الجوارح، مثل الكلب والبازي والزُّرّق والشاهين والصَّقر واليؤيؤ والباشق والفهد الزُّمَّج والعقاب وعناق الأرض وجميع ما يصطاد به من الآلات مثل قوس البندق والفخّ وقصب الدِّبق وما شاكل ذلك، ولم يأت للعرب في الطَّرد شعرٌ مفردٌ، بل كانت تصف النّاقة وتشبِّهها بالبقرة الوحشيّة إذا آسد عليها القنّاص الكلاب، افتنانًا منها في أشعارها، ثمّ تصف الكلاب والطَّرد، كقول النابغة في الكلاب:
أَهْوَى له قانِصٌ يَسعَى بأَكْلبِهِ عارِى الأَشَاجِع مِن قُنّاص أَنْمَارِ
يَسْعَى بغُبْسٍ طَوضاها، فَهْي طاوِيةٌ، طُولُ ارْتحالٍ بها مِنْهُ وتَسْيَارِ
وكقوله أيضًا:
فبَاتَ كأنّه قاضِي نُذُورٍ سَرَى لله يَنْتَطِرُ الصَّبَاحَا
فصَبَّحَهُ كِلاَبُ بني تَمِيمٍ بجَنْبِ الرَّدْهِ مِن جَدَهٍ كِفَاحَا
فلمَّا أَنْ تَبَيَّنَ ضارِياتٍ وكَلاّبًا يَعنُّ بهنّ سَاحَا
فأَعملَ للنَّجاءِ مُخَذْرَفَاتٍ نَوَائِمَ أَذْرَفَتْ دَمْعًا صحَاحَا
فهنّ شَوَارِعٌ يَطْمَعنَ فيه ولن يَتْرُكْنَه لَجَرَىصِفَاحَا
فلمّا أَنْ دَنَونَ له تَأَبَّى ولولاَ بَأْوُهُ لَنَجَا طِمَاحَا
وله أيضًا:
فارْتَاعَ مِن صوتِ كَلاّبٍ فبَاتَ لَهُ طَوْعَ الشَّوامِتِ من خَوْفٍ ومن صَرَدِ
فبَثَّهُنّ عليه فاسْتَمَرَّ بِهِ صُمْعُ الكُعُوبِ بَرِيئَات مِن الحَرَدِ
وللبيد بن ربيعة:
حتّى إِذا يَئِس الرُّمَاةُ وأَرسَلوا غُضْفًا دَوَاجِنَ قَافِلًا أَعْصَامُهَا
فلَحِقْنَ واعْتَكَرتْ لهَا مَدَرِيَّةٌ كالسَّمْهَرِيَّةِ حَدُّها وتَمَامُهَا
لتَذُودَهنّ وأَيْقَنتْ إِنْ لم تَذُدْ أَنْ قَدْ أَحَمَّ مَعَ الحُتُوفِ حِمَامُهَا
[ ٩٢ ]
فتَقَصَّدَتْ منها كَسَابِ وضُرِّجَتْ بدَمٍ وغُودِرَ في المَكَرّ سُحَامُهَا
وكقول زهير بن مسعودٍ الضَّبِّيّ:
فَنَالَ شَيْئًا ثُمَّ هاجَتْ بهِ مُؤْسَدَةٌ فيهنّ تَدرِيبُ
غُضْفٌ ضَوَارٍ طُوِيَتْ فانْطَوتْ كأَنّهَا ضُمْرًا يَعَاسِيبُ
فجَال في وَحْشِيِّها نافِرًا رَهْبَتَهَا والشَّرُّ مَرْهُوبُ
حتَى إِذَا قُلْتَ تَلاَقَيْنَهُ والحيْنُ.. للحينِ مجْلُوبُ
ثَنَّى لَها يَهْتِك أَسْحَارَها بمُتْمَئرٍّ فيه تَحْرِيبُ
حتَّى تَسَاقَطْنَ وخَلَّيْنهُ ورَوْقُهُ بالدَّمِ مَخْضوبُ
وللأخطل:
فأَرْسَلُوهنّ يُذْرِينَ التُّرابَ كما يُذْرِى سَبَائِخَ قُطْنٍ نّدْفُ أَوْتَارِ
حتَّى إِذا قُلْتُ نالَتْهُ سَوابِقُهَا وأَدرَكتْهُ بأَنْيَابٍ وأَظْفَارِ
أَنْحَى إِليهنّ عَيْنًا غَيْرَ غافِلةٍ وطَعْنَ مُحتَقِرِ الأَقْرَانِ كَرَّارِ
وله أيضًا:
هَاجَتْ به ذُبَّلٌ مُسْحٌ جَوَاعِرُهَا كأَنّمَا هُنَّ مِن نَبْعِيَّعٍ شِقَقُ
فَظَلَّ يَهْوِى إِلى أَمْرٍ يُسَاقُ لَه وأَبْبَعَتَهُ كِلاَبُ الحَىِّ تَسْتَبِقُ
لمَّا لَحِقْنَ به أَنْحَى بمِغْوَلِهِ يَمْلاَ فَرَائِصَها من طَعْنِهِ العَلَقُ
وله أيضًا:
أَمَّ الخُرُوجَ فأَفْزَعَتْهُ نَبْأَةٌ زَوَتش المَعَارِفَ فَهْوض منها أَوْجَرُ
مِن مُخْلِقِ الأَطمارِ تَسْعَى حَوْلَه غُضْفٌ ذَوَابِلُ في القَلائِدِ ضُمَّرُ
