قال أبو بكر: حدّثنى عون بن محمد الكندى، قال: حدّثنى أحمد
[ ١ / ١٤٦ ]
ابن يوسف عن أبيه، قال: لما قدم أبى بغداد قصده اخوانه وداعوه، فلزم الشراب معهم والسماع، فقالت له أمه: يا بني قد ترى كثرتنا وما يلزمك من نفقتنا، وان أدمت الشراب أضعتنا وأفقرتنا مع شينه لك فى دنياك، وتزويده لك الوزر الى أخراك. فقال: حسبك! والله لا ولج لى رأسا أبدا، فما شرب حتى مات.
حدّثنا عون، قال: حدّثنى أبو دعامة القيسيّ، قال: كان يوسف بن القاسم مع خاله بشر بن سليمان على ديوان الكوفة أيام بنى أمية، ثم كتب لعبد الله بن على ابن عبد الله بن العباس فى أول الدولة العباسية، بعد أن كان أبوه القاسم يكتب له، ولم يزل معه الى أن هزمه أبو مسلم أيام المنصور، واستقل «١» عبد الله عن أخيه سليمان بن عبد الله بالبصرة، وهو الذي كتب الى أبى العباس السفاح عن عبد الله بن على يعزيه عن ابن له توفي:
أما بعد فان أحق الناس بالرضا والتسليم لأمر الله جل وعز، من كان اماما لخلق الله وخليفة لرسول الله ﷺ. فتعزّ أمير المؤمنين بفهمك، وارجع في وعد الله جل وعز- من الصابرين- الى علمك.
حدّثنى الحسن بن عليّ الكاتب، قال: حدّثنى صالح بن معاوية بن صالح القيسي- مولى لهم عن أبيه، وكان انقطاع أبيه الى موسى بن يحيى بن خالد، وكان يخلفه أيام ولايته السند- قال: حدّثنى يوسف بن القاسم، قال كنت مع عبد الله بن على، وكان يبرّنى كثيرا، ويوجه بره مبتدئا في رأس كل شهر، فغفل عنى شهرين فكتبت اليه:
مالبرّ الأمير قصّر عنى بعد أن لم أكن أرى تقصيرا
[ ١ / ١٤٧ ]
إن يكن ناسيا فعندي إذكا ر له دائما عتيدا كثيرا
أو يكن عن إضاقة فله العذ ر متى شاء أن يرى معذورا
لأرى خادما بانفاق وفري وأرى ماله له موفورا
إن برّ الأمير عندى وان كا ن يراه لديه نزرا يسيرا
لكثير عندى ولم يك عهدى أن أرى الرزق عنده محظورا
فوقع في رقعتي: لم يكن تأخير برّنا عنك لبخل وضنّ ولا إهمال وتناس، لكنها غفلة من موجب لحقك عارف. شغله عنك ما يقسّم قلبه متكلا على معرفتك به، وبسط عذرك له. على أنى ظننت أنّ ما كنت عليه أوّلا قد زال فيما بيننا وبينك، إذ كنا قد أحللناك على محلّ الشريك، وخلطناك بأنفسنا خلط النّسيب، لتنفق من نفقتنا وتقرن أمرك بأمرنا. وقد أمرت لك بألفي درهم رزقك لشهرين، فاقبضهما ولا تنظرنّ لى أمرا بعدهما في مثلهما عند وجوبها، وأمرت لك بألفى درهم تصلح بها حالك، وقد أطلقت بعد هذا يدك في المال لتأخذ منه كفايتك، وفضلا يكون عدّة لك لما لا يؤمن من عثرات الدهور وحوادث الأمور. فانك لم تصحبنا إلا بقلب وامق، وودّ صادق. وإنا لنحب أن يتبين عليك لنا أثر محمود تغتبط به وتغبط عليه، فاعمل على ذلك إن شاء الله.
قال أبو بكر: ولأبي القاسم «١» يوسف بن القاسم أشعار ومكاتبات وأخبار أنا أستقصيها بعون الله ههنا، إذ كانت مما لا يعرفه كثير من الناس، وأختصر ما أعلم أنهم يساهموننى فى العلم به ان شاء الله.
