وهو يومٌ لبني ثَعْلَبة بن بَكر على بني تَغلِب كان من أَمْر هذا اليوم أَنّ كَثِيفَ بن حّيي بن الحارث بن زُهيْر بن جُشَم بن بكْرٍ، أَغارَ على بكْر بن وَائل، في خَيْلٍ من بني تغلِبَ فقتَل وأَسَرو سَبْيًا ونَعَمًا، ولحِقَهُ مالكُ بن الصّامتِ، واسمُهُ زيدُ بن عَوْفِ بن عامرِ بن ذُهْل بن ثَعلبةَ، وأُمُّه كُومَةُ بنتُ ضَلِيعٍ، وبها كَأن يُنْسَبُ، وعَمْرو بن الزّبَّانِ في خيلٍ من بَكر، فاقتتَلَوا قِتَالًا شَدِيدًا، وأُسِر كَثِيفُ بن حييّ، أَسرَهُ مالك وعمرٌو فقال مالكٌ: أَسِيرِي وقال عَمرُو أَسِيرِي، وتَلاحَيَا، وكانَ مالكٌ حليمًا، وعَمرو بن الزّبان سفيهًا، فحَكَّما كَثِيفًا في ذلك، فقال كَثِيفٌ: لولا مالِكٌ لأُلْفِيتُ في أَهلي، ولولا عَمرٌو لم أُوسَر. فغضبَ عمرٌو فرفعَ يدَهُ فلطَمَ وَجْهَ كَثِيفٍ، فغَضِبَ مالك وقال: أَتلطِمُ وَجْهَ أَسيرِي؟ فاشترَى مالكٌ نَصِيبَ عَمْرٍو بمائةٍ من الإِبلِ وأَعتَقَهُ للَطْمَةِ عَمروٍ إِيّاه. فقال كَثِيفٌ: يا مالكُ، أَما ودِينِ آبائك لا أُحِلُّ حَلاَلًا ولا أُحرِّم حَارمًا، ولا يَمسُّ رأْسي غِسْلٌ، حتى أُدرِكَ ما صنَعَ بي عمرٌو، وأَمّا أَنتَ فقد استَوجَبْتَ المِنّةَ عليَّ. وقال كَثِيفٌ:
حَلَفْتُ بما لَبَّي له كُلُّ مُحْرٍمٍ له لِمّةٌ حُفَّتْ من الشَعرِ الجَثْلِ
يَمِينًا أَرَى مِنْ آلِ زَبَّانِ وَاتِرًا ليَطْلُبَ منّي دُونَ قَاطِعةِ الحَبْلِ
جَزَاءً بما أَسْدَى إِليَّ أَخوهمُ ليعْلَمَ أَنّ الحِلْمَ أَدْنَى من الجَهْلِ
وأَجْزِي بمَا أَسْدَى من الخَيْرِ مالِكًاأُكَافِي ذَوِي الأَحْسابِ والفَضْلِ بالفَضْلِ
فمكثَ كَثيفٌ بعد ذلك قليلًا، وخَرَجَ بنو زَبّانَ، وهم سِتَّةُ نفَرٍ، وفيهم عَمْرو بن الزَّبّان، في طَلَب إِبل لهُمْ نَدَّتْ، فوجدوها ونُتجوا ناقَةً ونَحروا وَلدَهَا، فبَيْنا هُم يَأْكُلُون إِذ بَصُرَ بهم رجلٌ من غُفَيْلَة ابنِ قاسِطٍ يقال له خَوْتَعةُ، فانطلَقَ حتَّى عرَّفَ كَثِيفًا موضعَهم، فركِبَ لوَقتِه في أَربعين فارسًا، حتى أتاهم فأخذهم أخذًا، فعلم عمرُو بن الزَّبّان أَن كَثيفًا إِيّاه يُرِيدُ، قال كَثِيفٌ: يا عَمْرُو أَتذكُرُ لَطْمَتِي؟ قالَ: نعمْ، ولا خَدّ بَكْرِيٍّ هو أَفْضَلُ من خَدِّي، فدُونك فاقْتَدْ مِن عمّك، وإِن شِئتَ من أَخَوَيَّ. فقال كثيفٌ: بل أَنا قاتِلُك، فقال: لا تَبْدُ بالبَغْي، وخُذِ الحقَّ ولك فِدَاؤُنَا، قال: بل أَقتلُهم معك، قال: إِذَنْ يطْلبُك مَن هو أَشدُّ عليك منّي وأَطلَبُ بثأَرِه، وأَطْوَعُ في قَومه، قال كَثِيفٌ: " ذاك ما ذاك " فذهبت مثَلًا، ثم إنه قتلَهم، وجعل رؤوسهم في غِرَارةٍ علَّقَها في عُنُق الدُّهَيْم ناقَة لعَمْرِو بن الزّبَّان، وفيها يقول العربُ " أَشْاَمُ من الدُّهَيْم " مثلًا و" أَثْقَلُ من حَمْلِ الدُهَيْم ".
