قال الصّولي: حدّثنى محمد بن سعيد، قال: حدّثنا عليّ بن محمد النوفليّ
[ ١ / ١٣ ]
قال: عاتب أبان البرامكة في إعطاء الرشيد الأموال للشعراء وفقره مع ذلك، مع خدمته لهم وموضعه منهم، فقال له الفضل: إن سلكت مذهب مروان «١» أوصلت شعرك، وبلغتك إرادتك. قال: والله ما أستحلّ ذاك! فقال له الفضل:
كلنا يفعل ما لا يحل، ولك بنا وبسائر الناس أسوة، فقال أبان:
نشدت بحقّ الله من كان مسلما أعمّ بما قد «٢» قلته العجم والعرب
أعمّ نبيّ الله أقرب زلفة اليه أم ابن العمّ في رتبة النّسب؟
وأيّهما أولي به وبعهده ومن ذاله حقّ التّراث بما وجب؟
فإن كان عباس أحقّ بتلكم وكان علىّ بعد ذاك على سبب
فأبناء عباس هم يرثونه كما العم لا بن العم في الإرث قد حجب
وفى حسن إذ قلتم فيه حجّة فقد باعها لا ينكر الناس أو وهب
فإن كان ذا حق فعمدا أضاعه وإن كان ذا دعوى فكفوا عن الشغب
وهبه كما قلتم، وليس كذاكم أما ذادكم عنها المطالب واغتصب؟
فأهملتموها لم تروا حيلة لها إلي أن أراد الله إتمام ما أحب
فحظّ بنى مروان منها وحظكم مع الغيظ والحرمان والعيلة الحرب
فقام بها من لم يكلها إليكم ومن هو أولى بالذي بزّ واستلب
إمام بنى العباس حين سما لها وبالله فيما رام أدرك ما طلب
فشرّد أهلوه وأودى وصيّه بحبس ابن مروان فسلم واحتسب
فان كانت القربى فهم أهل حقه وهم أهلها إن كان حقّ لمن غلب
[ ١ / ١٤ ]
ثم جاء بهذه الأبيات الى الفضل، وقال: قد اقترضت فوفّر علىّ الجاري.
فقال: ما بقيت، وما يرد «١» اليوم على أمير المؤمنين شىء أعجب اليه من أبياتك فركب فأنشدها الرشيد، فأمر لأبان بعشرين ألف درهم، واتصل به بعد ذلك.
حدّثنى برد بن حارثة الربعى، قال: حدّثنى أبو اسماعيل أبان بن عبد الحميد قال: لما شخص الفضل بن يحيى بن خالد الى الريّ لمحاربة يحيى بن عبد الله بن حسن خرج معه جدي أبان فظفر بيحيى على أمان وكدّه له، وقدم به الى الرشيد، وعمل أبى في الفضل قصيدة مشهورة كان أبان عملها قبل صلح الفضل ليحيى، فلما صالحه ألحق فيها أبياتا، وسلك مسلك أبياته المتقدمة:
أأحزنك الأولى ردّوا جمال الحىّ وادّلجوا
نعم فبنات همّ الصد ر فى الأحشاء تعتلج
ومنزلة وقفت بها لأدنى عهدها حجج
محتها الريخ يغشى التر ب مغناها وينتسج
نعمنا ليلة الأنعا م حيث العرج «٢» ينعرج
بناعمة كمثل البد ر شاب دلالها غنج
تغادينى المعازف عو دها والصنج والرنج
بكفّي شادن لم أن سه في طرفه غنج
له نغمات قينات بها الارواح تختلج
أحبّ من الغناء ملي ح ما إيقاعه الهزج
[ ١ / ١٥ ]
وأقلى «١» ضوء «٢» برق مث ل ما أقلى غنا مزج
وأبغض يوم تنأي وال زيّانب كلّها سمج
ويعجبنى لإبراهيم والأوتار تختلج
أمر «٣» سلافة صرفا كأن صبيبها ودج
[فظلّ تخاله ملكا يصرّفها ويمتزج] «٤»
كذاك العيش إذ قلبي رخيّ باله بلج
[لدور أمس بالدولاب حيث السّيب ينعرج] «٥»
أحبّ الي من دلسجا ن «٦» والاعلاج قد ثلجوا
وهبّت ذات صرّاد بلبس الثلج تنتفج
وما قزوين لي وطن ظواهرها ولا الولج
بفضل تفرج الغمّي اذا ضاقت فتنفرج
بأمر «٧» برمكيّ الع زّ يعليه به درج
رحيب الصدر إن ضاقت على ذي المحنة الفرج
فما في باعه قصر ولا في لفظه رتج
أخو هيجا أطال مرا سها درب بها لهج
به صدأ الحديد مما زجا مسكا له أرج
وأر عن ذي كتائب بال فضاء غذاءه المهج