فمن شعره ما وجدته بخط اليوسفىّ محمد بن عبد الله بن أحمد:
الى الله من عودتى «٢» توبتى أتوب اليه واستغفره
[ ١ / ١٤٨ ]
وأثنى عليه بآلائه ثناء الشكور ولا أكفره
وأخلع من دونه من دعا إلها سواه ومن يفجره
وأشهد أن لا إلها سواه وأن الثواب لما «١» يذكره
وأعلم أنك ربّ العبا د وتعلم منى الذى أضمره
واستغفر الله مما جني ت وما قد نسيت وما أذكره
ومما أحاط به علمه واتقنه كاتب يسطره
لألقى الآله ولا ذنب لي أساءل «٢» عنه ولا أحذره
*** «٣» وعف وكف عن المؤثمات أجزاه من عمل أيسره
اذا كان يأتى الذى لا يري ب ويترك منه الذى يفجره
كذاك روينا عن المصطفى وأصحابه في الذي نأثره
ومن تبع الحقّ كان السعي د على حقه أبدا مظهره
ومن حاد عن سنن الراسخ ين كان الخسار الذى يخسره
فلا تلف إلا وتقوى إلا ل هـ زادك للحشر تستشعره
فمن طلب الحقّ بالمنكرا ت عاد على حقه منكره
إذا أنت أبصرت ذا نخوة فلا يغرينك «٤» ما تبصره
ولا تحقرنّ حسير الزمان واحذر عواقب من تحقره
فان الزمان له دولة يعاقب مقبله مدبره
ومن أمن الدهر فى صرفه أتاه من الأمن ما يحذره
وكن بعلومك مستظهرا فأنفع علمك مستظهره
[ ١ / ١٤٩ ]
وما كان في الكتب مستودعا كما لم تعان ولم تخبره
سوى علقات تعين الفتى إذا وردت جملة تبهره
وإعرابك اللفظ لا تنسه فزين عرابك ما تعبره
فخير الكلام الذي تصطفي هـ وشر الكلام الذي تهدره
وكن للصّديق وأهل الودا د ممن يزينهم محضره
فمن لا يقدمه أصغرا هـ يؤخره فى الملا أكبره
ومن كان ذا أدب فالأمو ر تصغر عنه ولا تكبره
إذا ما اتاك أخو عذرة فكن قبل عذرته تعذره
فإن ما اطلعت على صالح فكن أنت أول من يظهره
وكن منه في أمره كلّه إلى كلّ مكرمة تبدره
ولا تك ممن إذا دولة أتاه الثراء بها تبطره
وبادر بصالح ما ترتجي به الفوز من عمل تدخره
بذاك يسود الفتى الأبعدي ن ويحسن ذكرا له معشره
فانك في الناس أحدوثة فكن منه أفضل ما تؤثره
قال أبو بكر: حدثنا الحسين بن على قال: حدثنى ابى قال: لما استخفى عبد الله بن عليّ خاف أبو القاسم يوسف على نفسه قبل أن يصير إلى باب أبى جعفر المنصور، فورد له كتاب على [يد] صديق له يقول فيه: ما قولك فى رجل خافه «١» السلطان فأجمه الإخوان، وأساء صحبته الزمان، فتفرقته البلدان؟ قال: ثم علم أنه لا وزر له يحرزه من أبى جعفر. قال فصرت الى اصحابنا في الديوان، فكنت أعمل معهم فجاءنى يوما خادم، فقال لى: أمير المؤمنين يطلبك، فقمت معه موطنا نفسي على الهلاك فأدخلني وأنا أرعد، فلما صرت عند باب الإيوان قال لي الربيع:
[ ١ / ١٥٠ ]
سلم على أمير المؤمنين فسلمت فقال: ادن فدنوت، فأمرنى بالجلوس ثم طرح الي قرطاسا من ربع وقال: أخرج دواتك فكأنى بك قد قلت: أنا بالأمس فى ديوان بنى أمية ثم مع عبد الله بن على، وإنما كنت في ديوان المسلمين. وأما كونك مع عبد الله بن على فذاك عمى. ثم قال اكتب وقارب بين الخط وفرّج بين السطور، وأقبل يملي علىّ، فلما فرغت من الكتاب خزمته فقال: كل العنوان الى يا أبا يوسف قد صحت عندي براءتك بان لم تختف، وبادرت من سلطاننا الى عملك، ولو كان منك غير ذلك لدخلت خلفك جحرة النمل حتى أخرجك كم رزقك؟ قلت عشرة دراهم كل يوم قال قد زادك أمير المؤمنين خمسة قم راشدا وروى معاوية بن صالح القيسىّ قال: كان يوسف بن القاسم فى أيام أبى عبيد الله وزير المهدى كالمتقي لناحيته، وكان محمد بن زياد بن عبيد الله الحارثى له صديقا فتولى محمد بن زياد شيا، وحضر مجلس ابى عبيد الله، فبلغ يوسف بن القاسم أن ذاكرا ذكره هناك بحضرة محمد بن زياد، فلم يرد عليه وكتب إليه:
