أَدْهَمُ، وأَخضَرُ، وأَحْوَى، وكُمَيْت، وأَشقَرُ والفرقُ بين الأَشقر والكُمَيت أَن يَسودّ عُرفُه وذَنَبُهُ، فيكون كُمَيْتًا، وإِلاّ فهو أَشقرُ وأَصْفَرُ، وأَشْهَبُ، وأَبْلَقُ، وأَبْرَشُ، ومُلَمَّعٌ، وهي أَيضًا بُلْقَةٌ وكذلك المُدَنَّر، والأشيَمُ، والمُوَلَّع. كلُّ هذه صفاتُ اللَّوْنِ تُخالِفُ لَوْنَ الفَرَس وتتشكَّلُ فيه.
فيُسمى مدَنَّرًا إِذا كانت فيه دَارَاتٌ مُخَالِفةٌ.
فإِن لم تَكُن داراتٌ، وكان لَوْنَيْن مُتساوِيَين فهو أَبلَق، فقِسْ على هذا.
وفَرسٌ لَطِيمٌ، إِذا أَصابَت غُرَّتُه عَيْنَيهِ أَو إِحداهما، أو خَدَّيه أَو أَحدهُما.
فإِن ابْيَضَّتْ أَشْفارُه فهو مُغْرَبٌ.
فإِنّ لم تُصِبِ العَيْنَين والخَدَّين وامتَنَعت في جَبْهَتِه فهي شادِخَةٌ.
وإذا رَقَّت في جَبْهَته وقَصَبَةِ أَنْفهِ فهي شِمْرَاخٌ.
وإذا عَرُضَتْ في الجَبْهَة فهي سائلَة.
والفُرْجةُ كُلُّ بَياضٍ كان في جَبهته ثمّ انقطَعَ قِبَلَ الأَنفِ.
الرَّثَمُ كلّ بياضٍ أَصابَ الْجَحْفَلَةَ العُلْيَا، قلَّ أَو كَثُرَ فهي رُثْمة.
واللُّمْظَة كلُّ بَياض في الجَحْفَلَةِ السُّفْلَى، والفَرسُ أَلْمَظُ.
وإذا شاب الناصية بياض فهو أسعف وإِذا خَلَصتْ بَيضاءَ فهو أَصْبَغ.
فإِذا انحَدرَ البَيَاضُ إِلى مَنْبِت النّاصِيَة فهو المُعَمًّم.
وإِذا كان علي الأُذُنَين أَو إِحداهما بَياضٌ فهو أَذْرَأُ.
والتّحجيلُ بياضٌ يكون في قوائمه أَو في ثلاثٍ أَو في اثنَتَين، قَلَّ أَو كَثُر، يُقال مُحَجَّلُ أَربَعٍ.
فإِذا كان البَيَاضُ في ثَلاثٍ قيل: مُحجَّلُ ثَلاثٍ مُطلَقُ يَدٍ أَو رِجْلٍ.
والتَّحْجِيل مَآْخُوذ من الحِجْل، وهو الخَلْخَال، كأَنَّه صار البياضُ مَوضِعَه.
وإِذا كان البياضُ برِجلَيه قيلَ: مُحجَّلُ الرِّجْلَين.
فإذا كان البَيَاض برِجْلٍ وَاحدة قيل: أَرْجَلُ، ويُتشاءَمُ به، وقيل: إِنّ الحسين صلوات الله عليه قُتِل وهو على أَرجَلَ.
وإذا كان البَيَاضُ في اليَد اليُمنَى والرِّجْل اليُسْرَى مُخَالِفًا فهو مَشكولٌ.
وإِذا كَان في اليد اليُمنَى والرِّجل اليُمنَى فهو مُطلَق الأَيَامِن مُمْسَك الأَياسِرِ.
والعُصْمَةُ بياضُ يكون باليَدَين دون الرِّجلَيْن.
والتَخدِيمُ بيَاضٌ مُسْتَدِيرٌ بأَرساغ الرِّجلَين دون اليَدَيْن يُطِيف بها دون سائرِ ما كان يُقال فَرَسٌ أَخْدَم ومُخَدَّم.
فإِذا كان برِجلٍ واحدة فهو أَرْجَلُ.
وإِذا ابيضَّ بعضُ البَطْن ولم يتَّصِل ببَياضٍ فهو أَصبَغ.
فإذا كان في عُرْضِ الذَّنَب بياضٌ فهو أَشْعل.
وإِذا كان في أَصْل ذَنَبه فهو أَصبَغُ أَيضًا.
فإِذا بلغَ البَطنَ فهو أَنْبطُ.
فإِذا ظَهَر من البَطْن صار أَبْلَق.
وممّا قيل في تفضيل الخيل وإِيثارها ووصفها من الشّعر لأَعرابيّ:
الخَيرُ ما طَلَعَتْ شَمسٌ وما غَرَبَتْ مُوَكَّلُّ بنَوَاصِي الخَيْلِ مَعْصُوبُ
وقال الأَسْعَر بن مالك الجُعْفِيّ في إِيثاره فَرسَه على أَهِلهِ ونفسه:
تُقْفِي بِعِيشةِ أَهْلِهَا وَثّابَةً أَو جُرْشُعًا عَبْلَ المَحَازِمِ والشَّوَى
ولقَدْ عَلِمْتُ علَى تَوَقِّيَّ الرَّدَى أَنّ الحُصُونَ الخَيْلُ لا مَدَرُ القُرى
[ ٥١ ]
إِنّي وَجَدْتُ الخَيْل عِزًّا ظاهِرًا تُنْجِي من الغُمَّي ويَكْشِفْنَ الدُّجَى
ويَبِتْنَ بالثَّغْرِ المُخْوفِ طَلائعًا ويُثِبْنَ للصُّعْلوكِ جَمَّةَ ذِي الغِنَىَ
وقال أَبو دُوَاد الإِياديّ في حُبِّه الخَيْلَ:
عَلِقَ الخَيْلَ حُبُّ نَفْسِي مُقِلًا وإِذَا ثابَ عِنْدِيَ الإِكْثارُ
عَلِقَتْ هِمَّتي بهنّ فَمَا يَمْ نَع مِنّي الأَعِنَّة الإِقْتَارُ
جُنَّةٌ لي وكُلّ يَوْمِ رِهَانٍ اجمعتى في رهانها الأجسار
وانجرادي بهن نحو عدوي وارتِحالى الْبِلاَدَ والتَّسْيَارُ
ولرجل من بني عامر بن صَعْصَعَة:
بَنِي عامِرٍ ما لي أَرَى الخَيْلَ أَصْبَحَتْبِطَانًا وبَعْضُ الضُّمْرِ للخَيْلِ أَفْضَلُ
بني عامرٍ إِنّ الخُيولَ وقَايةٌ لأَنْفُسِكمْ والمَوتُ وَقْتٌ مُؤَجَّلُ
أَهِينًوا لَهَا ما تُكرِمونَ ويَاسِرُوا صِيَانتَها والصَّوْنُ للخَيْلِ أَجْمَلُ
مَتى تُكْرِمُوها يُكرِمِ المَرْءُ نَفْسَه وكلُّ امْرِئٍ مِنْ قَوْمِه حَيْثُ يَنْزِلُ
وقال شَمْعَلَةُ بن الأَخضَر الضَّبِّيُّ:
بأَسْرَعَ رَجْعَةً منها وكَرًّا إِذَا أَبْدَتْ مِنَ العَرَقِ العِذَارَا
إلى أَمْثالِ تِلْكَ إِذَا فَزِعْنَا نَطِيرُ ونَمْنَعُ السَّرْحَ المُثَارَا
نُوَالِّيهَا الصَّرِيحَ إِذا شَتَوْنَا على عِلاَّتِنا ونَلِي السَّمَارا
رَجَاءَ أَن تُؤَدِّيَهُ إِلَيْنَا مِن الأَعْداء غَصْبًا واقْتِسَارًا
وعلى ذِكر إِيثارِه فرسَه باللَّبن فمن حَسَنِه وجَيّدِهِ قول عَمْرو بن بَرَّاقة الهَمْدانِيّ:
غَبَرتْ خَيْلُنا نُقَاسِمُها القُو تَ ولم يُبْقِ حاصِدُ المَحْلِ عُودَا
شَتْوَةً تُوسِعُ الجِمَالُ لهَا الرِّسْ لَ ونَسْقِي عِيالَنا تَصْدِيدَا
ذَاكَ حتَّى إِذَا الرَّبِيعُ نَفَى الأَزْ مَةَ قُدْنَا مِنْهَا شيَاطِينَ قُودَا
ورَمَيْنَا بِهَا دِيَارَ الأَعَادِي فأَثَابَتْ لِكُلِّ قَعبٍ قَعُودَا
حَبَّذَا هُنَّ مَتْجَرًا رَابِحَ الصَّف قَةِ تَحْوِي الغِنَى وتَشْفِي الحقُودَا
وقريبٌ منه لفضَالَةَ بنِ شِرِيكٍ الوالبِيّ في فرسه واسمه ناصِح:
أَناصِحُ إِنّ الخَيْلَ مَجْلوبةٌ غَدًا ومَالَك إِنْ لم يَجْلُبِ اللهُ جالِبُ
أَتذكُرُ إِلْبَاسِيكَ في كُلِّ شَتْوَة رِدَائي وإِطْعَامِيك والبَطْنُ سَاغِبُ
أَناصحُ كَمِّشْ للرِّهانِ فإِنّها غَدَاةُ رِهَانٍ جَمَّعتْها الحَلائبُ
أَنَاصِحُ هَدْىٌ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ علَيَّ ونَذْرٌ لا أَبِيعُك وَاجِبُ
ولعمْرو بن مالكِ:
وسَابِحٍ كعُقَابِ الدَّجْن أَجْعَلُه دُونَ العِيَالِ له الإِيثارُ واللَّطَفُ
قولُه عُقَاب الدَّجْنِ العُقابُ إِذا رأَتِ الدَّجْنَ كان أَسْرَعَ لطَيرَانِهَا طَلَبًا لوَكْرِهَا قبلَ أَن تَلحقَها السَّحابُ.