[ ١ / ١٦ ]
يسير به ذو ضغن «١» عليه الصدر منشرج
سما فضل له بالخيل في أنسائها شنج «٢»
فأوهد منه شاهقه وعالت لجّه لجج
كما قد شدّ بالمغرو ر أتباع له همج
غواة قادهم داع الى غيّ فقد لحجوا
وكم قد رامها منهم أولو حجج فما فلجوا
فما ينهاهم «٣» الأولي وذمّهم الذي نتجوا
وما لله سعيهم ولا غضبا له خرجوا
وما حجّوا بذلك بل عليهم كانت الحجج
كأنى بالبغال وقد أتت غاياتهم تسج «٤»
إلى ملك كضوء الصب ح تعشى عنده السرج
له ميراث عبّاس وقرباه التى تشج
قويم الدّين ما في حك مه زيغ ولا عوج
وما عنه لملتمس أراد الحق منعرج
فإن يصفح فعادته وإن يوقع فلا حرج
أطائف جنّة أهوي بيحيى قاده هوج
[ ١ / ١٧ ]
إلي أن ساقه قسرا لموكب حربه رهج
أسيرا في يدي علج عدته بلؤمها علج
جنيب الخوف لا أمن ولا عزّ ولا فرج
أتاك به وليّك لم يخف نارا لها وهج
فظل تبيع شهوته كما يستتبع البذج
(البذج الجمل) يقول: يتبع يحيى ما يريد الفضل، كما يتبع البذج أمّه.
قال أبو بكر: ولما ماتت هيلانة جارية الرشيد، وجدبها وجدا شديدا، فرثاها الشعراء فوصلهم، فقال أبان على لسان الرشيد:
أعينى لقد جار الزمان فجودي ولا تطلبا لي راحة بجمود
لقد بنت ياهيلان منى فقيدة وربّ قرين بان غير فقيد
سقى الله دهرا كان يجمع بيننا ويرغم فيه أنف كلّ حسود
تمرّ لنا طير الزّمان سوانحا وانجمه تجري لها بسعود
ففقدك ياهيلان كدّر عيشتى وأخلق من دنياي كلّ جديد
وقال يعزى الرشيد عنها:
يا أمير المؤمنين المرتضى احمد الله على ما قد قضى
إن تكن هيلان وافت قدرا فاسل يعقبك به الله الرّضا
إنما يحزن من ليس له خلف يسليه عمّا قد مضى
بل أنا الباكى لشيب راعنى وشباب بان منى فانقضى
[ ١ / ١٨ ]
وقال يرثيها:
بتّ ضجيع الحزن ما أغفي لحادث جلّ عن الوصف
حزنان حزن منهما ظاهر وأوجع الحزنين ما أخفى
أنت أهلت التّرب من فوقها مواريا تحت الثّرى إلفي!
لهفى على هيلان لو أنّه يردّ شيئا فائتا لهفى!
وقال يخاطب الرشيد، ويهنئه بما فعل الفضل فى أمر يحيى بن عبد الله بن حسن:
هنيئا أمير المؤمنين لك الظّفر فقد تمّت النّعمى وقد ساعد القدر
رآك إله الناس أولى بملكه فأصغاكه لا منّ فيه ولا كدر
وقد كان يحيى الفاطميّ سمت به له همة في الصّدر جاش لها وجر «١»
أراد التى تهوي الجبال لكونها وترجف منها الأرض لو تمّ ما أئتمر «٢»
وكان رجا بالطّالقان ذخيرة كنوزا له كانت على الدهر تدّخر
فكان هو الكنز الذي أيّدت به خلافة هارون الإمام وما شعر
أتاك بيحيى الفضل سلما يقوده مقرا ولولا يمن جدّك ما أقر
لئن كان يوم الفضل فيه مشهّرا لأكرم بيوم منه أفنى به الخزر
وقال يرثى هيلانة:
أديل من السرور الحزن لما ثوت هيلان في جدث ورمس
وأصبحت البلاد غداة ولّت عليها وحشة من بعد أنس
[ ١ / ١٩ ]
وقال يمدح الرشيد، ويذكر أمر الفضل وما صنعه فى أمر يحيى:
لتمد برّز الفضل بن يحيى ولم يزل يسامي من الغايات ما كان أرفعا
رآه أمير المؤمنين لملكه كفيلا «١» لما أعطى من العهد مقنعا
قضى بالتي سدّت «٢» لهارون ملكه وأجيت ليحيى نفسه فتمتّعا
فأمست بنو العبّاس بعد اختلافها وآل علىّ مثل ربذى ترمّعا «٣»
لئن كان من سدّى «٤» القريض أجاده لقد صاغ إبراهيم فيه وأوقعا
قال أبو بكر: يعنى أن ابراهيم بن ميمون الموصلى المغنى غنى في هذا الشعر.