أبا أخى دون كلّ ذى ثقة يا باسق الفرع في ذرى يمن
مالي اذا حرّكتك نائبة يرمضنى مرّها وتمرضني
أو تنجلى عنك لا أرى غبنا ذاك ولا الثّقل منه يكربنى
وكنت أيضا خرقا تقابلني بمثل فعلي تجرى على سنن
حتى اذا نلت دولة صرفت وجهك صرف الحقود ذي الاحن
مستمعا فيّ قول ذي ابن يصلق بى عينه ويثلبنى
يطلق ما قال غير ممتعض كأن شتمى من واجب السنن
من غير حق أضعت واجبه من حسن قول ومنظر حسن
أحصرا منك أم عيبت به كيف، وأنت الخطيب ذو اللّسن
[ ١ / ١٥١ ]
إنى أرى ذاك عند قدرك في نفسي وعينىّ ضربا من الغبن
أهكذا كان فى الوفاء أبو ال حارث كعب أو كان ذو يزن
أمنت من أن تعود عائدة من الليالي تردّ لي زمنى
ثم أكون الذى يجازى بما أولى أو ينطوى على دخن
فنلتقي والقلوب منكرة والودّ كالغيب غير مؤتمن
كأنّ ما كان فارطا فمضى من ودّنا في القديم لم يكن
ثم كان يوسف بن القاسم أقوم الناس بحوائج محمد بن زياد عند يحيى بن خالد أيام الرشيد، وأمر يحيى يدور عليه.
قال أبو بكر: وكتب يوسف بن القاسم الى محمد بن زياد: حفظك الله وحاطك، رأيتك أكرمك الله فى خرجتك هذه، رغبت عن مواصلتنا بكتبك وابلاغنا خبرك، وقطعتنا قطع ذي السلوة، أو أخي الملة، حتى كأنك كنت إلى مفارقتنا مشتاقا، وإلى البعد منا تواقا. فوقع بعدك بحيث تحبّ من جهتين:
احداهما حلاوة الولاية، والأخرى لذة الراحة منا، فان يكن ذلك كما رجوناه «١» قاطعناك مجملين، أو لبسناك على يقين. وان لم يكن إدلالا بهدية أعددتها لنا من ناحية عملك، فليس قدر الهدايا وان كثرت، ولا الفوائد وان جلّت؟ احتمال لوم الإخوان، اذ كانت الهدايا تراد لهم، والفوائد انما تنال بهم، والمباهاة بأعراض الدنيا يراد لخلطتهم. وما أدرى ما أقول في اختيارك ترك الكتب المحدّثة عن العتب بالاسرار المفهومة، حتى كأنها محادثة الحضور على تنائى الدور، والقلوب بها مشاهدة، وان كانت الابدان متباعدة، ولئن كذب فيك الرجاء لقديما عزّ الوفاء، وقد أصبتك من مرارة العتاب بما لا تقيم بعده على قطيعة ولا جفاء،
[ ١ / ١٥٢ ]
ولا تتوهمن أنى أردت إعناتك بإعتابى، ولا أرزأ عليك بكتابى، فان وصلت فمشكور، وان قطعت فمعذور، والسلام.
قال أبو بكر: حدّثنى عون بن محمد الكندى، قال حدّثنى أبو دعامة عن عيّاش مولى أبى الوفاء كاتب الديوان، قال: اختلت حال يوسف بن القاسم فأخطب إلى أبى الوفاء ابنته حمّادة فزوجها منه، وكتب الى يعقوب بن داود:
قال عياش فقرأت رقعة له الى يعقوب بن داود:
يا أيها المرجوّ للدّهر يا واحد البادين والحضر
إنى فزعت اليك من زمن ما زال يزري بالفتي الحر
ما أتلفت مالى مشعشعة في كأسها كتوقّد الجمر
كلّا ولا زير ومسمعة تزهو ببهجتها على البدر
لكننى أتلفته طلبا للمكرمات وصالح الذكر
أتلفته وأفدت مكرمة موقوفة للحمد والشكر
فوصله بصلة نفيسة.