ومثلهُ لجُندبٍ:
أَتَتك كأَنّها عِقْبانُ دَجْنٍ تَجَاوَبُ في حَنَاجِرِها اليَرَاعُ
وقال مُعَقِّرُ بن حِمَارٍ البارِقِيُّ:
ويمنَعُنا منْ كلّ ثَغْرٍ نَخافُه أَقَبُّ كسِرْحَانِ الأَبَاءةِ ضَامِرُ
وكُلّ سَبُوحٍ في العِنَانِ كَأَنَّهَا إِذَا اغْتَسَلتْ بالماءِ فَتْخَاءُ كاسِرُ
وقال طُفَيل الغَنَويّ:
إِنّي وإِنْ قَلَّ ما لي لا يُفارِقُني مِثْلُ النَّعَامَةِ في أَوْصَالِهَا طُولُ
تَقْرِيبُهَا المَرَطَي والجَوْزُ مُعْتَدِلٌ كأَنّهَا سُبَدٌ بالمَاءِ مَغْسُولُ
أَو ساهِمُ الوَجْهِ لم تُقطَعْ أَبَاجِلُه يُصَانُ وهْوَ لِيَوْمِ الرَّوْعِ مَبْذولُ
وقال أَبو دُوَاد الإِياديّ:
[ ٥٢ ]
وقَد أَغْتَدِي في بَياضِ الصَّبَاحِ وأَعْجَازُ لَيْلٍ مُوَلَّى الذّنَبْ
بطِرْفٍ يُنَازِعُني مَرْسِنًا سَلُوبِ المَقَادةِ مَحْضِ النَّسَبْ
كهَزِّ الرُّدَينيّ بَيْنَ الأَكُفّ جَرَى في الأَنَابِيب ثُمَّ انْتصَب
ولعَوْف بن عَطِيّة بن الخَرِع الرِّبابِيّ:
وأَعدَدْتُ للحَرْبِ مَلْبُونةً تَرْدُّ على سَائِسيهَا الحِمَارَا
رَوَاعَ الفُؤادِ يَكَاد العَنِيفُ إِذَا وَنَت الخَيْلُ أَن تُستَطارَا
كُميْتًا كحَاشِيَةِ الأَتْحَمِ ىّ لم يَدَعِ الصُّنْعُ فيه عُوَارَا
لَها رُسُغٌ مُكْرَبٌ أَيِّدٌ فلاَ العَظْمُ وَاهٍ ولاَ العِرْقُ فَارَا
لهَا حَافِرٌ مِثْلُ قَعْبِ الوَلي دِ يَتَّخِذُ الفأْرُ في مَغَارَا
لَهَا كَفَلٌ مثْلُ مَتْنِ الطِّرَا فِ مَدَّدَ فيه البُنَاةُ الحِتَارَا
والمشهور المستجاد في صفات الخيل قولُ امرِئ القَيْس:
وقد أَغْتَدِي والطَّيْرُ في وُكُنَاتِها بمُنْجَرِدٍ قَيْدٍ الأَوابِد هَيْكَلِ
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا كجُلْمودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللِّبْدُ عن حالِ متْنِهِ كما زَلَّت الصفْوَاءُ بالمُتَنَزِّلِ
على الذَّيْلِ جَيّاشٍ كأَنَّ اهْتزامَهُ إِذَا جَاشَ فيه حَمْيُه غَلْيُ مِرْجَل
له أَيْطَلاَ ظَبْيٍ وسَاقَا نَعَامَةٍ وإِرْخَاءُ سِرْحَانٍ وتَقْرِيبُ تَنْفُلِ
درِيرٍ كخُذْرُوفِ الوَلِيدِ أَمَرَّهُ تَتَابُعُ كفَّيْهِ بخَيْطٍ مُوَصَّلِ
ولبِشْر بن أَبي خازمِ:
بكُلِّ قِيَادِ مُسْنَفَةٍ عَنُودٍ أَضَرَّ بها المَسَالِحُ والغِوَارُ
مُهارِشَةِ العِنَانِ كَأَنّ فيها جَرَادَة هَبْوَةٍ فيها اصْفِرارُ
نَسُوفٍ للحِزَام بمِرْفَقَيْهَا يَسُدُّ خَوَاءَ طُبْيَيْها الغُبارُ
تَرَاها مِن يَبِيسِ الماءِ شُهْبًا مُخَالِطَ دِرَّةٍ منْهَا غِرَارُ
بكُلِّ قرَارَةٍ من حَيْثُ جالَتْ رَكِيَّةُ سُنْبُكٍ فيها انْهِيَارُ
وخِنْذِيذٍ تَرَى الغُرْمُولَ منه كطَيِّ الزِّقِّ عَلَّقهُ التِّجَارُ
كأَنّ خَفيفَ مِنْخَرهِ إِذا ما كتَمْنَ الرَّبْوَ كِيرٌ مُستَعارُ
يُضَمَّرُ بالأَصَائل فَهْوَ نَهْدٌ أقَبُّ مُقلِّصٌ فيه اقْوِرَارُ
كأَنَّ سَراتَهُ والخَيْلُ شُعْثٌ غَدَاةَ وَجِيفِها مَسَدٌ مُغَارُ
يَظَلُّ يُعارِضُ الرُّكْبَانَ يُهْفُو كأَنَّ بَيَاضَ غُرَّتِه خِمَارُ
ولعبد الرحمن بن حَسّانَ بن ثابت:
أَوْغَلْتُ فِيه مَعَ الصَّبَا حِ بمِنْهَبٍ صَافٍ سَراتُهْ
وَرْدٍ كلَوْنِ صَلاَيَةٍ طُلِيَتْ بجَادِيٍّ مَرَاتُهُ
عَبْلِ الشَّوَى يَأْوِي إِلى حضْرٍ إِذَا جَدَّ انْصِلاتُهُ
كحَفِيفِ ذِي البَرْدِ لمُجَلْ جِلِ رَاحَ مُسْتَدًّا خَوَاتُهْ
نهْد مَرَاكِلُه شَدي د الأَسْرِ مُشرِفةٍ قَطَاتُهْ
يَعْدُو كعَدْوِ التَّيْسِ بال مَعْزَاءِ أَنْفَرَهُ رُمَاتُهْ
وله أَيضًا:
فجَرَّدَ أَيْهَمَ ذَا قُرْحَةٍ أَمِينَ الشَّظَا غَامِضَ الأَبْجَلِ
أُشَبِّهُ قُرْحَتَه دِرْهمًا مِنَ الوَرِقِ البِيضِ لم يُغَسلِ
قلِيلَ الفُتُورِ سَليمَ النُّسُو رِ عَبْلَ القَوَائمِ والمُنْعَلِ
له حافِرٌ لم تَخُنْه الحَوا مِ وَأْبٌ سَليمٌ ولمْ يُنْعَلِ
كمِثْلِ أَوَاقِي ذُكُورِ الحَدِي دِ رُكِّبْنَ فيه ولم يُسْحَلِ
[ ٥٣ ]
صَحِيحَ الأَشَاعِرِ في جَوْفِه دَخِيسٌ له مُثْبتُ المدْخَلِ
وأَوْظِفةٌ أَيِّدٌ جَدْلُها طِوَالٌ وفي ذاكَ لم تَنْحُلِ
وسَاقانِ كَعْبَاهُما أَصْمعَا نِ سَدّا لهُ خَلَلَ المَفْصِلِ
كأَنّ حَمَاتَيْهِمَا أَرْنَبَانِ تَقَبَّضَتَا خِيفَةَ الأَجْدَلِ
وفيها:
طَوِيلُ الضُّلُوعِ شَدِيدُ الصِّفاقِ خَفُوقُ الحَشَا جُرْ شُعُ المَرْكَلِ
وعَيْنٌ طَحُورٌ بإِنْسانِها تُخَالُ كَحِيلًا ولمْ تُكْحَلِ
وخَدٌّ يَغُولُ عِذَارَ اللِّجَا مِ عَارِي النَّوَاهِقِ والمصْهَلِ
مُطَارُ الفُؤَادِ إِذَا مَا يُرَا عُ ظَلَّ إِلى اللَّيْلِ في أَفْكَل
ولأُبَيّ بن سُلَيْمَانَ بن رَبِيعَة بن ذُيان:
سَبُوحٌ إِذَا اغْتَمَرتْ في الغُبَارِ مَرُوحٌ مُلَمْلَمَةٌ كالحَجَرْ
فلَوْ طَار ذُو حَافِرٍ قَبْلَهَا لَطارَتْ ولكنَّه لم يَطِرْ
ومن أَحسن ما قيل في الجَرْيِ قولُ أعرابي:
ومَرَّتْ تفُوتُ الطَّرْفَ لَمَّا تَطَافَرتْ وقد بَرزَتْ مثْل الظِّباءِ من الحبلِ
فطَارَتْ بأَيْدِيها وعَامَتْ صُدُورُها وأَخْرَجهَا فَرْطُ النَّشاطِ إِلىَ الجَهْلِ
وأَجْرَى الرَّشيدُ الخَيْلَ، فسبقَ فَرَسٌ له يُقال له المُشَمِّرُ، فقال للشُّعَرَاءِ: قُولُوا في ذلِك. فابتَدَأَ أَبو العتَاهِيَة فقال:
جاءَ المُشَمِّرُ والأَفْرَاسُ يَقْدُمُهَا هَوْنًا على رِسْلِه مِنْهَا ومَا انْبَهَرَا
وخَلَّفَ الرِّيحَ حَسْرَى وهْي تَتْبَعُهُ ومَرَّ يَخْتَطِفُ الأَبْصارَ والنَّظَرَا
وكان للرَّشِيد فَرسٌ يَقْرُبُ منه مِعْلَفُهُ، لفَرَاهَتِه، ويُطْعِمُهُ من يَده، ويَدْعوه فيُجِيبُهُ، فرَآهُ الفرسُ يَوْمًا وقد أَطعَمَ فَرَسًا آخَرَ من يده، فكان بعد ذلك إِذا دَعَاهُ لم يُجِبْهُ، وإِذا أَطْعَمهُ مِن يَدِه لم يَأْكُل، فسَمّاه الغَضْبانَ، فسَبقَ الحَلْبَة يومًا، فقالَ الرّشيد للْعُمَانِيّ الرّاجز: قَلِّدْهُ بشيءٍ فوَضَعَ عِمامتَه في عُنُقه، فضَحِكَ الرَّشيدُ وقال: قبحَك اللهُ ما لِهذا أَردتُ؟ أَنتَ أَكُثرُ قَلائدَ منّي؟ إِنّمَا أَرَادْتُ أَن تَصِفَه بشِعْر. فوقَفَ وقال:
قَد غَضِبَ الغَضبانُ إِذْ جَدَّ الغَضَبْ
وجَاءَ يحْمِي حَسبًا فَوْقَ الحَسَبْ
مِنْ إِرْثِ عَبَّاسِ بن عَبْدِ المُطَّلِبْ
النَّسَبِ الخَالِصِ غيرِ المُؤْتَشِبْ
وجَاءَتِ الخَيْلُ بهِ تَشْكو التَّعَبْ
له عَلَيْها ما لَكُمْ على العَرَبْ
فأَحْسَنَ جائزته.
