وقال أَبو عُبَيْدَة فلما كانَ على قَرْنِ الحَوْلِ، بعد يوم النِّسَارِ التقَوا بالجِفَار، وعلى الناس جميعًا رُؤساؤُهم الذين كانوا عليهم يوم النِّسار، إلا بني عامر، فإِنّ عبدَ الله بنَ جَعْدةَ بن كَعْبٍ كان رئيسَهم، فاقتتَلُوا قِتَالًا شديدًا، فصبرَتْ تميمٌ، فاستَحَرّ بهم الشَّرُّ وببني عَمْرو بن تميم خاصَّةً، وكان يَوْمُ الجِفَار يُسَمَّى يومَ الصَّيْلَم، وهَرَبَ يومئذٍ حاجبُ بن زُرَارَة، فقال بِشر بن أَبي خازِم في فِرَارِهِ وفي غضب تميم لبني عامرٍ يومئذ في قصيدةٍ أَوَّلُها:
لِمَنِ الدِّيارُ غَشِيتُهَا بالأَنْعُمِ
وفيها:
ساِئلْ تَمِيمًا في الحُرُوب وعامِرًا وهَلِ المُجرِبُ مثْلُ مَنْ لم يَعْلَمِ
غَضِبَتْ تَمِيمٌ أَن تُقَتَّلَ عامِرٌ يَوْمَ النِّسَارِ فأُعْتِبوا بالصَّيْلَمِ
ففَضَضْنَ جَمْعَهُم وأَفْلَتَ حاجِبٌ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبَارِ الأَقْتَمِ
وهي طويلةٌ. وقال أيضًا في ذلك:
ويَومُ النِّسارِ ويَوْمُ الجِفَا رِكانَا عَنَاءً وكانَا غَرَامَا
فأَمَّا تَمِيمٌ تَمِيمُ بنُ مُرٍّ فأَلْفَاهُمُ القَوْمُ رَوْبَى نِيَامَا
وأَمَّا بنُو عَامِرٍ بالنِّسارِ ويَوْمَ الجِفَارِ فكَانُوا نَعَامَا
وقال عَبِيدُ بن الأَبرص في ذلك:
وغَدَاةَ صَبَّحْنَ الجِفَارَ عَوَابِسًا يَهْدِي أَوَائلَهُنّ شُعْثٌ قُطَّبُ
لَمّا رأَوْنا بالعَجَاجَة فَوْقَنَا والخَيْلُ تَبْدُوا تَارَةً وتغَيَّبُ
جَمْعٌ كأَنَّ سَنَا القَوَانِس فَوْقَنَا نارٌ على شَرَفِ اليَفَاعِ تَلَهَّبُ
تَمْشِي بنا أُدْمٌ تَئطُّ نُسُوعُهَا خُوصُ العُيُونِ كأَنهنّ الرَّبْرَبُ
[ ٢٤ ]
ودُرُوعُنَا قَدْ أُخْفِيَتْ مِن خَلْفِنَا وجنَابُنَا وُرْقُ المَرَاكِلِ تُجنَبُ
من كُلّ مَمْسُودِ السَّرَاةِ مُقَلِّصٍ قدْ شَفَّهُ طُولُ القِيَادِ المُتْعِبُ
وطِمِرَّةٍ كالسِّيد خاظٍ لَحْمُها مَجْدُولَةٍ جَدْلَ العِنَانِ تقَرَّبُ
وَلَّوْا وقَدْ شَرِبُوا بكأَْسٍ مُرَّةٍ فِيها المُثَمَّلُ ناقِعًا فلْيَشْرَبُوا
وقال سَهْمٌ الأَسَدِيُّ وحُمِلَ على بِشر بن أَبي خازِمٍ:
فَسائِلْ عَامِرًا وبنِي تَميمٍ إِذَا العِقْبَانُ طَارَتْ للْقِرَاعِ
بكُلِّ مُجَرِّبٍ كاللَّيْثِ يَسْمُو إلى أَقْرَانِه عَبْلَ الذِّراعِ
فصَبَّحْنَ الجِفَار يُثِرْنَ نَقْعًا بكلِّ قَرَارَةٍ وبكلِّ قاعِ
كأَنَّ سَنَا قَوَانِسهمْ ضِرَامٌ مَرَتْهُ الرِّيحُ في أَعْلَى يَفَاعِ
وكمْ غادَرْنَ مِنْ كابٍ صَريعٍ تُطِيفُ بشِلْوِه عُرْجُ الضَّبَاعِ
وكمْ مِنْ مُرْضِعٍ قد غادَرُوهَا لَهِيفَ القَلْبِ كاشِفةَ القِنَاعِ
ومِنْ أُخْرَى مُثَبَّرةٍ تُنادِي لَقَدْ خَلَّيتُمونَا للضَّيَاعِ
وقال نابغةُ بني ذُبْيَانَ يَمُنُّ على عُيَينَةَ بنِ حِصْنٍ ببَلاءِ بني أَسَدٍ يومَ النِّسَار ويوْم الجِفَار فقال:
أَلِكْنِي يا عُيَيْنُ إِليك قَوْلًا ستَحْمِلُه الرُّوَاةُ إِليْك عَنّي
إِذا حَاوَلْتَ في أَسَدٍ فُجورًا فإِنّي لَسْتُ منكَ ولَسْتَ منّي
هُمُ دِرْعِي التِي اسْتَلأَمْتُ فيها إِلى يَوْمِ النِّسَارِ وهُمْ مجَنِّي
وهُمْ وَرَدُوا الجِفَارَ على تَمِيمٍ وهُمْ أَصحابُ يَوْمِ عُكاظَ إنّي
شَهِدْتُ لَهُمْ مَوَاطِنَ صادِقَاتٍ أَتيْتُهُمُ بنُصْحِ الصَّدْرِ منّي