حدّثنا الحسن بن على الرازي قال: حدّثنا أحمد بن أبى فنن، قال: أمر يعقوب بن داود للشعراء بمال، ووقع إلى يوسف بن القاسم بدفعه اليهم- وهو يخلف أباه- فعجله لهم، وكانوا يصارفون فيه فلم يصارفهم، فركب يعقوب يوما ويوسف بن القاسم يسايره، فاعترضه الشعراء شاكرين له، وفيهم ابن؟؟؟ «١» والمستهلّ بن الكميت، وغيرهم فأنشده المستهل:
يا سالكا قصد الطريق الواضح لا تخلط الجدّ بقول المازح
ولا ترى تنفذ بالصحاصح والمرويات القفر والأباطح
[ ١ / ١٥٣ ]
نعتا ولا في بازل وقارح وراكب في رحله كالجانح
ولا ببعث سابح أو رائح ولا بد في الدّار غير بارح
ولا بوصف رائح وسانح ونازح شاق فؤاد نازح
وامدح فتى تزين مدح المادح نفس له ليست من الشحائح
وليس عود نبعة بقادح يلقى العفاة منه غير كالح
ذا نائل يملأ دلو الماتح فاز فأضحى وهو عين الرابح
بيوسف بن القاسم المنافح حتف شباه كلّ جلس طامح
فهو الفتى يضمر فى الجوانح ودا ونصحا لك غير رائح
ويا مرجى لحلول الفادح قد فسح الرحمن خير فاسح
فكن لمن يرجوك خير نافح
قال أبو بكر: حدّثنا محمد بن سعيد، قال: حدّثنى سليمان بن أبى شيخ قال لما كانت الليلة التى توفى فيها موسى أخرج هرثمة بن أعين هارون الرشيد فأجلسه للخلافة فدعى هارون بيحيى بن خالد [بن برمك] وكانا محبوسين فى حجرة معا في الرّواق، وكان موسى قد عزم على [قتله وقتل هرون الرشيد] «١» في صبيحة تلك الليلة ليصفو الأمر لابنيه، فوجه يحيى بن خالد إلى يوسف بن القاسم، وكان صديقه يخلف أباه في كل شيء فأمر بانشاء الكتب بخلافة الرشيد فكتب فى ذلك بأحسن كتب، ثم أمر الناس فى غد، فأشفق يحيى أن يتكلم الرشيد فيقصر، فقال ليوسف: قم فكلم الناس، فقال: إن الله بمنه ولطفه من عليكم معاشر أهل [بيت نبيه بيت] الخلافة ومعدن الرسالة، واياكم أهل الطاعة من أنصار الدولة، وأعوان الدعوة فى نعمه التى لا تحصى بالعدد، ولا تنقضي أمد
[ ١ / ١٥٤ ]
الأبد، وأياديه التامة بان جمع ألفتكم وأعلى أمركم، وشدّ عضدكم، وأو هن عدوكم وأظهر كلمة الحق، وكنتم أولى بها وأهلها، فأعزكم الله وكان الله قويا عزيزا، وكنتم أنصار [رسول] الله «١» المرتضى، والذابين بسيفه «٢» المنتضى، عن أهل بيت النبي المصطفى صلى الله عليه وعليهم وسلم. حتى استخرجها الله ﷿ من أيدي الظلمة «٣» اللاعنين لأئمة الحق والعدل فأحاق الله بهم كيدهم، وان الله استأثر بخليفته موسى الهادي [الامام] وقبضه إليه طاهرا نقيا، وولّا كم بعده رشيدا مرضيا، أمير المؤمنين بكم رءوفا رحيما، من محسنكم قبولا، وعلى مسيئكم بالعطف عطوفا، وهو أمتعه الله بالنعمة، وحاط عليه ما استرعاه من أمر الأمة، وتولّاه مما تولى أولياءه، وأهل طاعته يعدكم من نفسه الرأفة بكم، والرحمة لكم، وقسم أعطياتكم فيكم عند استحقاقها، ويبذل لكم من الجائزة مما أفاء الله على الخلفاء مما فى بيوت الأموال ما يغوب عن رزق كذا وكذا شهرا. غير مقاصّ لكم بذلك فيما تستأنفون من أعطياتكم وحامل [باقى] ذلك عنهم لما كان أعد له من الذب عن حريمكم، ودفع مالعله «٤» أن يحدث بالنواحي والاقطار من العصاة والمارقين إلى بيوت الأموال من عطائه الذي قسمه الله جل وعزله من هذا المال، وحقه من الخمس الذى أفاء الله على رسوله، حتى تعود الأموال إلى جمامها وكثرتها، والحالة التى كانت عليها، فجدّد والله حمدا وشكرا يوجبان لكم المزيد من إحسانه إليكم بما جدد لكم [من] رأى أمير المؤمنين وتفضل به عليكم فيه أيده الله بطاعته، وارغبوا إلى الله فى البقاء و[لكم به في] ادامة النعماء [لعلكم ترحمون وأعطوا صفقة أيمانكم وقوموا الى بيعتكم] وكونوا كما وصفكم حاطكم الله وحاط بكم،
[ ١ / ١٥٥ ]
وأصلح بكم وأعلى أيديكم، وتولاكم بولاية عباده الصالحين. فأخذ البيعة وتفرق الناس، ولم يسمعوا غير كلامه.