وللعبّاسيّ:
وخَيْلٍ طَوَاهَا القَوْدُ حتَّى كَأنَّها أَنابِيبُ سُمْرٌ مِن قَنَا الخَطِّ ذُبَّلُ
صَبَبْنَا علَيْهَا ظَالِمِينَ سِيَاطَنَا فطَارَتْ بها أَيْدٍ سِرَاعٌ وأَرجُلُ
ووَصفتْ أَعرابيّةٌ سُرْعةَ فَرسٍ فقالت: لمّا أُخرِجَت الخَيْلُ جاءُوا بشَيْطانٍ في أَشْطان، فلمّا أُرِسِلتْ لَمَعَ لَمْعَةَ سَحابٍ، فكان أَقْرَبها ِإليه الذي تَقَعُ عَينُه علَيْه.
وللمُخَيَّس بن أَرْطَاةَ الأَعْرَجيّ:
جاءَ أَمامَ دُهْمِهَا والبُلْقِ مُسْتَشْرِفًا كالعَارِضِ الأَشَقِّ
سَلِيلَ رِيحٍ لَقحَتْ مِنْ بَرْقِ
ولآخر:
جَرَى فأَوْدَعَ جَرْيُ البَرْقِ نُهْزَتَه وجاءَت الرِّيحُ تَقٍْفو إِثْرَ ما رسَمَا
وجاءَتِ السُّبَّقُ اللاّئي انْبَريْنَ له يَسْأَلْن عَنْ أَثَرٍ من عَهْدِهِ قَدُمَا
وأَنشد الأصمعيُّ لابْن أقَيصِر الأَسَدي وقالَ: لولا أَنّ مَن أَثِقُ به أَنشدَنيها له ثمّ قيل إِنّهَا لأَبي دُوَادٍ ما رَدَدْتُهَا:
؟ خَيْرُ ما يَرْكَب الشُّجَاعُ إِذا مَا قيلَ يَومًا أَلاَ ارْكَبوا للْغِوَارِ
كلُّ نَهْدٍ أَقبَّ مُعْتَدِلِ الخَلْ قِ أَمِينِ الشَّظَا عَتِيقِ النِّجَارِ
[ ٥٤ ]
سَلْعَمِ اللَّحْيِ وَاسِعِ الشَّجْرِ حُرِّ الْ أُذْنِ وَافِي الدِّمَاغِ والوَجْه عارِ
ماجَ منه الجِرَانُ واشتدَّ عِلْبَا وَاهُ واحْدَوْدَبَا دُوَيْنَ العِذَارِ
مَحِصِ الفَصِّ مُكْرَبِ الرُّسْغِ سَهْلِ الْ خَدِّ سامِي الجُفُونِ والأَشْفارِ
مُشرِفٍ مُقْبِلًا مُجَبٍّ إِذَا أَدْ برَ مُسْتَعْرضًَا ككَرٍّ مُغَارِ
فَهْو في خَلْقِهِ طُوَالٌ ورَحْبٌ وعُرَاضٌ ِإلى شِدَادٍ قِصارِ
طالَ هَادِيهِ والذِّرَاعَانِ والأَضْ لاعُ منْه فتَمَّ في إِجْفَارِ
ثُمَّ طالَتْ وأُيِّدَتْ فَخِذاهُ فهو كَفْتُ الوُثُوبِ ثَبْتُ الخَبارِ
ورَحِيبُ الفُرُوج والخَدِّ والشَّدْ قَيْنِ قُدّامَ منْخرٍ كالوِجَارِ
وعَرِيضُ الوَظِيفِ والجَنْبِ والأَوْ راكِ والجَبْهَةِ العَرِيضُ الفَقَارِ
والقَصِيرُ الكُرَاعِ والظَّهْر والسّا قِ لم يُسْلِمْهُ تَرْكيبها اسْتبحار
والحَدِيدُ الفُؤادِ والسَمْعِ والعُرْ قُوبِ والطَّرْفِ حِدّةً في وَقَارِ
وَهْوَ صَافِي الأَدِيمِ والعَيْنِ والحا فِرِ غَمْرٌ بَدِيهَةَ الإِحْضارِ
كالعُقَاب الطَّلوبِ يَضْربُهَا الطَّ لُّ وقدْ صَوَّبَتْ على عِسْبارِ
لاَنَ فاهْتَزَّ مُقْبِلًا فإِذا أَد بَرَ أَهْوَى تَتابُعَ الأَدْبَارِ
ولأَنَيف بن جَبَلةَ الضَّبّيّ، وكان أًوْصفَ الناسِ لفَرسٍ:
ولقدْ شَهِدْتُ الخَيْلَ يَحْمِلُ شِكَّتي عَتَدٌ كسِرْحانِ القصِيمةَ مِنْهَبُ
أَلْوَى إِذَا اسْتَعْرَضْتَه فكأَنَّهُ في العَيْن جِذْعٌ مِن أُوَالَ مُشَذَّبُ
وإِذا اعْتَرضْتَ له اسْتَوَتْ أَقْتارُه وكأَنّه مُسْتدْبرًا مُتَصوِّبُ
هذا أَوّلُ من قال في هذا المعنى في إِقْباله وإِدبارِه واعتراضِه، وأَخذَه الناسُ، فقال سَلْمٌ الخاسِرُ وأَحسنَ في قوله ما شاءَ:
وأَغْتدِي والشَّمسُ مَحجوبةُّ لم تَنسفِرْ عنها الجَلابِيبُ
بسَابِغَِ الأضْلاعِ ذي مَيْعَة تمَّتْ له ساقٌ وعُرْقُوبُ
هَادِيهِ مثْلُ الشَّطْرِ من خَلْقِه إِذا عدَا والبَطْنُ مَقْبوبٌ
تَخالُه مُسْتقبْلًا مُقْعِيًا وهْوَ إِذا اسْتَدبَرْتَ مَكْبوبُ
يُشْرِفُ أَو يَنْحَطُّ كلٌّ مَعًا فالخَلْقُ تَصْعِيدٌ وتَصْوِيبُ
كأَنّما الشِّعْرَى على وَجْههِ وفي مجاري المَتْن تَذْهيبُ
يَحْمِلُ منه بَعْضُهُ بَعْضَه فرَاكِبٌ منه ومَرْكوبُ
كالرِّيح إِلاّ أَنّها صُورةٌ يَسْمو بها شَدٌّ وتَقْرِيبُ
هذا من أَحسن تَشْبيهِ استُعِيرَ وأَجْوَدِهِ، وقولهُ هادِيه مثلُ الشَّطْرِ من خلقه، مَأْخوذ من كلام أَعرابيّة رواه الأَصمعيّ فيما حدَّثنا به محمَّد بن الحسن، عن أَبي حاتمٍ عنه قال: خَرجَ ثلاثُ نِسوةٍ من العرَب يَسأَلْن عن آبائهنّ، وكانوا خَرَجوا في بعض الغارات، فتلقّاهنّ رَجلٌ قال: فقال لإِحْدَاهنّ: صِفِي لي فَرس أَبِيك. فقالت: كان أَبي على قَصِيرٍ ظَهْرُهَا، رَحِيبٍ بَطْنُها، هَادِيها شطْرُها. فقال: نجَا أَبوكِ، وقالت الثانية: كان أَبي على شَقَّاءَ مقّاءَ، طويلةِ الأَنْقَاءِ يتمطَّقُ أُنْثياها بالعَرَق، تمطُّقَ الشَّيْخِ بالمَرَق. فقال: نجا أَبوك، وقالت الثالثة: كان أَبي على كَزّةٍ أَنُوحٍ يُرْوِيها لَبَنُ اللَّقُوح. فقال: قُتِل أَبوكِ: فلمّا رجَع الناسُ من الغارَة كان الأمرُ على ما قاله.
[ ٥٥ ]
ونحْوُ هذا ما حدَّثَنا به الأَزْديُّ، عن عمّه، عن أَبيه، عن ابن الكلبيّ عن أَبيه قال: اجتمَعَ خمسُ جوَارٍ من العرب فقلْن هَلْمُمْنَ نَنْعَت خَيْلَ آبائنا. فقالت الأُولى: فَرسُ أَبي وَرْدة، وما وَرْدة، ذاتُ كَفَلٍ مُزَحْلَق. ومَتْنٍ أَخُلَق، وجَوفٍ أَخْوَق، ونَفْسٍ مَرُوح، وعَينٍ طَموح، ورِجْلٍ ضَروحً، ويَدٍ سَبوُحٍ بُداهَتُها إِهْدابٌ، وعقْبها غِلابٌ. قالت الثانية: فرس أَبي اللَّعَّاب، وما اللَّعّابُ، غَبْيَةُ سحاب، واضطرامُ غاب، مُتَرَّصُ الأَوصال، أَشَمُّ القَذَال، مُلاَحَكُ المَحَال، فارسُه مُجِيد، وصَيْدُهُ عَتيد، إِنْ أَقبلَ فظَبيٌ مَعَّاجٌ، وإِنْ أَدبرَ فظَليمٌ هَدّاج، وإِذا أَحْضَر فعِلْجٌ هَرّاج، قالت الثالثة: فَرسُ أَبي حُذَمة وما حُذَمَةَ، إِنْ أَقبلَت فقَنَاةٌ مُقَوَّمة، وإِنْ أَدبرتْ فأُثفيَّة مُلَمْلَمة، وإِنْ أَعْرَضت فذِئْبَة مُعَجْرَمة، أَرْساغُها مُتَرَّصة، وفُصُوصُها مُمحَّصة، قالت الرابعة: فرسُ أَبي خَيْفقٌ، وما خَيْفَق، ذاتُ ناهِقٍ مُعرَّق، وشِدْقٍ أَشْدَق، وأَدِيم مُملَّق، لَها خَلْقٌ أَشْدَف، ودَسِيعٌ مُنَفْنَف، وتَلِيلٌ مُسَيَّف، وَثَابَةٌ زَلُوج، خَيْفَانَةٌ رَهْوج، تقرِيبُهَا إِهْماج، وحُضْرُها ارْتِعاج. قالت الخامِسةُ: فَرَسُ أَبي هُذْلُول، وما هُذْلُول، طَرِيدُه مَحْبولٌ وطالبه مَشكُول، رَقيقُ المَلاغِم، أَمينُ المَعاقِم، عبْلُ المحْزِم، مِخَدُّ مِرْجَم، مُنِيفُ الحارِك، أَشمُّ السَّنابِك، مَجْدُول الخَصائل، سَبْطُ الفَلائل، غَوْجُ التَّلِيل، صلْصَالُ الصَّهيل، أَديمُهُ صافٍ، وسبِيبُه ضافٍ، وعَفوُه كافٍ.