وقال الأَعرجُ الطائيّ يتَمَثَّلُ بالدُّهَيم:
يقُودهُمُ سَعْدٌ إِلى بَيْتِ أُمِّه ألاَ إِنّما يُزْجي الدُّهَيْمَ ومَا يَدْرِي
[ ٤٤ ]
وإِنّ راعِيًا للزَّبّان نَظَرَ في آخرِ اللَّيْل وهو يُوقِدُ نارًا إلى الدُّهيْم بارِكةً في عُرْضِ الإِبلِ، فقال: هذه واللهِ ناقةُ عَمْروٍ، قال له الزّبّانُ: انْظُرْ ما علَيْهَا، قال: أُرَاهُ بَيْضَ النّعام أَصَابَهُ بَنُوكَ فبعَثوا به، قال: انْظُرْ وَيلكَ عمّا يُفْرِخُ البيْضُ، فنَظَرَ فإذا الرُؤوسُ، فنادى بالوَيْل، وثَار الزَّبّانُ مذْعورًا، فلمّا نَظَر إلى الرُؤوس قال: " آخِرُ البزّ على القَلُوص " فذهبت مثلًا، ثم وضع الرؤوس بين يديه، وصرخَ: يالَ ثَعلبَةَ، يالَ بَكرِ بن وائِلٍ، فهاجَ النّاسُ إِليه من كُلِّ جانبِ، ومَكَثُوا حينًا لا يَعْرفُون من قتَلَهم، وإِنّ عَمْرو بن لأْي بن الحارث ابن موْأَلَة بن عَمْرو بن مالك بن تَيمِ اللهِ بن ثعلبةَ أَنشَدهم الناسَ، وذكَر أَمرَهم، فعُرِّفَ أَنّ خَوْتعةَ الغُفَلِيّ دَلّ علَيْهم كَثِيفًا فقَتلَهم، فعَرَّفَ الزّبّانَ فحلَفَ أَلاَ تَخْبُوَ لَهُ نارٌ، ولا يقْرُبَ النِّساءَ، ولا يُحَرِّم دَمَ غُفَلِيٍّ أَبدًا حتّى يَدلُّوه على عَدوّه كما دلُّوا على بَنِيه ويُدرِك ثأْرَه من بني تغلِبَ، فنادَى في بكرٍ فأَجَابَتْه بنو ثَعْلَبة، وخذَلتْه لُجَيْمٌ وَيْشكُرُ وحُلفَاءُ كانُوا له من عَنَزَةَ ويَشْكُرَ.