قال أبو بكر: وجدت بخط محمد بن عبد الله اليوسفى أن يوسف بن القاسم كان يخلف يحيى بن خالد على التوقيع في داره ودار أمير المؤمنين ويخلفه علي دواوين الازمة «١» فأمره يحيى بن خالد يوما بأمر، فقال بكّر به، فقال إن الكتاب لهم حوائج يقضونها، ثم يصيرون إلى الدار بعد أن يتغدون في منازلهم، ولا يبرحون الى الليل، فقال يحيى: اتخذ لهم مطبخا، وليكن غداؤهم فى دارى. ففعل ذلك وكان خدم يحيى ربما أخرجوا الكتب مختومة فلا يدفعونها إلى أصحابها إلّا بشيء يأخذونه، فشكا ذلك أبو القاسم إلى يحيى، فجعل الختم اليه فكان لا يلزم أحدا مؤنة. وليحيى يقول أبو القاسم بن يوسف:
رفع الله بالخليفة يحيى وبيحيى كسا الخلافة نورا
رجل ناصح أمين علي الملك يجيد التمييز والتدبيرا
بسط الله بالعطايا يديه فحبا معدما وأغنى فقيرا
ليس يبقى على الزمان سوى الذك ر فلا زلت بالندى مذكورا
نصح الله والخليفة يحيى وبرفق منه يمشي الأمورا
قال أبو بكر: حدّثنى الحسين بن يحيى الكاتب، قال: حدّثنى صالح بن معاوية عن أبيه، قال: زوّج يوسف بن القاسم ابنه احمد بابنة الحسن ابن سليمان ويعرف بالشيعى، وكان من كتاب البرامكة، فكتب إلى يحيى بن خالد: عرضت حاجة فكرهت أن أعدل بها عن الوزير فاحسه؟؟؟ «٢» مع معرفتى بمحبته لربّ نعمته، والزيادة في صنيعته حظا، ولزمنى حقّ لا يمكن دفعه ولا تأخير
[ ١ / ١٥٦ ]
وهو نقد مهر عن أحمد إلي ابنة الحسن بن سليمان، فإن رأى الوزير أن يوقّع مع ما استحققته من أرزاقى بشهرين سلفا لشهرين فعل، فإنى أرجو أن أبلغ بذلك لعبده أحمد محبته، وأنال بغيته إن شاء الله.