ولعليّ بن جَبلة:
وأُذْعِرُ الرَّبْربَ عن أَطْفَالِه بأَعْوَجيٍّ دُلَفيِّ المُنْتسبْ
تخالُه من مرَحِ العِزِّ به مُسْتَعِرًا برَوْعَةٍ أَو مُلْتَهِبْ
مُطَّرِدٌ يَرْتَجُّ مِنْ أَقْطَاره كالماءِ جالتْ فيه رِيحٌ فاضطرَبْ
تَحْسبُهُ أَقْعَدَ في اسْتِقْبالِهِ حتَّى إِذا استْتَدْبَرْتَه قُلْتَ أَكَبْ
وَهْوَ على إِرْهَافِه وطَيِّه يَقْصُر عنْه المَحْزِمَانِ واللَّبَبْ
يَخطو على عَوجٍ يُنَاهِبْنَ الثَّرى لم تَتوَاكَلْ عن شَظىً ولا عَصَبْ
تَحْسبُها نَابِيَةَ إِذا خَطَتْ كأَنَّهَا وَاطِئةٌ على نَكَبْ
مُحتدِمُ الجَرْيِ يُبَارِي ظِلَّه ويَعْرَقُ الأَحْقبُ في شَوْطِ الخَبَبْ
لا يَبْلُغ الجهْدَ به رَاكبُه ويَبْلُغ الرُّمْحُ به حيْثُ طلَبْ
قوله مُطَّرِدٌ يَرْتَجًّ من أَقطاره البيت مُسْتعارُ المعنَى من كلام امرأَةٍ من العرب ابتاعَ ابنُهَا أُمِّهِ، فلمّا رأَتهُ نَهْتْهُ عن ابْتِياعهِ، فقال صاحبُه: لِم كَرِهْتِ فَرِسي، فواللهِ إِنّه لصحيح العَصَب، تامُّ القَصَب. فقالت: واللهِ ما اهْتَزَّ حين أَقْبَل، ولا تَتابَعَ حينَ أَدْبرَ، قال: صَدَقْتِ، واللهِ، كان في فَرَسي كَزَازَةً.
وقال المُحْدَثون في وَزْنِ قَصِيدةِ عليِّ بن جبَلة، منهم أَحمدُ بن محمد الحضرميُّ:
أَغرُّ يَعْبُوبٌ إِلى غُرَّته حُجُولُهُ تَضْحكُ مِن تَحْتِ الرُّكَبْ
ُبعُنُقٍ أَتْلَعَ كالجِذْعِ سَمَا في جُؤْجُؤٍ حَشْرٍ إِلى صَدْرٍ رَحُبْ
وكَتِفَيْنِ طَالَتَا مَعْ صَهْوةٍ إِلى هَوَاءٍ مِثْلِ زُحْلُوقِ اللَّعِبْ
إلى قَطَاةٍ أَشْرَفَتْ وكَفَلٍ تَمَّ فتَمَّتْ فَخِذَاهُ والقَصَبْ
كأَنَّ أُذْنَيْه إِذَا مَا اسْتَكَّتَا أَطْرَافُ أَقْلاَمٍ أُجِيلَتْ في كُتُبْ
فَراحَ بي وهْو يُبَارِي ظِلَّه أَرْعَل لو وَثَّبْتَهُ البَحْرَ وَثَبْ
ولمحمد بن سعيد في هذا الوزن:
وهَيْكلٍ أَخْلَقَ مَجْدولِ القَرَا مُندمِجِ المَتْنِ طِرِمَّاحِ القَصَبْ
تُرِيعُه في كُلِّ فَوْتٍ أَرْبَعٌ تُثِيرُ مَكْنونَ الثَّرى وتَنْتَهِبْ
[ ٥٦ ]
نَاصِعَةُ الخُضْرةِ في فاقِعَةِ ال صُّفْرَةِ زِينَتْ بحجُولٍ لمْ تُعَبْ
كأَنَّهَا فَيْرُوزجٌ في عُمُدٍ مِنْ فِضَّةٍ تَجْرِي بموْجٍ مِنْ ذَهَبْ
يَقَعْنَ في الأَرْضِ وُقُوعَ اللَّحْظِ في خَدِّ الحَبِيبِ عنْدَ خَوْفِ المُرْتقِبْ
بَرْقٌ إِذا شَدَّ ورِيحٌ إِنْ رَنَا والصَّقْرُ إِنْ طالَ وفَهْدٌ إِنْ وَثَبْ
كالنّار إِن أَلْهبَ أَو كالرِّيح إِنْ أَسْهبَ أَو كالمَاءِ حين ينْسكِبْ
وللعبّاسيّ في مثله:
وسَابِحٍ مُسَامِحٍ ذي مَيْعَةٍ كأَنَّهُ حَرِيقُ غَابٍ يَلْتَهِبُ
تَرَاهُ إِنْ أَبْصَرتَه مُسْتَقْبلًا كأَنّمَا يَعْلو من الأَرْضِ حَدَبْ
وإِنْ رَآه ناظرٌ مُسْتَدْبِرًا تَوَهَّمَتْه العَيْنُ يَجْرِي في صَبَبْ
عَارِي النَّسَا يَنْتَهِبُ التُّرْبَ له حَوَافِرٌ باذِلةٌ ما تَنْتَهِبْ
تُسَالِمُ التُّربَ ورَيّانَ الثَّرَى لكِنَّها مَعَ الصُّخورِ تَصْطَخِبْ
أَسرَعُ من لَحْظَتِه إِذا عَدَا أَطْوَعُ مِن عِنَانه إِذا جُذِبْ
ذي غُرَّةٍ قدْ صَدَعَتْ جَبْهَتَه وأُذُنٍ مثْلِ السِّنَان المنتَصِبْ
ومنْخَرٍ كالْكِيرِ لمْ تَشْقَ به أَنْفَاسُه ولمْ يَخُنْهَا في تَعَبْ
يَبْعَثُهَا جَنَائِبًا ويَنثَنِي شَمَائِلًا إِلى فُؤَادٍ يَضْطَرِبْ
وقلْتُ على هذا الوزْن:
بثَابِتِ النِّسبةِ في العِتْقِ له من أَعْوَجٍ ولاَحقٍ خيرُ نَسَبْ
ذِي عُنُقٍ مدِيدةٍ ومُقْلَةٍ حَدِيدةٍ وأُذُنٍ فيها نجَبْ
تَسْمعُ هجْسَ الصَّوتِ من بُعدِ المَدَى فتَنْتَحِي سَامِعَةً وتَنْتصِبْ
لا تَأْخذُ العَيْنُ الذِي تأْخذُه فَهْيَ لهُ حافِظَةٌ من الرِّيَبْ
ومنْخرٍ مثْل الوِجارِ يُبْعثُ الْ أَنفَاسَ في شَرْقٍ وغَرْبٍ إِذْ رَحُبْ
وكَفَلٍ مَتْنُ الطِّرَافِ متْنُهُ وبَطْنُه ذو جُفْرةٍ وذو قَبَبْ
تَراهُ كالطَّود لَدى إقْبَالِه وعِنْدما يُدْبِر كالسَّيْلِ السَّرِب
تُقِلُّه قوائمٌ عُبْلٌ لها حَوَافِرٌ حُفْرٌ صِلاَبٌ لم تخِبْ
يُخَلِّفُ الرّيحَ لدَى كَلاَلةٍ وشَاْوُهُ كالبَرْق حينَ يلْتَهِبْ
ولبعض العرب:
وقد اغْتَدى قبْل ضَوْءِ الصَّبَاحِ ووِرْدٍ القَطَا في الغَطَاطِ الحِثَاثِ
بضَافِي الثَّلاثِ طَوِيلِ الثَّلاثِ قَصِيرِ الثَّلاثِ عَرِيضِ الثَّلاَثِ
مُحجَّلِ رِجْليْنِ طَلْقِ اليَدَيْنِ لَه غُرَّةٌ مِثْلُ ضَوْءِ الإِرَاثِ
إِذا احْترثَ الناسُ ما يَجْمعون فإِنَّ الجِياد يَكُنَّ احْتِرَاثِي
تُرَاثُ أَبِي كُنَّ مِنْ بَعْدِه وهُنَّ إِذَا مِتُّ بَعْدِي تُرَاثِي
وأُتِيَ الحجّاجُ بفَرسٍ، فقال لجُلَسائه: أَبُّكم يَنعَتُ هذا الفَرَسَ فهو له، فابتدَرَ ابنُ القرِّيَّة فقاتل: أَصْلح الله الأَمير، هو حَدِيدُ الثلاثِ، أَسودُ الثلاثِ، قصيرُ الثلاث، طَوِيلُ الثَّلاث، مُشرِفُ الثَّلاث، أَقْنَى الثَّلاثِ، صُلْبُ الثَّلاثِ، فقال له الحجّاجُ: لتُفَسِّرَنَّ أَثَالِثَكَ أَو لأَضْرِبنَّ عُنُقَك، قال: حَدِيدُ النَّظَر، حَديد القَلْبِ، حَديدُ المَنْكِب، أَسودُ العينِ، أَسودُ الحافِرِ، أَسودُ الذَّنَبِ، قَصيرُ السّاقِ، قصيرُ الظَّهْرِ، قَصِير النَّسَا، طويلُ البَطْنِ، طَوِيلُ العُنُقِ، طويلُ القَوَائم، مُشْرِفُ المَناكِب، مُشْرِف الهَامَةِ، مُشْرِفُ المَتْنِ، أَقْنَى القَوائِم، أَقْنَى الظَّهْر، أَقْنَى العُنق. قال: أَحسنتَ خُذهُ لك.
