أبان بن عبد الحميد «١» بن لاحق بن عفر، مولى بنى رقاش «٢» من أهل البصرة، شاعر مطبوع، مقدّم فى العلم بالشعر والحفظ له «٣» قدم بغداد فاتصل بالبرامكة وانقطع اليهم، وعمل لهم كتاب كليلة ودمنة فحسن موقعه منهم.
ويقال: إنه قلب الكتاب فى ثلاثة أشهر الى الشعر، وهو أربعة عشر ألف بيت. وذكر حمدان ابنه: أنه كان يصلي ولوح موضوع بين يديه، فإذا صلى أخذ اللوح فملأه من الشعر الذي صنعه ثم يعود الي صلاته.
وعمل أيضا قصيدة ذات الحلل، ذكر فيها مبتدأ الخلق وأمر الدنيا وأشياء من المنطق، وغير ذلك. وهي قصيدة مشهورة، ومن الناس من ينسبها الى أبى العتاهية، والصحيح أنها لأبان. وله مدائح فى هارون الرشيد، وفى الفضل ابن يحيى بن خالد.
[ ١ / ١ ]
ويقال: إنه كان جميل الطريقة حسن التديّن متألها «١» قرأت على الحسن بن على الجوهري عن ابى عبيد الله المرزبانى، قال: اخبرنى محمد بن العباس حدّثنا محمد بن موسى البربري حدّثنا حماد بن اسحاق قال:
ألزم يحيى بن خالد البرمكي أبان بن عبد الحميد دارا لا يخرج منها حتى ينقل كتاب كليلة ودمنة من الكلام الي الشعر فنقله، فوهب له عشرة آلاف دينار. قال ويقال: إن كل كلام نقل الى شعر فالكلام أفصح منه الا كتاب كليلة ودمنة «٢» قال المرزبانى واخبرنى محمد بن يحيى حدّثنا القاسم بن اسماعيل حدّثنى محمد ابن صالح الهاشمي حدّثنى ابن لأبان بن عبد الحميد اللاحقي، قال: أحبّ يحيى بن خالد أن يحفظ كتاب كليلة ودمنة فاشتد عليه ذلك، فقال له أبان بن عبد الحميد:
أنا أعمله شعرا ليخفّ على الوزير حفظه، فنقله الى قصيدة عملها مزدوجة، عدد أبياتها أربعة عشر ألف بيت، في ثلاثة أشهر فأعطاه يحيى بن خالد عشرة آلاف دينار، وأعطاه الفضل خمسة آلاف دينار، وقال له جعفر بن يحيى: الا ترضى أن أكون راويتك لها! ولم يعطه شيئا. قال فتصدّق بثلث المال الذي أخذه.
وكان أبان حسن السريرة حافظا للقرآن عالما بالفقه، وقال عند وفاته: أنا أرجو الله واسأله رحمته، ما مضت على ليلة قط لم أصلّ فيها تطوعا كثيرا «٣» أخبرني الصولي قال: حدّثنا ابو العيناء قال: حدّثنى الحرمازي قال خرج ابان بن عبد الحميد من البصرة طالبا للاتصال بالبرامكة، وكان الفضل بن يحيى غائبا فقصده فأقام ببابه مدة مديدة لا يصل إليه، فتوسل إلى من وصّل له شعرا اليه، وقيل: إنه توسل إلى بعض بنى هاشم ممن شخص مع الفضل، وقال له:
[ ١ / ٢ ]
يا عزيز النّدى ويا جوهر الجو هر من آل هاشم بالبطاح
إن ظنّى وليس يخلف ظنّى بك في حاجتي سبيل النجاح
إن من دونها لمصمت باب أنت من دون قفله مفتاحي
تاقت النفس يا خليل السماح نحو بحر الندي مجاري الرّياح
ثم فكرت كيف لي! واستخرت الله عند الإمساء والإصباح وامتدحت الأمير أصلحه الله بشعر مشهّر الأوضاح فقال: هات مديحك، فأعطاه شعرا في هذا الوزن وقافيته:
أنا من بغية الأمير وكنز من كنوز الأمير ذو أرباح
كاتب حاسب خطيب أديب ناصح زائد على النّصاح
شاعر مفلق أخف من ال ريشة مما يكون عند الجناح
وهى طويلة يقول فيها:
إن دعانى الأمير عاين منّى شمّريا كالبلبل الصّيّاح
قال: فدعا به ووصله ثم خصّ بالفضل، وقدم معه فقرب من قلب يحيى بن خالد وصار صاحب الجماعة وزمام أمرهم «١» أخبرنا أبوبكر الصولي حدّثنا ابو الحسن البرذعي قال: حدّثنى محمد بن الحسن مصقول عن العتّابى، قال: كنا بباب الفضل بن يحيى البرمكى أربعة آلاف ما بين شاعر وزائر؛ وفينا فتى يحدثنا ونجتمع اليه، فبينا هو ذات يوم قاعد إذ أقبل اليه غلام له كأجمل الغلمان! فقال له: يا مولاي؛ أخرجتنى من بين أبويّ، وزعمت أن لك وصلة بالملوك، فقد صرنا الي اسوإ ما يكون من الحال،
[ ١ / ٣ ]