فوقع يحيى إليه: هذه فضيلة فى أوليائنا وحقوق في ضيافتنا، فنحن بالقيام منهما دونك حريون، وبحظ نقلها عن مالك جديرون، وقد أمرت لأحمد ما سألت من المال بمسئلتك فيه، وزيادة الضعف استظهارا منى له ومؤكدا وأمرت باستحقاقك لشهرين من مال السلطان أعزه الله ومثله صلة من مالي، وأنفذت اليك بذلك كله رقاعا بخطى إلى من يقبض ذلك منه، فأما السلف من مال السلطان فلا سبيل إليه، ولا أعرف جعفرا بتارك أحمد إليك ولا الينا كما لم يترك الفضل قاسما إن شاء الله، وفي أسفل الرقعة من شعر يحيى:
عندي لمثلك احسان وتكرمة فثق بذلك منّى وابسط الأملا
اعمل على ثقة إنى أنا رجل لا أمنع المرء موجودا إذا سألا
وإن عندى لك الحسنى ونافلة بنصح غيبك اذ لم تبغ بى بدلا
فكتب اليه يوسف بن القاسم:
فهمت ما قلت فى برّي ومنزلتى ونصح غيبي وبسطي نحوك الأملا
ولم أزل منك من أمرى على ثقة لا ابتغي بك ممن قد ترى بدلا
بصدق وعدك اذ أسلفت عارفة وحسن عفوك عمن زاغ أو جهلا
فبي وبابني وسم فى محبتكم كما تفرقت من نيرانها الإبلا
فقد بسطتم لنا جاها بجاهكم وقد كفيتم ببذل العرف من بخلا
لولاءكم كان جود الناس مشتبها لكن برعتم فأضحى جودكم مثلا
[ ١ / ١٥٧ ]
قال معاوية بن صالح: فلقينى من الغد القاسم منصرفا من عند الفضل بن يحيى فأعلمته ما كان بين أبيه، فقال: قد أمر لى الفضل لما بلغه خبر أبى وأحمد أخى بثلاثين ألف درهم، قلت: فما عزمت أن تعمل فيها؟ وأنا أقدّر أن يقول أشترى بها ضيعة فقال: أرفد بها أخى أحمد في عرسه، قلت: وان أخذها كلها قال:
وإن أخذها كلها، قال: فلا بأس.
وكتب يوسف بن القاسم عن الفضل بن يحيى في حاجة لرجل: فلان قد استغنى باصطناعك اياه عن تحريكي لك فأمره «١» ولأن الصنيعة حرمة المصطنع ووسيلته الى مصطنعه، سيما عند من يحسن الصنيعة ويستتمها، مستثبتا للشكر عليها والثناء الجميل بها، بسط الله بالخير يديك، ووصل به أسبابك، وأعانك عليه وجعلك من أهله.
وشكى الى يوسف بن القاسم: أن رجلا من العلماء تكلم بكلمة جبريّة. وأن الرشيد انكرها فحضر في محفة وقال: يا أمير المؤمنين ان للعلم طغيانا كطغيان المال والملك. ولولا أن صاحبه يردع بما فيه من مدح العلم والتواضع لكان أشد سطوة به من ذى الملك ثم قال:
انك إن تعثر بك الرجل تتقى وإن التى لا تتقى عثرة الفم
فقال له الرشيد: يا يوسف، أتحضر الدار على هذه الحال. فقال يا أمير المؤمنين هذا محل منك يحامي عليه، وأمر من مدبر أمرك يسارع اليه.
وقال يوما يوسف بن القاسم ليحيى بن خالد- فى شىء كان بينه وبين جعفر بن محمد بن الأشعث الخزاعى-: أعز الله الوزير ان الأريب يتجرع الغصة حتى ينال الفرصة، ويقرّ للصغار حتى يملك الانتصار. ووقع الى عامل: ان كنت منصفا من نفسك فلم تظلم لغيرك؟ وان ظلمت لغيرك فكيف تنتصف من نفسك؟!
[ ١ / ١٥٨ ]
ومن شعره:
توسطت من قومك الا كرمي ن توسط عود حواه لحاء
وصاروا بجمعهم من ندا ك كأرض غذتها بنوء سماء
قال أبو بكر: وجدت بخط ابراهيم بن شاهين. حدّثنى صالح بن محمد، قال.
سأل يوسف بن القاسم القاضي أبا يوسف حاجة فتأخرت فكتب إليه.
أيا قاضي قضاة الأرض طرّا ومن أضحى لأمتنا ربيعا
أمن عدل وانصاف تراه فأقبل ما قضيت به جميعا
بأن ابغى عليك شفيع ود وقد صيرت قصدك لي شفيعا
فقضى حاجته ولم يؤخرها.
وحدّثنى عون، قال: سمعت عبد الله بن أحمد بن يوسف يقول: نالت جدى يوسف إضاقة فكتب الى الفضل بن يحيى:
ابا العباس دعوة مستميح لجودك فاز بالبيع الربيح
وأنت كلاك ربك من أناس بجودهم علت أيدى المديح
وقد قصدتك بى ثقة وودّ أحالانى على الأمل النجيح
فوجّه اليه بثلاثين ألف درهم؛ كلّ بيت عشرة آلاف درهم، وكتب اليه: لو زدت في المقال لزدنا فى المال.