[ ٥٧ ]
وبعثَ الحجّاجُ إِلى عبد الملِك فَرسًا، وكَتبَ إِليه: قد وَجَّهْتُ إِليك، يا أَمير المؤمنينِ، فَرسًا مَليح القَدِّ، أَسِيلَ الخَدِّ، حَسَن المَنْظَرِ، مَحمود المَخْبَرِ، يَسْبِقُ الطَّرْفَ، ويَستغرِق الوصْفَ.
ولعبد السّام بن رَغْبَان:
وأَحمّ مِن أَوْلاَدِ أَعْوَدج عُجْتُه وأَظُنَّه للبَرْقِ كانَ حمِيمَا
مُتَكفِّئًا لوْ أَنَّهُ جَارَى الصَّبَا شأْوًا لَبَاتَ أَدِيمُها مَحْمُومَا
مُسْتقْبلًا أَعْلى الذُّرَا مُسْتَعرِضًا بسْطًَ القَرَا مُسْتَدْبِرًا مَلْمُومَا
حُرَّ الإِهابِ وَسِيمَهُ بَرَّ الأَبا بِ كَرِيمَه مَحْضَ النِّصَابِ صَمِيمَا
؟ إِنْ قِيدَ جَاءَكَ زِينَةً أَو رِيضَ رِي - ضَ بنِيَّهً أَو رِيعَ رِيعَ ظَلِيمَا
فَارَعْتُ فيها الوَحْشَ عنْ مُهجَاتِهَا وجَعلْتُه بنُفُوسِهنّ زَعِيمَا
وهذا من الكلام الجَزْل الحَسنِ النِّظَام الصحيح الأَقسام.
ولعلّي بن جبَلة:
في كلِّ مَنْبِتِ شَعْرةٍ من جِلّدِه خَطٌّ يُنَمْنِمُهُ الحُسَامُ اللَّهْذَمُ
ما تُدْرِكُ الأَبْصَارُ أَوْفَى جَرْيِه حتَّى يفُوتَ الرِّيحَ وهْوَ مُقَدَّمُ
وكأَنِّما عَقَدَ النَّجُومَ بطَرْفِه وكأَنَّه بعُرَا المَجَرَّة مُلْجَمُ
ولمرْوان بن أَبي حَفْصَة:
لقَدْ نَظَرْتُ نَظْرَةً لم تَكذِبِ
في خَلْقِ مَحبُوكِ السَّرَاةِ سَلْهَبِ
خَاظِي البَضِيعِ مِثْل تَيْسِ الحُلَّبِ
مُصَامِصٍ للناظِرِين مُعْجِبِ
في الأَعْوجِيّاتِ كَرِيم المنْصِب
حمَاتُهُ ظاهِرةٌ كالأَرْنبِ
تَحتَ نَسًا ما خانَها مُعَقْرَبِ
وفَخِذٍ مأْمونَةِ المُرَكَّبِ
ذي حارِكٍ تَمَّ وهَادٍ أَغْلَبِ
سامٍ كجِذْعِ النَّخلةِ المُشَذَّبِ
مُحَمْلَجِ المَتْنِ مُمَرٍّ حَوْشَبِ
مُقَلّصٍ عَبْلِ الشَّوَى مُحَنَّبِ
صُلْبِ الشَّظَا يُسْرِعُ دَقَّ الصُّلَّبِ
بحَافِرٍ لاَمٍ ورُسْغٍ مُكْرَبِ
باقٍ على طُولِ الحِضَارِ مُعْقِبِ
للمُقْرَبَاتِ السابِحَاتِ مُتْعِبِ
تَشْقِي به رُبْدُ النَّعَامِ الخُضَّبِ
والأَحْقَبُ الخابِطُ بَعْدَ الأَحْقَبِ
وكُلِّ مَوْشِيٍّ شَوَاهُ قَرْهَبِ
ما يُرَ مِنهنّ عِيَانًا يَعْطَبِ
إِن قَرُبَتْ منه وإِنْ لمْ تَقْرُبِ
بمَيْلَةٍ مِنْ تَئِقٍ مُجَرَّبِ
أَدْرَكَها عَفْوًا ولم يُعيَّبِ
لم بعض احتباءَ المحتَبِي
أَو لَمْعَةَ العارِضِ ذي التَّحَلُّبِ
وفيها:
إِنّ الكُمَيت إِذ جَرى لمْ يَلْغُبِ
بَذَّ العَنَاجِيجَ بشَدٍّ مُلْهبِ
كالوَابِلِ الرَّائح من ذِي الهَيْدَبِ
أَقْبَلَ يَنْقَضُّ انْقِضاضَ الكوْكَبِ
حَتّى حَوَى السَّبْقَ ولمَّا يُضْرَبِ
كأَنَّهُ بازٍ هَوَى مِنْ مَرْقَبِ
ولأبي تمام:
إِنْ زَارَ مَيْدَانًا سَبَى أَهْلَه أَو نَادِيًا قامَ إليه الجُلوسْ
سامٍ إِذا استَعْرَضْتَه زَانَهُ أَعْلَى رَطِيبٌ وَقرَارٌ يَبِيسْ
كأَنّما خامَرَه أَوْلَقٌ أَو غازَلَتْ هَامَتَهُ الخَنْدَريسْ
عَوَّذَه الحاسِدُ ضَنًّا به ورَفْرَفت خَوْفًا عليه النُّفوسْ
وله أَيضًا:
ما مُقْرَبٌ يَختالُ في أَشطانِه مَلآنُ مِن صَلَفٍ به وتَلَهْوُقِ
بحَوَافِرٍ حُفْرٍ وصُلْبٍ صُلَّبٍ وأَشَاعِرٍ شُعْرٍ وخَلْقٍ أَخْلقِ
ذُو أَوْلَقٍ تَحْتَ العَجاجِ وإِنّمَا منْ صِحّةٍ إِفْرَاطُ ذاك الأَوْلَقِ
مُسْوَدُّ شَطْرٍ مثْل ما اسْوَدَّ الدُّجَى مُبْيَضُّ شَطْرٍ كابْيضاضِ المُهْرَقِ
قدْ سالَتِ الأَوْضاحُ سَيْلَ قَرارَةٍ فيه فمُفْتَرِقٌ عليه ومُلتَقِي
ولعليّ بن الجهْم:
[ ٥٨ ]
فَوقَ طِرْفٍ كالطَّرْفِ في سُرْعَةِ الطّ رْفِ وكالقَلْب قَلْبُه في الذَّكَاءِ
لا تَراهُ العُيُونُ إِلاّ خَيَالًا وهْو مِثْل الخَيالِ في الاِنْطِواءِ
وللبحتُرِيّ:
بأَدْهَم كالظَّلامِ أَغَرَّ يجْلُو بغُرَّتِه دَيَاجِيرَ الظَّلاَمِ
تَرَى أَحْجاله يَصْعَدْنَ فِيه صُعُودَ البَرْقِ في جَوْنِ الغَمامِ
وله أيضًا:
كالهَيْكلِ المَبْنِيّ إِلاّ أَنّه في الحُسْنِ جاءَ كصُورَةٍ في هَيْكلِ
يَهْوِي كَما تَهْوِي العُقَابُ وقد رَأَتْ صَيْدًا ويَنْتَصِبُ انْتِصَابَ الأَجْدَلِ
مُتَوَجِّسٌ برَقيقتَين كأَنما تُرَيَانِ مِنْ وَرَقٍ عليه مُوَصَّلِ
ذَنَبٌ كما سُحِبَ الرِّداءُ يَذُبُّ عن عُرْفٍ وعُرْفٌ كالقِنَاعِ المُسْبَلِ
كالرَّاحِ النَّشْوَانِ أَكثرُ مَشْيهِ عَرْضًا على السَّنن البَعِيدِ الأَطْولِ
ذّهَبُ الأَعَالِي حينَ تذْهَب مُقْلةٌ فيه بنَاظِرِهَا حدِيدُ الأَسْفَلِ
تتَوَهَّمُ الجَوْزاءَ في أَرْساغِهِ والبَدْرَ غُرَّةَ وَجْهِهِ المُتَهَلِّلِ
وكأَنّما نَفَضَتْ عليهِ صِبْغَها صَهْباءُ للبَرَدَانِ أَو قُطْرُ بُّلِ
وتَخالُه كُسِيَ الخُدُودَ نَوَاعِمًا مَهْمَا تُوَاصِلْها بلَحْظٍ تَخْجَلِ
وتَرَاهُ يَسْطعُ في الغُبَارِ لَهِيبُهُ لَوْنًا وشَدًّا كالحَرِيقِ المُشْعَلِ
وتَظُنُّ رَيْعَانَ الشَّبابِ يَرْوعُه مِنْ جِنَّةٍ أَو نَشْوَةٍ أَو أَفْكَلِ
هَزِجُ الصَّهِيلِ كأَنَّ في نَغماتِه نَبَراتِ مَعْبَدَ في الثَّقِيل الأَوَّلِ
ملكَ العُيونَ فإِنْ بَدَا أَعْطيْنَهُ نَظَرَ المُحبِّ إِلى الحبِيبِ المُقْبِلِ
ولمحمد بن سعيد:
وقَدْ أَغْتَدِي والشَّمْسُ في حُجُبِ الدُّجَىبعَبْلِ الشَّوى نَهْدِ المَرَاكِلِ هَيْكَلِ
إِذا اخْتَال خِلْتَ اللَّيْلَ أَعْلاه سَارِيًاعَلى مِثْلِ نُورِ الشَّمْسِ غَيرْ مُمَثّلِ
أَخو خَطَراتِ الفِكْرِ في شَأْوِ جَرْيِه رَسِيلُ عنَانِ البَرْقِ عِندَ التَّرَسُّلِ
يُقرِّبُ ما يقْصُو يُبْعِدُ ما دَنَا بأَهْدَابِه في مُدْبِرِ الشَّدِّ مُقْبِلِ
يخُدَّ أَدِيمَ الأَرضِ خَطْوًا وإِنْ جَرَى تَوَهَّمْتَه يَجْرِي على أَرْضِ قَسْطَلِ
ولأَحمد بن محمد المصِّيصيّ:
بطَاوِي الحشَا إِنْ زُعْتَه فَهْوَ بارِقٌ وإِنْ قَامَ إِظْلامٌ وإِنْ سَارَ كَوْكَبُ
كأَنّ الدُّجى بَعْدَ الوَنَى مِنْه جَدْوَلٌ خطَاهُ وخَلَّى مَاءَهُ عَنْهُ يَنْضُبُ
البيت الأوّل أَحسن، والثاني مليحُ المَعْنَى، إلاّ أَنّه من قولِ الخَثعميّ:
لا تَحْسبُ اللَّيْلَ إِلاَّ شَمْلَةً سًقطَتْ علَى الفلاةِ خَطَاهَا وهْو مُرتْحِلُ
وهذا أَحسنُ وأَطبَعُ، وإِنْ كان المصِّيصيُّ قد زاد بقوله بَعْد الوَنى.