٢٥٠ - فقال الزّبّانُ في ذلك:
أَبَنِي لُجَيمٍ منْ يُرَجَّى بعْدَكمْ والحيُّ قد حُرِبُوا وقد سُفِك الدَّمُ
ولَعَمْرُ وُدّي لَوْ جَمَحْنَ عَلَيْكم جَمْحَ اللُّيُوثِ لما قَعَدْنَا عَنْكُمْ
دَعْ عَنْك يَشْكُرَ إِذْ نَأَتْك بوُدّهَا فلَقَدْ بدا لي أَنَّهُم لمْ يأْلَمُوا
مَنْ مُبْلِغٌ عَنّي الأَفاكِلَ مالِكًا وبنِي قُدَارٍ أَنَّ حِلْفِي الأَعْظَمُ
وقال في مالك بن كُومَةَ:
بَلِّغَا مالكَِ بنَ كُومةَ أَلاّ يَأْتِي الَّليْلُ دُونَه والنَّهَارُ
كُلَّ شيءٍ سِوَى دِمَاءِ بني ذُهْ لٍ عَلَيْنَا يَوْمَ اللِّقَاءِ جُبَارُ
أَنَسِيتمْ قَتْلَي كَثِيفٍ وأَنْتُمْ ببِلادٍ بِهَا يَكُونُ العشَارُ
إِنّنِي قدْ أَتَتْ إِليَّ قَلُوصِي بأُمورٍ يَطِيحُ فيها الكِبارُ
عُضْلَة تَحْمِلُ الدَهِيَّ مِنَ الأَمْ رِ وفيها تَشَدُّدٌ ونِفَارُ
قَتَلُوا سِتَّةً بغَيْر قَتِيلٍ مُّلِكَ الذُّلُّ بعْدهُمْ والصَّغارُ
إِن نَجتْ نَجْوَةً بتَغلِبَ أَو نَجَّ تْ علَى نَأْيِها غُفَيلةَ دارُ
قبْلَ أَن نَثْأَرَ القتِيلَ بقَتْلَي بعْدَ قَتْلَى وتُنْقَضَ الأَوْتَارُ
فلَقدْ نَالَنَا بِذلك عارٌ وكَفَانَا بِذِي الرَّزِيَّةِ عارُ
ولما رجع كَثِيفٌ إلى بني تَغلِب وقد قتَلَ بني الزّبان، قال السُّفاحُ بن خالد بن كعب بن زُهَير:
أَلاَ يا للظَّعَائنِ لوْ سَريْنَا لَعلّ الخَيْلَ يقْضِيهنّ دَيْنَا
فلَمّا أَنْ أَتَيْنَ على ثَمِيلٍ تَأَزَّرْنَ المَجَاسِدَ وارْتدَيْنَا
أَلاَ من مُبْلِغٌ عَمْرو بنَ لأْيٍ بأَنّ بَنَانَ وِلدتِهِ لَديْنَا
فلَم نَقْتُلْهُمُ بدَمٍ ولكِنْ هَوانُهُمُ ولُومُهمُ علَيْنَا
ومَكَث الزبّانُ عَشْر سِنين ما أَدَركَ ببَنِيْه، ثم إِنْ رجُلًا من غُفَيْلَة، يقال له: وَقْشٌ، أَتى الزبّانَ ليْلًا، فعرّفه أَن قومًا من أَعدائِه بالأَقَاطن فقال الزَّبان: قدْ أَنَى لك، ونادَى يالَ بَكر، فاجْتمعت إِلَيْه بن ثَعلَبة، فالمُقَلِّلُ يقول إِنهم كانوا ثلاثمائة وستين فارِسًا، وسَارُوا وأَوَثقَ الزَّبانُ وَقْشًا، وحَبَسه عند أَهلِه، فلما دَنَوٍْا الأَبْيَاتِ وَجَّهَ الزَبّانُ مَن حَزَرها ليلًا، فعَرَّفَه أَنّها نَحْو الثمانين بيتًا، فكبَسهم، فقتَل منهم ثَلاَثة عشر رَجلًا، وقُتِل أَبو مُحيَّاةَ بن زهير بنُ تَيم بن أُسامة، واسمُهُ ضِرارٌ وهو عَمُّ السّفاح.
وقال عَمْرو بن لأْيٍ:
ألا مَن مُبلِغُ السفّاحِ أَنّا قَتَلْنَا من زُهيرٍ ما ابْتَغَيْنَا
[ ٤٥ ]
قَتَلْنَا مالكًا وأَخاه عَمْرًا وحَيَّ بني أُسَامَة واشْتَفَيْنَا
وأَنا لَن يُقَوِّمَنا ثِقَافٌ ولا ضَرْبٌ إِذا نحْنُ الْتقَيْنَا
قَتَلْنَاكُمْ بقَتْلاَنا وزِدْنَا ورأْس أَبِي مُحَيّاةَ اخْتَلَيْنَا
فقالت بنو تَغلِب للسّفاح أَجِبْ عَمْرًا فقال: لا، أَو تَفْعلوا كما فعَلَ القومُ.