وقال: إن رأيت تأذن لى فأنصرف إلي أبوي فعلت. قال فاغرو رقت عينا الفتى، ثم قال: ائتني بدواة وقرطاس، فأتاه بهما فقعد حجزة «١» فكتب رقعة، ثم عاد الي مجاسه ثم قال للغلام انصرف الى وقت رجوعي اليك فبينا نحن كذلك إذ جاء رجل يستأذن على الفضل، فقام اليه الفتى فقال: توصل رقعتى هذه الي الأمير؟ قال: وما في رقعتك؟ قال: أمدح نفسى وأحثّ الأمير على قبولي، قال: هذه حاجة لك دون الأمير، فان رأيت أن تعفينى فعلت، قال قد فعلت. فعاد الى مجلسه فخرج الحاجب فقام إليه، فقال له مثل مقالته الأولى، فاستظرفه الحاجب، وقال: إن رجلا يتّصل بمثل الفضل يمدح نفسه لا يمدح الفضل عجيب. فأخذ منه الرقعة ثم دخل فلوّحها للفضل فقرأ منها سطرين وهو مستلق على فراشه، ثم استوى قاعدا وتناول الرقعة فقرأها، فلما فرغ من الرقعة قال للحاجب: أين صاحب الرقعة؟ قال: أعز الله الأمير، لا والله لا أعرفه لكثرة من الباب. فقال الفضل أنا أنبذه لك الساعة، يا غلام! اصمد القصر فناد: أين مادح نفسه؟ فقام الغلام فصاح، فقام الفتي من بيننا بغير رداء ولا حذاء، فلما مثل بين يدي الفضل قال له: أنت القائل ما فيها؟ قال نعم! قال أنشدنى فأنشأ الفتى يقول:
أنا من بغية الأمير وكنز من كنوز الأمير ذو أرباح
كاتب حاسب خطيب بليغ ناصح زائد على النّصاح
شاعر مفلق أخف من ال ريشة مما يكون تحت الجناح
ثم أروي عن ابن هرمة لل ناس بشعر محبّر الايضاح
[ ١ / ٤ ]
[ثم أروي من ابن سيرين لل علم بقول منوّر الافصاح
ثم أروي من ابن سيرين المشع ر وقول النسيب والامداح] «١»
لي فى النحو فطنة ونفاذ لي فيه قلادة بوشاح
إن رمي بى الأمير أصلحه الله رماحا صدمت حد الرماح
ما أنا واهن ولا مستكين لسوى أمر سيّدي ذي السّماح
لست بالضخم يا أمير ولا الفد م ولا بالمجحدر الدّحداح
لحية سبطة ووجه جميل واتّقاد كشعلة المصباح
وظريف الحديث من كل لون وبصير بحاليات ملاح
كم وكم قد خبأت عندي حديثا هو عند الملوك كالتفاح
[فبمثلى تخلو الملوك وتلهو وتناجي فى المشكل الفدّاح] «٢»
أيمن الناس طائرا يوم صيد في نمدّو خرجت أم في رواح
أبصر الناس بالجوارح والخي ل وبالخرّد الحسان الملاح
كل هذا جمعت والحمد لله على أننى ظريف المزاح
لست بالنّاسك المشمّر ثو بيه ولا الماجن الخليع الوقاح
إن دعانى الأمير عاين منى شمّريا كالجلجل الصياح
فقال له الفضل:
كاتب، حاسب، خطيب، أديب ناصح، زائد على النصاح؟
قال: نعم، أصلح الله الأمير، فقال الفضل: يا غلام الكتب التى وردت من فارس فأنى بها، فقال للفتى خذها فاقرأها وأجب عنها، فجلس بين يدى الفضل يكتب، فقال له الحاحب اعتزل يكن أذهن لك، فقال ههنا الرأي أجمع بحيث الرغبة
[ ١ / ٥ ]
والرهبة، فلما فرغ من الكتب عرضها على الفضل، فكأنّما شق عن قلبه.
فقال الفضل: يا غلام بدرة، بدرة، بدرة. فقال الفتى للغلام اعز الله الأمير دنانير أو دراهم؟ قال دنانير يا غلام. فلما وضعت البدرة بين يديه قال الفضل:
احملها بارك الله لك فيها. قال الفتى: والله يا أيها الأمير ما أنا بحمال وما للحمل خلقت؛ فان رأي الأمير أن يأمر بعض غلمانه بحملها على أن الغلام لي. فأشار الفضل إلى بعض الغلمان فأشار الفتي اليه مكانك، فقال: ان رأي الأمير أيده الله أن يجعل الخيار الي في الغلمان كما فعل بين البدرتين فعل، فقال: اختر. فاختار أجملهم غلاما فقال احمل، فلما صارت البدرة على منكب الغلام بكى الفتى فاستفظع الفضل ذلك وقال: ويلك! استقلالا؟ قال: لا والله أيدك الله، ولقد أكثرت، ولكن أسفا أن الأرض تواري مثلك! قال الفضل: هذا أجود من الأول، يا غلام زده كسوة وحملانا.
قال العتابى: فلقد كنت أرى ركاب الفتى تحت ركاب الفضل «١» وشكا مروان بن ابى حفصة الى بعض إخوانه تغيّر الرشيد عليه وامساك يده عنه، فقال له: ويحك أتشكو الرشيد بعد ما أعطاك؟ قال: أو تعجب من ذلك! هذا أبان اللاحقي قد أخذ من البرامكة بقصيدة قالها واحدة مثل ما أخذته من الرشيد فى دهري كله، سوي ما أخذه منهم ومن أشباههم بعدها «٢»