وللحَلَبيّ:
وكُمَيتٍ وَرْدٍ كأَنّك أَلقَيْ تَ علَيْه ثَوْبًا من الأُرْجُوانِ
أَعْوَجيٍّ يُنَاسِبُ البَرْقَ لا بَلْ هُو أَمْضَى في السَّبْقِ يَوْمَ الرِّهَانِ
مُصْمَتِ الظَّهْرِ أَجْوفِ الشَّجْرِ ما يَنْ فَكُّ ضَنْكَ النُّسُورِ رَحْب العِجَانِ
لاحِقِ الأَيْطَلَيْنِ عَبْلِ الذِّراعيْ نِ ثَقٍيلِ الصَّلاَ خَفِيفِ اللَّبانِ
ورقِيقِ الخَدَّيْنِ ضَخْمِ المَعَدَّيْ نِ شدِيدِ المَتْنَيْنِ رخْوِ العِنَانِ
عَرُضَ الفَائِلانِ وانْهَرَتْ الشِّدْ قانِ مِنْه وطَالَتِ الأُذُنانِ
وكأَنَّ العَينَيْنِ حين يُدِيرُ اللَّ حْظَ ياقُوتتَانِ تأَتَلِقَانِ
[ ٥٩ ]
وترَاهُ مثْلَ الهَدِيّ إِذا أَقْ بَلَ يَخْطُو في سَرْجه والعِنَانِ
فعَلَيْه يَفْرِي الفَتَى طَيْلَسَانَ اللّ يْلِ واللَّيْلُ مُسْبَلُ الطَّيْلَسَانِ
وبه تُبْلَغ المُنَى حينَ لا تَأْ مُلُ مِن غَيْرِه بُلُوغ الأَمانِي
ولابن طَباطَبَا العَلَويّ:
أَغَرَّ تَغدُو الغَدَاةَ منه علَى أَغَرَّ قَدْ زَادَ حُسْنَه نَزَقُهْ
أَدْهَمَ يُعْشِي العُيُونَ غُرَّتُه يُحْسَبُ ليْلًا ووَجْهُهُ شَفَقُهْ
طَالَتْ ثَلاَثٌ منه كما قَصُرَتْ منه ثَلاَثٌ وزَانَه شَدَقُهْ
ذو شِيةٍ أُشبِعَتْ له حَلَكًا وحافِرٍ ظَلَّ مُشْبَعًا زَرَقُهْ
تَمَّتْ مقَادِيمُه وقَدْ سَتَرَتْ فَارِسَه مُقْبِلًا به عُنُقُهْ
إِذَا سَمَا طَرْفُه إلى أَمَدٍ قُرِّبَ بالشَّدِّ منه مُنسَحِقُهْ
كأَنّه الرِّيحُ حينَ تُرْسِلُه أَو لمْعُ بَرْقٍ إِذا بَدَا طَلَقُهْ
لوْ أَنّ يَوْمَ الرِّهانِ سابَقَهُ داحِسُه جاءَ مُحْرَزًا سبَقُهْ
يَنْسابُ كالأَيْنِ تَحْتَ راكِبِهِ وتَارَةً يَسْتطِيرُهُ عَنَقُهْ
تَخالُه السَّهْم عنْدَ جرْيَتِه يَسْبِق لَحْظَ العُيُونِ مُمْتَرِقُهْ
تطِيب أَعْراقُه لَدَى نَسب ال خَيْلِ وفي الجَرْيِ طَيِّبٌ عَرَقُهْ
رَحِيبُ مَجْرَى الحِزَام مُجْفَرُه أَجَشُّ صَوْتِ الصَّهيلِ صَهْصَلِقُهْ
وللمَرْيَمِيّ:
ظِرْفٌ كطَرْفِ العيْنِ بَلْ هِي دُونَه جَمُّ الجِرَاءِ إِذَا جَرَى غَيْدَاقُهُ
للظَّبْيِ منه أَيْطَلاهُ كمَا حَكَى رَأْسُ القَرِيض وللنَّعامةِ سَاقُهُ
؟ وله من السَّبُعِ اتِّساعُ إِهابِه ومع اتِّساعِ إِهابِهِ أَشْداقُهُ
بَذَّ الجِيادَ فما تَعَاطَى ركْضَه إِذْ كان يُعْيِي رَكْضَهَا إِعْنَاقُهُ
لولا تماسُكُ مَسْكِه في شدِّهِ لا نْقَدَّ عنْه لَبَانُه وصِفَاقُهُ
وللوليد بن عُبَيْد البحتُريّ:
جَذلانُ تَلطِمُه جَوَانِبُ غُرّةٍ جاءَت مجيءَ البَدْرِ عِنْد تَمامِهِ
وأسْوَدَّ ثُمَّ صَفَتْ لعَيْنَيْ ناظِرٍ جنَبَاتُه فأَضاءَ في إِظْلامِهِ
يَختال في اسْتعراضِه ويُكِبُّ في اسْ تدْبارِه ويَشبُّ في اسْتِقدامِهِ
وكأَنّ فارِسه وَرَاءَ قَذَالِه رِدْفٌ فلَسْتَ تَراه مِن قُدّامِهِ
ومُقَدّمُ الأُذُنيْن يُحْسَب أَنّه بِهما يَرَى الشَّخْصَ الذي لإِمامِهِ
لاَنتْ معاطِفُه فخُيِّلَ أَنّه للخَيْزُرَانِ مُنَاسِبٌ بعِظامِهِ
مَالَتْ جَوانِبُ عُرْفِه فكأَنَّهَا عَذَبَاتُ أَثْلٍ مالَ تَحْتَ حَمَامِهِ
ولأحمد بن محمد الحضرمي:
طِرْفٍ به اسْتِطْرافُنَا وَحْشَ الفَلاَ مُنْذُ افْتَلَيْناه لِيَوْمِ لِكَاكِ
شَنِجِ النَّسا زَجِلٍ كأَنَّ سَرَاتَه زُحْلُوقُ لعْبٍ أَوْ سَرَاةُ مَدَاكِ
ينْقضّ كالنَّجْمِ انْبَرَى للرَّجْم أَو كالسَّهْمِ طاحَ بمَلْعَبِ الأَتْراكِ
فكأَنّ وَحْش الأَرضِ مِنْ تَعْدائِه مَشْدُودةٌ بحبَائلِ الأَشْراكِ
فثَنَاهُ ما بلَّ الجَمِيمُ شَكِيرَهُ يَمْشِي العِرَضْنَة مِشْيةَ الفُتّاكِ
مُتصعْلِكٌ يَخْتَال في دِيباجَةٍ زنْجِيَّةٍ وشوَاه في أَنْطَاكي
وله أَيضًا:
يغْدُو بشِكَّتِه وبِزَّتِه ضَلِعٌ إِلى العُقَّال مَنْزِعُهُ
لَبِسَ الدُّجَى فزُهِي بمَلْبَسهِ ولَبِسْنَ ضوْءَ الفَجْرِ أَكْرُعُهُ
فأَضاءَت الشِّعْرى بغُرَّتِه لَمَّا تَكَشَّفَ عنه بُرْقُعُهُ
[ ٦٠ ]
فكأَنَّهُ إِيماضُ بَارِقةٍ سِيقَتْ إِلى ظَمْآنَ تَنْقَعُهُ
وإِذا غلاَ في الجَرْيِ مَنْصلِتًا خَفِيَتْ على الأَبْصارِ أَرْبَعُهُ
أَخذَ هذا المعنَى من خَلَفٍ الأَحمرَ يَصف ثَوْرًا وَحْشِيًّا:
وكأَنَّمَأ جهدَتْ أَلِيَّتُهُ ألاَّ يَمَسَّ الأَرْضَ أَرْبَعُهُ
وأخذه خَلَفٌ من الأَعشَى في صِفة ناقة:
بجُلاَلةٍ أُجُدٍ مُدَاخَلَةٍ ما إِنْ تكادُ خِفافُها تَقَعُ
ولابن المعتز:
وكَمْ حَضَرَ الهيجاءَ بي ناصِعُ الشَّظَى تَكَامَلَ في أَسْنَانِه فَهْوَ قَارِحُ
له عُنُقٌ يَغْتَالُ طُولَ عِنَانهِ وصَدْرٌ إِذَا أَعْطَيْتَه الجَرْيَ سابِحُ
إِذا مَالَ في أَعْطَافِه قُلْتَ شارِبٌ غَدَاهُ بتَصْرِيف المُدَامَةِ سانِحُ
وقلتُ:
ورُبَّ لَيْلِ جُبْتُهُ غِبَّ سُرًى بمُشْرِف الكاهِلِ مَلْمُومِ الكَفَلْ
نِسْبَتُهُ لأَعْوَجٍ ولاحِقٍ فهو رَبِيطٌ مِن رِبَاطٍ مُنْتَحَلْ
نَهْدٍ جَمُومِ الشَّدِّ فِيه لِقْوَةٌ تَنْقَضُّ يَوْمَ الدَّجْنِ خَوْفًا ووَهَلْ
