وأمه آمنة بنت يوسف، أخت أحمد بن يوسف وزير المأمون.
قال أبو بكر: جئت بأحمد هذا فى جملتهم لأنه ابن اختهم، ولأن أحمد أول اسمه أنف، وهو شاعر مليح الألفاظ، دقيق الفطنة، مقل.
حدّثنى عون بن محمد الكندي، قال: قلت لعبد الله بن أحمد بن يوسف:
من أشعر أهلكم، فقال: عمى القاسم وابن عمتى احمد بن أبى سلمة، ولو كثر
[ ١ / ٢٥١ ]
شعره قليلا! قلت أنشدنى له شيئا، فقال: إنه كان يزعم أن خاله أحمد بن يوسف قتله المأمون، فمراثيه فيه على أنه مقتول، فمن مراثيه فيه:
يا من بمقتله زها الدّهر قد كان منك تضاءل الدّهر
زعموا قتلت وعندهم عذر فيه وظلمك ماله عذر
يا قبر سيدنا المجن سماحة صلى عليك الله يا قبر
ما ضرّ قبر أنت ساكنه ألّا يمر بأرضه القطر
فلنبغينّ «١» سماح جودك في الثرى وليورقن بقربك الصخر
وإذا غضبت تصدّعت فرقا منك الجبال وهابك الوعر
وإذا رقدت فأنت منتبه يدك السحاب ووجهك البدر
والله لو بك لم أدع احدا إلا قتلت لفاتنى الوتر
وهو القائل يمدح أحمد بن يوسف:
أحمد أنت للإنعام أهل يملّ السائلون ولا تمل
كأنك فى الكتاب وجدت لاء محرمة عليك فما تحل
فما ندرى لفرطك في العطايا أنكثر من سؤالك أم نقل
إذا ورد الشتاء فأنت صيف وإن ورد المصيف فأنت ظل
وقال يرثى أبا نصر بن أحمد الطوسى:
كان لى إلف خليل فمضى لا أرى منه سواه عوضا
وثنت منه عليه يده وأعانت يده أيدي القضا
بشبا قاضية خاض الردى مجمع الأوداج منه فقضى
[ ١ / ٢٥٢ ]
يا أبا نصر لقد أورثني «١» دمك المطلول حزنا «٢» ممرضا
فاذا ما فيك جالت فكرتى رجعت معتصمات بالرضا
وقال لبعض اخوانه وقد أنكر منه شيئا من افعاله:
لست أرضى بتيه من ماجد أرتجيه
فكيف من لا أرجّى دهرى ولا أتقيه
وصاحب كان يبدى خلاف ما يخفيه
وددته بضميرى وودّنى لفظ فيه
وكيف يصلح لى غير صالح لأبيه؟
قال أبو بكر: وحدثنى عون بن محمد، قال: كان أحمد بن أبى سلمة الكاتب يهوى الحسن بن أبى أمية، وكان الحسن يجفوه، فليم على ذلك، فقال:
دع الصب يصلى بالأذى من حبيبه وكلّ أذى ممن يحبّ سرور
غبار قطيع الشاء فى عين ذئبها اذا ما قفا آثارهن ذرور
قال أبو بكر: وكان أحمد بن أبى سلمة صديقا لخارجة بن مسلم بن الوليد الانصاري، وكان يفضل على خارجة، وهو القائل يرثى أباه مسلما:
تعطلت الاشعار من بعد مسلم وصارت دعاويها الى كل معجم
اذا مرضت أشعار قوم فانه يجيئك منها بالصحيح المسلم
قال أبو بكر: وأنشدنى عبد الله الهدادى، قال. انشدنى ابن أبى فنن لخارجة ابن مسلم يمدح أحمد بن نصر الكاتب، قال: وكان خارجة يجىء ويقيم عندى وهو أنشدنى هذا:
[ ١ / ٢٥٣ ]
قد شكرنا أحمد ال خيرات فى بدو وحضر
أوجب الله له من بعده حمدي فشكري
فمتى قصرت فيه فاقبل اللهمّ عذرى
لم أعاين كابن نصر كرما مدة عمري
يتساوى لى منه ال جود في عسر ويسر
يتلقي المدح منى بابتسام وببشر
وببذل جاوز القد ر وشعر فوق شعرى
قال أبو بكر: حدّثنى محمد بن على المعروف بابن الخراسانى، قال: حدّثنى أبو شبل البرجمي الشاعر، قال: كنا عند أحمد بن أبى سلمة، وكان أكرم الناس وأظرفهم، وكان خاطره في الشعر قريبا سريعا، وغلام له يسقينا حسن الوجه، فلما عمل الشراب دعا بدواة وكتب:
ظل يختال في رداء شباب ذو صبا يقتضيك حقّ التصابى
بمدام كأنما اعتصروها من خدود الكواعب الاتراب
فى قميص مفوف «١» من زجاج ووشاح مؤلف من حباب
كلما سحبت «٢» أساءة خلق حسّنوه بمزج السحاب
ثم رمى بالرقعة الى. فقال: والله ما فيّ فضل، ولا أدرى ما قلت، ولكن قل أنت شيئا، فقلت له: وهل تركت لأحد مقالا، ولست أستطيع مجاراتك فى هذا في وزن ولا قافية ولكنى اعبر «٣» أحدهما فقلت:
قمر فى الظلام يسعي بشمس وشحت باللجين والمرجان
في كؤوس تكسو الأكف اذاما حملتها غلائل الزعفران
[ ١ / ٢٥٤ ]
ومن مديح أحمد:
يوماه يوم ندى يرجى ويوم وغى مفرّق بين أرواح وأجسام
لا يؤخذ الرأى إلا من قريحته ولا يشارك فى نقض وابرام
وهو القائل:
معتدل القامة مثل القضيب يهتزّ في لين وحسن وطيب
يعذلنىّ فيه جميع الورى كأنني جئت بأمر عجيب
أظن نفسى لو تعشّقتها بليت فيها بملام الرقيب
قال أبو بكر: قد جئت بأكثر أشعار هؤلاء، إذ كانوا شعراء ظرافا كتابا لا يعرفهم الناس، ومن عرفهم لا يعرف أخبارهم، ولا أشعارهم: ومن يعرف الناس شعره، فأنا أذكر جيده فى كتابنا هذا، وإنما أستقصى أشعار من لا يعرفون وأخبارهم، وأنا مبتدىء بشعر اسحاق بن ابراهيم الموصلى وشعر ابيه وأخبارهما، وستجيء كثيرة حسنة، وإن تركت ذكر من هو أشعر منهما قبلهما لأفي بشرطي، لا آتى بالشعر على حرف من الحروف على قدم وسن ولا تطبيق، لاطبقهم بعد فراغى من جميعهم تسمية فى كتاب مختصر، لا أحتاج الى غير ذلك ان شاء الله.
هذا آخر ما عمله أبو بكر الصولى من كتاب اوراق، ولم يقض له أن يعمل أخبار اسحاق بن ابراهيم لوفاته والحمد الله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين، وسلم تسليما. حسبنا الله ونعم الوكيل.
[ ١ / ٢٥٥ ]