ولبعض الرُّجّاز:
مُوَلَّعٌ يَقْرُو صَرِيمًا قد بَقَلْ
صُبَّ عَلَيْه قانِصٌ لمَّا غَفَلْ
والشَّمْسُ كالمِرْآة في كَفِّ الأَشَلّْ
مُقَلدَّاتِ القِدِّ يَقْرُونَ الدَّغَلْ
وكانت أيضًا تصيد بالكلاب وبالخيل، ولم نجد لها إلاّ أبياتًا أنشدناها إبراهيم بن محمّد قال: أنشدنا أحمد بن يحيى، عن ابن الأعرابيّ، لأعرابيّ:
قد أَغْتَدِى واللَّيْلُ كالزّنجىِّ
يَنْهَضُ نَهْضَ العاتِبِ الوَجِىِّ
والصُّبْحُ خَلْفَ الفَلَق الدَّجِىِّ
بأَمعَرِ السَّاقَيْنش تَوَّجِىِّ
قَيدِ الإِوَزِّ ولَهَا البُنْجىِّ
ليس بمُحْثَلٍّ ولا عَجِىِّ
العاتب: الذي به ظلعٌ فهو يمشي على ضعفٍ، يقال: عتب يعتب عتبانًا. ومن العتاب عتبًا ومعتبةً، والفلق: الفجر، والدَّجِىّ: الذي فيه شيءٌ من سوادٍ، لهًا جمع لهاةٍ، البنجىّ: الكركيُّ، المحثلُّ، أصله التخفيف، أحثل فهو محثلٌ، إذا أسىءغذاؤه، العجىُّ: اليتيم من الحيوان من أمه، و: اليتيم من الناس من أبيه، وجمعه عجايا، وأنشد ابن الأعرابيّ:
عَدَانِي أَن أَزورَك أَنّ بَهْمِي عَجَايَا كُلُّها إلاّ قليلا
وما جاء للعرب من صفات العقبان والصُّقور فإنّما ذكروا أفعالها لأنفسها، لا أنّهم ضرَّوها على صيدها، فلمّا جاء الإسلام سئل النبي صلَّى الله عليه عن الصِّيد، فأنزل الله ﷿ يسألونك ماذا أحلَّ لهم قل أحلَّ لكم الطِّيِّبات وما علَّمتم من الجوارح مكلِّبين تعلِّمونهنَّ ممّا علَّمكم الله فكلوا ممّا أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتَّقوا الله إنّ الله سريع الحساب ونحن نأتي بما نختاره من شعر أبي نواس في فنون الطَّرد مختلطًا بشعر غيره بعد قطعةٍ لبعض الأعراب في ثعلبٍ صاده، أنشدها محمّد بن الحسن له:
للهِ دَرُّ أَبي الحُصَيْن لَقَد بَدَتْ منه مَحَاوِلُ حُوَّليٍّ قُلَّبِ
وَرَدَ الحِبَالَةَ وهْيَ صُورٌ نحوَه طَمَعًا لِتَعْلَقَهُ ولمَّا يَرْتَبِى
حتَّى إِذا شَملَت مَعَاقِدُ طَرْفِهِ أَرْجاءَهَا تبأَمُّلٍ وتَأَرُّبِ
ويَدَاهُ وَاسِطتانِ لمَّا تَنْكُصَا أَو تقْدمَا لوُرُودِ عَزْمِ المَنْكبِ
صرَحَتْ به نَفْسُ النجىِّ مَخافَةً بادِرْ نَجَاءَكَ لا تُغَرّ فتشْعَبِ
[ ٩٣ ]
فاسْتَدْبَرتْ إِحدَى يَدَيْهِ القَهْقَرَى وثَنَتْ به الأُخْرَى ثنِىَّ تَهَيُّب
فنَجَا وهَلْ يَنجو مَنَ اخطَأَهُ الرَّدَىفي البَدْءِ مِن عَوْدِ الرَّدَى المُتَأَوِّبِ
لم يَعْدُ بعْدَ نَجَائِهِ مِنْ ساعَةٍ أَنْ قامَ قَوْمةَ نافِضٍ مُتَرقِّبِ
فظَللْتُ منه بمُرتأًى من شَحْصه في كلِّ حالٍ أَمَّهَا أَو مَذْهَبِ
مُتَضَابِئًا طَوْرًا لَدى اسْتِشْرَافه فمَتى يُوَهِّدْ في مَجَالٍ أَرْتَبِ
حتّى اطْمأَنّ وقامَ منَى شَخصُهُ بمَكَانِ دانٍ للرِّمايَة مُكْثِبِ
فنَحَوْتُه سَهْمِى فأَنْشَبَ صُلْبَه شَكًّا وأَيّ رَمِيَّةٍ لمْ أُنْشِبِ
ثمّ انثنَيتُ إِلى بُنَيِّى مالِئًا كَفَّىَّ مُغْتَبِطًا بعَيْشٍ مُخْصِبِ
أَبُنَىّ أَيَّةُ خَلّةٍ محمودةِ صَعُبَت على الطُلاَّب أَمْ لمْ تَصْعُبِ