تَرَاه في إِقباله طَوْدًا وفي إِدبارِه سَيْلًا وعَرْضًا مُعْتَدِلْ
ذِي غُرَّة كالصُّبْح في داجِيَةٍ من الظَّلام أَظْلَمَتْ منه السُّبُلْ
وأَربَعٍ تُخْجِلُ عنْدَ جَرْيِهِ رِيحَ القَبُولِ والجَنُوبِ والشَّمَلْ
ولمحمد بن الحسن بن دُرَيدٍ:
ومُشْرِفُ الأَقطارِ خاظٍ نحْضُهُ حابِي القُصَيْرَى جُرْشُعٌ عَرْدُ النَّسَا
قَرِيبُ ما بَيْن القَطَاةِ والقَرَا بَعِيدُ ما بَيْنَ القَذَالِ والصَّلاَ
سَامِي التَّلِيلِ في دَسِيعٍ مُفْعَمٍ رَحْبُ الذِّراعِ في أَمِينَاتِ العُجَا
رُكِّبْنَ في حَوَاشِبٍ مُكْتَنَّةٍ إلى نُسُورٍ مِثْلِ مَلْفوظِ النَّوَى
يُدِيرُ إِعْلِيطَيْنِ في مَلْمُومةٍ إلى لَمُوحَيْنِ بأَلْحاظِ الَّلأَى
مُدَاخَلُ الخَلْقِ رَحِيبٌ شَجْرُهُ مُخْلَولِقُ الصَّهْوَةِ مَمْسُودٌ وَأَى
لا صَكَكٌ يَشِينُه ولا فَجَا ولا دَخِيسٌ وَاهِنٌ ولا شَظَا
يَجْرِي فتَكْبُو الرَِّيحُ في غَايَاتِهِ حَسْرَى تَلُوذُ بجَرَاثِيمِ الِسَّحَا
إِذا اجْتَهَدْتَ نَظَرًا في إِثرِهِ قُلْتَ سَنًا أَوْمَض أَو بَرْقٌ خَفَا
كأَنّما الجَوزَاءُ في أَرساغِه والنَّجْمُ في جَبْهَتِه إِذا بَدَا
وقُلْتُ في مقصورةٍ عَملتُهَا في هذا الوَزْن:
وقارحٍ سَمْحِ القِيَادِ سابحٍ عارِي النَّسَا عالِي الشَّوَى عَبْلِ الشَّوَى
ظَلَّلَه هادٍ وأَوْفَى حارِكٌ وانْجَدَلَ المَتْنَانِ واشْتَدَّ القَرَا
تَقُول إِن أَقْبَلَ عَيْرُ عَانَةٍ مُرْتَقِيًا على يَفَاعٍ قَدْ عَلاَ
وهْوَ أَكبُّ إِنْ مَضَى مُوَلِّيًا حتَّى إِذا اسْتَعْرَضْتَه قلْتَ اسْتَوَى
نَهْدٌ عَرِيضُ الجَنْبِ فَعْمٌ أَضَمرَ ال طِّرَادُ والكَرُّ حَشَاهُ فانْطَوَى
مُحَجَّلُ الأَرْبَع زِينَ وَجْهُهُ بغُرَّةٍ مِثْلِ صَبَاحِ في دُجَى
ذو مَيْعَةٍ يكَادُ في إِحضَارِه يَخْفَى على ناظِرِهِ فلا يُرَى
إِنْ عَصَفَت من الرِّياح أَرْبَعٌ حَسِبْتَها أَرْبَعَهُ إِذا جَرَى
يَهْوِى هُوِيَّ النَّجْمِ في انْقِضَاضِهِ أَوْ أَجْدَلٍ مِن حالِقٍ قد انْصَمَى
[ ٦١ ]
مُحْتَدِمٌ تَسْمَعُ صَوْتَ وَقْعِه كأَنَّهُ وَقْعُ صَفًا على صَفَا
قَيْدُ الوُحُوشِ لا يَزالُ مُدرِكًا راكِبُه عَفْوًا عليه ما اشْتَهَى
وعارضَ قَصيدتي هذِه شاعِرٌ من أَهْل حَرّانَ اسمُه سَعِيدُ بنُ صَدَقَةَ الهاشميُّ بمقصورة لاذَ فيها بشِعِري لفظًا ومعنًى وأَخطَأَ في أَبيات عِدَّة منها، قال:
طِرْفٌ كَرِيمُ الطَّرَفَين مرِحٌ يَمْشِي الدِّفِقّاءَ ويَعْدُو المَرَطَى
الدِّفِقَّى مقصورٌ فَمدَّهُ، وهو خَطأٌ قَبيح. وقال:
كأَنّه الريحُ تَهُبُّ عاصِفًا وخَاطِفُ البرْقِ أَو النّجْمُ هَوَى
ويَذْرَعُ الأَرْضَ ببَاعٍ وَاسعٍ وَهْوَ إِذا ما قِيدَ زَيّافُ الخُطَا
مُسْتَشْرِفٌ في جَرْيه وإِنْ مَشَى رَدَى مِرَاحًا وإِذَا عَدَا دَحَا
تَقولُ جَبَّى مُدْبِرًا ومُقْبِلًا أَقْعَى وإِنْ عارَضْتَه قُلْتَ اسْتَوَى
كلُّ هذِه المعاني لاذَ فيها بما قلته، وهذانِ البَيتانِ الأَخِيرانِ نَظَمهما من قول ابن أُقَيصِر الأَسديّ وقد سُئِل ما أَجودُ الخَيْل؟ فقال: الذِي إِذا اسْتَقْبَلْتَه أَقْعَى، وإِذا اسْتدبَرْتَه جَبَّى، وإِذا عارَضْتَه اسْتَوى، وإِذا مَشَى رَدَى وإِذا عَدَا دَحَا. وقال:
عالِي السَّرَاةِ والقَطَاةِ مُجْفَرٌ حابِي القُصَيْرَى رَبِذٌ عَبْلُ الشَّوَى
وأَيِّدُ الأَرْساغِ ذو حَوَافِرٍ صُمٍّ فمَا يَسْمَعنْ أَصْوَاتَ الوَجَى
البيت الأَول منقولٌ من ابن دُرَيد، والثاني خطأَ لأَنّ الصُمَّ هاهنا الصِّلاب كالحجارة الصُّمّ، وليست بمعنَى الصَّمَم، والوَجَى لا صَوْتَ له فيُسْمَعُ، ولو قال:
وأَيِّدُ الأَرْساغ ذو حَوَافِرٍ حُفْرٍ صِلاَبٍ ما تَشَكَّيْنَ الوَجَى
لكان طابقَ وأَصابَ الصوابَ. وقال:
وما يَزالُ مُلجِمٌ تَلِيلَه إِلاّ إِذا مَدَّ يَدَيْهِ ونَمَا
أَشْرَقَ بالذُّبُولِ من فَرِيرِه وزِينَ مِن حَصِيرهِ بما بَدَا
مُحَجَّلٌّ مُخَدَّمٌ كأَنّما غُرَّتُه الشِّعْرَى ضِيَاءً وبَهَا
البيت الأول معناه مأْخوذ من قول أعرابي:
عالِي المَقَدَّينِ تَرَى مُلْجِمَه يَعْلُو على الأَرْض بتَطْوِيل القَدَمْ
والثاني مأْخوذٌ من كلامِ بعض العرب الشامِيِّين وقد سُئِل: مَتَى يَبلُغُ ضُمْرُ الفَرَس؟ فقال: إذا ذَبُلَ فَرِيرُه، وتَفلَّقتْ غُرُورُه، وبَدَا حصِيرُهُ، واسْتَرْخَت شَاكِلتُهُ.
الفَرِيرُ: مَوْضع المَجَسَّة من مَعْرَفته، وغُرُورُه: غُضُونُ جِلْدِه، وحصِيره: العَصَبةُ التي في الجنْبِ في الأَضلاع إلى جَنْبِ الصُّلْب، والشَّاكِلةُ: الطِّفْطِفَةُ.
والبيت الثالث خَطأٌ، لأنّ التحجيل والتخديم لا يَجتمعانِ في فَرَسٍ، وقد بَيَّنَا ذلك في شِيَاتِ الخَيْل.
والبَهَاءُ ممدودٌ فقَصَرَه، وذلك جائزٌ عند الاضطرار إِذا لم يكن البِنَاءُ وَاهِيًا مُنْحَلاَّ، والنّظمُ ساقِطًا مُضمَحِلًاّ، والقَصِيدَة بأَسْرِها على هذا، وقد عَملنا فيها رِسالةً سارَتْ.