وقال يمدح الفضل بن يحيى، ويذكر أمر يحيى بن عبد الله بن حسن:
إن شمل الشيب قناع. البلى مفارقا منى وأصداغا
فقد أرى أشوس ذامرة وحية أربد لدّاغا
يأنس بى الصيّد إذا رمته فصار إمّا شئت روّاغا
كم عاقل أحظى وكم جاهل أنشغه العلقم انشاغا
وشادن أحور ذي صيغة حسّنها الرّحمن إذ صاغا
يسكن من بغداد في كرخها حيث رأيت القصر والباغا
زار بقزوين خيال له يسرى على قصد وماراغا
بات يناغينى فياليته كان إذا الصبّح بد اناغا
يا ربّ موسى والتى قلتها «٥» أصبح في الأحراز ولّاغا
[ ١ / ٢٠ ]
لا يظفر الواشى بإفساد ما بينهم إن دبّ نزّاغا
راموا انتقال الملك عن أسّه فما زجا «١» ذاك ولا ساغا
فأفسدوا صالح دنياهم واحتملوا في الدّين أوزاغا
لمّا رأوا ليثا أبا أشبل يولغها في الدم إيلاغا
فلا أبا العبّاس تمّت له ال نعمة إفضالا وإسباغا
من بعد ما أعذر في نصحه فلم يدع نصحا وإبلاغا
يعدو به عبل سليم الشظى أكمل ألواحا وأرساغا
يحسن بالسّيف قراع العدا وينزغ الأرماح إنزاغا
فأووا إلي السّلم جنوحا وقد خاضوا من الفتنة أرداغا
وقال فى الفضل بن يحيى:
بالفضل يحسن لفظ كلّ مقال وبه تسير غرائب الأمثال
وبه تكشّف مظلم الفتن الّتى يمسى العباد بها علي زلزال
حسن الّتى بالفضل ردّ مخوفها باد لئن كانت بغير قتال
أعطى ابن عبد الله يحيى ذمّة وصل الوفاء حبالها بحبالى
وقال فى ذلك ويخاطب أمير المؤمنين الرشيد:
أطال الله في عزّ ونصر بقاءك يا أمير المؤمنينا
إذا ما الحرب شبّ لها ضرام تقلّب فيه أيدي النّا كبينا
[ ١ / ٢١ ]
فسولّ مهمّها الفضل بن يحيى وقد رجّمت في يحيى الظنونا
مقرا بالّذي قد كان يأتي ويفعل حزبه المتشيّعونا
لئن خصتك نعمتها بفضل لقد عمت جميع المسلمينا
وقال فى بيعة الرشيد للامين
عقد لخليفة بيعة لمحمد فعلى التمام
لسمىّ مهدىّ الملو ك محمد خير الأنام
سيما الخلافة بين في الوجه منه مع الفطام
نور كواضح غرّة ال بدر المنوّر في الظّلام
مصداق ما كنا نحدّ ث فيه من ملك الغمام
لا قصرت عنه ولا وصلت اليه ألف عام
وقال أبو بكر ولما قال أبان للفضل بن يحيى
أنا من بغية الأمير وكنز من كنوز الأمير ذو أرباح
وروي أن الموصل لها إلى الفضل بن يحيى محمد بن المنصور الذي يعرف بفتى العسكر- وقد ذكرتها لأبان في أول أخباره مع البرامكة- بلغت قصيدته أبا نواس فقال:
إنّ أولى بقلّة الحظّ منى المسمّى بالبلبل الصياح
قد رأوا منه حين عبّ لديهم أخرس الصوت غير ذي افصاح
لم يكن فيك من صفاتك شىء غير خلق مدحدح دحداح
لحية ثطة وأنف قصبر وانثناء عن التّقي والصّلاح
فيك ما يحمل الملوك على الخر ق ويسطو بالسيّد الجحجاح
[ ١ / ٢٢ ]
والذي قلت فيك باق صحيح والذي قلت ذاهب في الرّياح