لبني تَغلِبَ على صُدَاء وهي جُمْجُمةُ مَذْحِج خَرجَ عَمْرُو بن كُلثوم في ليلةٍ مَطِيرة، فسمعَ رَجُلًا يَتغنَّى ويقول:
أَلا قُلْ لعَمْرٍو ضلَّل اللهُ سَعْيَهُ وعَمْرٌو مَتى مَا يُمْنحِ النُّصْحَ يَلْجَجِ
أَتُنْحِي على أَحْيَاءِ قيْس وخِنْدِفٍ وتَعْدِلُ عَنْ شُمِّ العَرَانِينِ مَذْحِجِ
وتَخْشَى ابنَ لَيْلَى أَنْ تَنَالَ رِمَاحُهمْفَوَارِسَكَ الأَدْنَيْنَ يا عَمْرُو فاهْتَجِ
فتَبيَّنهُ عَمْروٌ، فإِذا هو شَيخٌ من بني جُشَم، وأَخْوالُه صُدَاء من مَذْحِج. فحَلَف عَمْرٌو لا يَغْسِلُ رأَْسَه حتَّى يَغْزوَ صُدَاء، وهم يومَئذٍ هَامَةُ مَذْحِج، قد اتَّقاهَا النّاسُ، فخرج في عِدَّةٍ من بني تَغلِبَ، وكان الطريقُ بَعِيدًا فكَلَّتْ خيْلُه، وصَبَحهم بوَادِي الأخْرَمَيْنِ، وخَرَجتْ إِليه صُدَاء، ورَأْسُها جَحْشٌ الصُّدَائيُّ، وهو شيخٌ كبيرٌ قد انحنَى وكان يُفضَّلُ على سائرِ فُرْسَانِ مَذْحِجِ، فنادَى جَحْشٌ: أَيْن عَمْرُو بن كُلثوم؟ فقال عَمْرٌو: إِلي يا جَحْشُ، فقال جَحْشٌ:
يا عَمْرُو يا عَمْرُو أَقِمْ لي صَدْرَكَا
يا عَمْرُو يا عَمْرُو أَبِنْ لي أَمَركا
لعَلَّ ما أَبْصَرْت مِنّي سَرَّكَا
يا طالَ ما غَرَّك ما قدْ غَرَّكَا
فحمَل عليه عَمرو بن كُلثوم وهو يقول:
يا جحْشُ يا جَحْشُ مَنَتْكَ الأَسْبابْ
إِنْ تَكُ وَثَّابًا فإِنِّي وَثّابْ
والنّاسُ أَذْنابٌ ونحن أَرْبابْ
أَنا ابْنُ كُلْثومٍ وجَدِّي عَتّابْ
واختلفَا طَعْنَتْين، فَطَعَنْه جَحشٌ فصرعَهُ، وحَمَاه الأِودُ بن عمرٍو في فَوارِسَ من بني جُشَمَ فلما استوَى عَمْرٌو على ظهْرِ فرشِه عَاوَدَ القِتال، فدَامَتِ الحَربُ، واشتدَّت بَقيَّةَ يَومهم، ثمّ إِنّ عَمْرًا حَمَل على جَحْشٍ فطعَنه فقتلهُ وقُتِل على دَمِهِ سَبعون رجُلًا. وأَصَابَتْ بنو تغلِبَ الأَسْرى والنّساءَ والنَّعَم، فقال عَمرو بنُ كُلثوم في ذلك:
ليْجزِ اللهُ من جُشَمَ بنِ بَكْرٍ فَوَارِسَ نَجْدةٍ خَيرَ الجَزَاءِ
[ ٢٦ ]
بمَا حَامَوْا عَليَّ غَدَاة دَارَتْ بوَادِي الأَخْرَمَيْنِ رَحَى صُدَاءِ
بضرْبٍ تَشْخَصُ الأَبْصَارُ منه وطَعْنٍ مِثْل إفْرَاغِ الدِّلاءِ
صبَاحَ الخيْلِ دامِيَة كُلاَهَا تَرَقَّصُ بالفَوارِس كالظِّبَاءِ
وأَعْرَض فارِسُ الهَيْجاءِ جَحْشٌ وجَحْشٌ نِعْمَ حامِيَةُ النِّسَاءِ
فنَادَى في العَجَاجة أَيْن عَمْرٌو كأَنّي فَقْعَةٌ أَو طَيْرُ مَاءِ
فأَطعُنُهُ وقلْتُ له خُذَنْهَا مُشَوّهةً تَبَجَّسُ بالدِّماءِ
فما افْترَقَتْ لذَاك بَنَاتُ نَعْشٍ ولا كسَفَتْ له شَمْسُ السماءِ
قَتلْنا منهُمُ سبعين جَحْشًا ووَلَّوْنَا بأَقْفِيَةِ الإِماءِ
وأُبْنَا بالهِجَانِ مُرَدَّفاتٍ خَطبْناهنّ بالأَسَلِ الظِّمَاءِ
وقُدْنَا مِنْهُمُ سَرَوَاتِ قوْمٍ كجُرْبِ الإِبْلِ تُطْلَى بالهِنَاءِ
وقال المُشسمْرِخ الصُّدَائيّ:
يالَ الرِّجَالِ لحَادِثِ الأَسْبابِ ولِمَا لَقِينَا من بَنِي عَتَّابِ
كُنّا أُنَاسًا لا يُرَوَّعُ سِرْبُنَا في مَنْزِلٍ من مَنْزِلِ الأَرْبَابِ
حتَّى رَمَى عَمْرٌو قرِيعَةَ أَرْضِنَا خَيْلًا تَقدَّمُها ذَوُو الأَحْسَابِ
مِن تَغلِبَ الغلْباءِ طَعْنُ رِماحِهمْ أَوْدَى لعَمْرُ أَبِيك بالأَحْزابِ
لمَّا رَأَيْناه يُحَضِّضُ خَيْلَه والنَّقْعُ مُعْتلِجُ العَجَاجَةِ كَابِي
والحَيُّ من جُشَمَ بنِ بَكْرٍ حَوْلَه يَتبَادَرون دَعَوْتُ في أَصْحَابي
فحمَى الذِّمارَ ذَوُو الحِفَاظ فقُتِّلوا وجَثَا بَقيّتُهُمْ على الأَعْقَابِ
وكان في الأَسْرَى عبدُ الله بنُ سُوَيْدٍ الصُّدَائِيّ، وكان قد قَتلَ يومئذٍ في بني تغْلِبَ، فأَخذه عَمْرٌو ليَقْتُله فقال:
ما في رَبِيعَة مَرْجُوٌّ ولا مُضَرٍ أَوْلَى بها مِنْك يا عَمْرو بن كُلْثومِ
إِنّ الأَرَاقِمَ لنْ تَنْفكَّ صَالحةً مُبَرَّئينَ من الفحْشاءِ واللُّومِ
ما دَافع اللهُ عن عُمَرٍو مَنِيَّتَه فاخْتَرْ فِدًى لك بَيْن المَنِّ والكُومِ
فقال عَمروٌ: اشْترِ نفْسَك. فأَعْطاهُ حتَّى رَضِيَ، فقال عَمْرٌو: لك مِن مالي ما عَرَضْت، ولك نَفْسُك. فمَنَّ عليه، وحَمَله وكَسَاهُ.