ولأبي المعتصم عاصم بن محمّد الأَنطاكيّ:
هذا وطرِفٌ يَسْبِق ال طَّرْفَ إِذا الطَّرْفُ رَنَا
أَدْهَمُ كاللَّيْلِ إِذا أَرْدِيَةَ اللَّيْلِ ارْتَدَى
كأَنّما يَرْمِي الدُّجَى بِقطْعَةٍ من الدُّجَى
مُحجَّلُ الأَرْبَعِ مَحْ بُوكُ القَرَا عَبْلُ الشَّوَى
ذِي قُرْحَةٍ خَفِيّة كأَنّها نَجْمُ السُّهَا
كأَنّما أَرْبَعُهُ إِذا تَنَاهَبْنَ الثَّرَى
ريحُ الجَنُوبِ والدَّبو رِ والشَّمَالِ والصَّبَا
يَلْعَب في الأَرْضِ بها من مَرَحٍ خَسَا زَكَا
مُوَاجِةٌ وَجْهَ الصَّفَا منه بأَمْثَالِ الصَّفَا
[ ٦٢ ]
لا عَصَبٌ يَعِيبُهُ تَشْمِيرُهُ ولا شَظَا
إِذا امْتطَى رَاكِبُه مَطَاهُ فالرِّيحَ امتَطى
الشَّطْرُ منه عُنُقٌ والشَّطْرُ طَوْدٌ يُمْتَطى
وهْوَ يَرَى مَا لاَ يَرَى رَاكِبُهُ حيثُ انْتَأَى
ويَسْمَعُ الحِسَّ الّذِي يَخْفَى علَى بُعْدِ المَدَى
الوَعْرُ سهْلٌ عنْدَه وما نَأَى كمَا دَنَا
كأَنَّه بَعْدَ الكَلاَ لِ في الفَلاَ سِيدُ الفَلاَ
نِعْمَ العَتَادُ للقِرَى ولِلسُّرَى ولِلْعِدا
لو اعْتَزَى قال أَبِي أَعْوَجُ والأُمُّ العَصَا
هُوَ الَّذِي خَوَّلَنَا هُ اللهُ مِن بَينِ الوَرَى
ولأَبي دُلَفَ قاسِم بن عِيسى العِجْليّ:
ولقد أَرُوحُ بمُشْرِفٍ ذِي مَيْعةٍ عَبْلِ الشَّوى نَهْدٍ أَغرَّ مُحَجَّلِ
رَحْبِ الفُرُوجِ سَوَابغٍ أَضْلاعُه عَبْلٍ أَعالِيه عَرِيِّ الأَسْفَلِ
لُحُقِ الأَياطِل جُثَّمٍ أَرِسَاغُه في وُقَّحِ حُوٍّ كصُمِّ الجنْدَلِ
ويَحُطُّ ثِنْىَ الجُلّ عن كَفَلٍ له مثْلِ الصَّفَاةِ تَرُدُّ حَدَّ المِعْوَلِ
جَونِ القَرَا أَحْوَى اللَّبَانِ مُقَلِّصٍ عارٍ نَواهِقُه صَحِيحِ الأَبجلِ
طَوْعِ اليَدَيْن عِنَانُه وقِيَادُهُ سَهْلٍ مَعَاطِفُهُ رحِيبِ المَصْهَلِ
وكأَنَّ عَقْدَ عِنَانِه وعِذَارِه نِيطَا بجِذْعِ النَّخْلةِ المُتعَثْكِلِ
سكنَتْ أَعالي خَلْقِهِ وكأَنَّما يَهْوِي بأَكْرُعِه اعْتصَافَ الشَّمْأَلِ
قول أَبي المعتصم كأَنما أَربَعُهُ من قول الأعرابي:
فكأَنّه طَوْدٌ إِذا عَايَنْتَهُ وكأَنَّ أَرْبَعَه الرِّياحُ الأَرْبَعُ
جمعَ ثِقلَ الخَيْلِ وخِفَّةَ الرِّيَاح في بَيْتٍ وَاحِد وأُنْشِدتُ لأَعْرَابيٍّ من بني أَسَدٍ يَرثِي فَرَسه:
إِنّ الجِيَادَ لِكلّ يَوْمِ كَرِيهَةٍ تَبْكِي لخَيْرِ مُسَخَّرٍ مَرْكوبِ
وبَكَى الرِّهانُ على أَغرَّ هَمَرْجَلٍ كالطَّوْدِ حُفَّ من الجِبَال بلُوبِ
وكأَنّمَا انْتَعَلَ الرِّياحَ بأَرْبَعٍ يَنْهَضْنَ من لِبْدِ الثَّرَى بكَئِيبِ
زَيْن الجِيَادِ بسَرْجِه ولِجَامِه يَوْمَ الطِّرَادِ وزِينة التَّسْلِيبِ
هذا البيت الأَخِير مثل قَولِ ذي الرُّمَّة ولا أَدْري أَيُّهما أَخَذَ من صاحِبه:
زَيْنُ الثِّياب وإِنْ أثْوَابُها استُلِبَتْفَوْقَ الحَشِيَّةِ يَوْمًا زَانَهَا السَّلَبُ
ولأحمد بن محمد العَلويّ:
يَغْشَى الهِيَاجَ على حِصَانٍ لا تَرَى في الرَّوْع حِصْنًا منه حَفْرَ الخَنْدَقِ
إِنْ قِيلَ ثِبْ فكأَنّ بَيْن عِنَانِه سَهْمًا تَقُول له يَدُ الرّامِي امْرُقِ
وفيها:
وكأَنّ أَدْهمَه الأَغَرَّ إِذا بَدَا لَيْلٌ يُفَاجِئُنَا بفَجْرٍ مُشْرِقِ
يَخْتَالُ في الرَّهَج المُثَارِ لَدى الوَغَى فتَراه مِثْلَ العَارِض المتأَلِّقِ
وصَهيلُه رَعْدٌ وغُرَّةُ وَجْهِهِ بَرْقٌ تَلأْلأَ جنْحَ لَبْلٍ مُغْسِقِ
يَسْبِي عُيونَ الناظِرينِ بضَوْءِ تَحْ جِيلِ الثَّلاثِ وحُسنِ رُسْغٍ مُطْلَقِ
تَغْدو العُيونُ على مَحَاسِنِ وَجْهِه تَنْحَطُّ في بَهجَاتِهنّ وتَرْتَقِي
عَجَبًا لشَمْسٍ أَشْرَقَت مِن وَجْهِه لمْ تَمْحُ منه دُجَى الظَّلامِ المُطْبِقِ
فَرِقٌ متَى يُعْنِقْ فمَوْجٌ طافِح ويَبُذُّ جَرْىَ المَوْجِ إِن لمْ يُعِنقِ
إنْ هَاجَهُ للْجَرْيِ في الغَرْب اغْتَدَىقَبْلَ ارْتِدَادِ الطَّرْفِ أَقْصَى المَشْرِقِ
[ ٦٣ ]
وللعباس بن جَرِير في بِرْذَون:
وعِنْدِي لكُ بِرْذَونٌ كضَوْءِ النَّجْم في النُّورِ
له سالِفَتَا ظَبْيٍ مِن القنَّاص مَذْعُورِ
إِذا صاحِبُه أَوْفَى بِمتْنٍ منه مَضْبُورٍ
وجَاشَتْ نَفْسُه خِلْتَ بهِ لَسْعَةَ زُنْبُورِ
عليه نُقَطٌ سُودٌ كمِسْكٍ فَوْقَ كَافُورِ
وأَهدَى إِسماعيلُ بن صبِيح إلى سَعِيد بن هريمٍ بِرْذَونًا، وكتبَ إليه: هو لَيِّنُ المَرفُوع، وبَطِيءُ المَوْضوع، حَسَنُ المجموع.
وقال الجاحظ: سَايَرَ ابنٌ لشبيب بن شَيْبَة عَليَّ بنَ هِشامٍ فقال: سْرْ فقال: كيف أَسِيرُ وأَنا على بِرذَوْن إِنْ ضَرَبْتُهُ قطَفَ وإِن تَرَكْتُه وَقَف. وأَنت على بِرْذَونٍ إِن ضَرَبْتَه طَارَ، وإن ترَكْتَه سارَ؟ قال: ما أحسنَ ما استَحْمَلْتَ. ونَزَلَ عنه فحَمَلَه عليه.
وقال المأْمون لطاهر بن الحسين وقد سَايَرَه: ما أَقدَمَ برْذَونَ: هذا: قال: من برَكِة الدَّابَّة طُولُ صُحْبتِه، وقِلّةُ عِلَّتِه. قال: فيكف حَمْدُك له؟ قال: هَمُّهُ أَمامُهُ، وسَوْطُه لِجَامُهُ، ما ضُرِب قَطُّ إِلاّ ظُلمًا لِسَيْره، ولا اسْتُحِثَّ إلاّ للعَادةٍ في غَيْره. فقال: مِثْلُك أَبا الطَّيِّب، فلْيَصِفِ الشْيءَ إِذا وَصَفَه.
وكان لمحمّد بن عبد الملك بِرْذَون أشْهَبُ أَحَمُّ، لم يُرَ مِثْلُه في الفَرَاهة، والوَطَاءِ والحُسْنِ، فذًَكَر المعتصمُ يومًا الدَّوَابَّ فقال: أَشتهِي دَابّةً في نِهَايَةِ الوَطَاءِ يَصلِحُ للسَّرَايَا. فقال له أَحمدُ بن خالد: عند كَاتِبك، يا أَميرَ المؤمنين، محمَّد بن عبد الملكْ الزّيّاتِ دَابَّةٌ لم يُرَ مِثْلُه فوجَّهَ المعتصمُ فأَخَذَه من محمّد فقال فيه محمد من أَبيات:
كيْفَ القَرَارُ وقَد مَضَى لسبِيله عنّا فوَدَّعَنَا الأَحَمُّ الأَشْهَبُ
للهِ يَوْمَ غَدُوتَ عَنّي ظاعِنًا وسُلِبْتُ قُرْبَكَ أَيّ عِلْقٍ أُسْلَبُ
الآنَ إِذْ كَمُلَتْ أَدَاتُك كلُّهَا ودَعَا العُيُونَ إِليْك زِيٌّ مُعْجِبُ
واخْتِيرَ مِن خَيْرِ الحَدَائدِ خَيْرُهَا لك خَالِصًا ومِن الحُلِيِّ الأَغْرَبُ
وغَدَوْتَ طَنَّانَ اللِّجامِ كأَنّما في كلِّ عُضْوٍ منكَ صَنْجٌ يُضْرَبُ
وكأَنّ سَرْجَك فَوقَ مَتْنِ غَمَامَةٍ وكأَنّمَا تَحْتَ الغَمَامَة كَوْكَبُ
ورَأَى عَليِّ بك الصَّديقُ مَهَابةً وغَدَا العَدُوُّ وصَدْرُهُ يَتَلَهَّبُ
أَنْسَاك لا بَرِحَتْ إِذًا مَنْسِيّةً نَفْسي ولاَ زالَتْ بمثْلِ: تُنكَبُ
وكان الفَضْل بن عبد الله مُولَعًا برُكُوبِ البِغَال، فقال له بعضُ إِخوانه: ما وَلُوعُك برُكُوب هذه الدّابَّةِ، فوالله ما يُدرَكُ عليها ثَأْرٌ، ولا يُسْبَقُ عليها يَومَ الرِّهَان. فقال: إِنّهَا نَزَلَتْ عن خُيَلاَءِ الخَيْلِ، وارْتَفَعَتْ عن ذِلّة العَيْرِ وخيْرُ الأُمُورِ أَوْسطُهَا.
وقال الأَصمعيّ: أَحْسَنُ ما قِيلَ في صَلْصَلَةِ لِجام بلسان فَرسٍ قَوْلُ ابن مُقْبِل:
ستَبْكِي على عَمْرٍو عُيُونٌ كَثِيرةٌ فعُدُّوا المَذَاكِي بالمُثَقَّفَةِ السُّمْرِ
وكُلّ علَنْدًى شُقَّ أَسْفَلُ ذَيْلهِ فشُمِّرَ عن ساقٍ وأَوْظِفَةٍ عُجْرٍ
يُقَلْقِلُ في فَاسِ اللِّجَامِ لِسَانَه تَقَلْقُلَ عُودِ المَرْخِ في جَعْبَةٍ صِفْرِ
وقال خالدُ بن صفْوان: بئسَ الدّابَّةُ الحِمارُ، إِنْ أَرسَلْتَه وَلَّى، وإِنْ وقَفْتَهُ أَدْلَى، قَلِيلُ الغَوْث، كَثِيرُ الرَّوْث، بَطئُ عن الكُرّ، سَرِيعٌ إلى الفَرّ، لا يُنْكَح به النِّساءُ، ولا تُرَاق به الدِّماءُ.
ونَقْتَنع بما ذكرْنا من صِفات الخَيْل وما جَانَسَها، إِذْ كان لا يُدْركُ ما قالتِ العَربُ فيها، ولا ما قَاله المُحدَثون أَيضًا، ففيما ذكرناه كِفَايَةٌ إِنْ شاءَ اللهُ وهو حَسْبي.