حدّثنى الحسين بن يحيى قال: حدّثنا صالح بن معاوية بن صالح عن أبيه، قال: رأيت محمد بن زياد الحارثى يقتضى أبا القاسم حوائج له سأله عرضه لها على الرشيد، فقال له: انى أنتظر بها وقتا أرجو لك فيه رجوعها بمسرتك دون مساءتك، ثم كتب محمد بن زياد اليه في ذلك وكان صديقا [له] مدلّا عليه، فكان في كتابه: ولولا أنك وسمت حاجتي بالتأخير لجرت مجرى غيرها إما
[ ١ / ١٥٩ ]
بنجاح واما بسراح. فوقّع فى كتابه يوسف بن القاسم: صدقت وتعدّيت، فأما صدقك ففي تأخيري، وأما تعديك ففي عذلي عليه، وانما طلبت وقتا أصادف منه فيه طيب نفس، وطلاقة وجه فيمكننى القول قبل عرض الحاجة في تقريظك بما لعله ان يميل إليك قلبه، وظننت أنى أخّرتها توانيا فتعديت، وكتب بعدها:
إنى إذا ما صاحبي تعدّى في اللّوم والعذل علي جدّا
لم أوله بالعذل عذلا قصدا ولم أبقّ فى احتمال جهدا
فإن أبى الا التعدى عمدا أوسعته بالحلم منى صدا
حتّى يرى وجه اختيارى سدا ويرجع الذمّ الى حمدا
ثم قضى حوائجه، وكتب إليه: قد حقق الله رجاءنا فيما املنا، وأنجح طلبنا فيما ابتغينا، وخرج التوقيع بما أحببنا، والحمد لله على ذلك. وفي أسفل الرقعة:
الرفق يمن وبعض الناس يحسبه عجزا وما العجز إلا الخرق والعجل
والخرق يورث ريثا لانجاح له والرفق يحيابه للآمل الأمل
وكتب الى ابنه احمد بن يوسف، وقد تأخر عنه أياما بسبب عرسه:
فداك أبوك قد طال اشتياقى اليك فهل لنا يوما تلاقى
أناجي الفكر فيك إذا خلونا بذكرك كي ينفس من خناقى
وأبو القاسم يوسف بن القاسم يقول فى جاريته عتب:
عبثت بذكر جارية فاغرانى بها العبث
فتاة رخصة الاطرا ف منها العذل والخنث
ولم أر قبل أن ملكت بهذا الشأن أكترث
فصرت الآن مكتهلا أصبّ كأننى حدث
قال أبو بكر: حدّثنا محمد بن موسى البربري، قال: حدّثنى سليمان بن أبى
[ ١ / ١٦٠ ]
شيخ، قال: حدّثنا المشرف الكاتب، قال: اتخذ يوسف بن القاسم جارية فشغف بها، فليم على ذلك، فقال:
زانها منظر وحسن حديث وغناء يلذّ فى الأسماع
طفلة من نساء قيصر لم تغذ ببؤس ولم تزل فى ارتباع
لم أزل مذ ملكتها طوع ما قالت وما كنت قبل بالمطواع
ومن شعره فى عتب هذه:
أضحى السّهاد له إلفا وما ظلما وأعربت أدمع كانت له عجما
عن وجده بالذى قد كان يستره والحبّ ليس بخاف ما وإن كتما
واستعبدته فتاة بعد كبرته بحبه فثوى عبدا وإن رغما
فظلّ يبدي ويخفي من تحسره على الذي فات من ايامه ندما
وعدّها مغنما لما أتاه بها جاري القضاء فألفى حربها سلما
إن عدّ بالشكر للرّحمن أنعمه يعدّ نعمته فيها له نعما
ووقع في رقعة رجل قد استماحه: قد أمرنا لك بشىء دون قدرك على الاجتهاد، وفوق كفايتك مع الاقتصاد ولما ولى الرشيد علىّ بن عيسي بن ماهان خراسان سأل الرشيد أشياء ثقلت عليه، فقال ليوسف: عرّفه مقدار ما فعلت به فإنى أظنه جهله، فوقع إليه: قد كفيناك بما وليناك، وخراسان تسعك ما وسعك عمر ووقع إلى بعض ولده: إذا لم يكن معروفك إلا عند من تعرف لم يجز معروفك رواق بيتك ووقع: من جور الدنيا أنها لا تعطي أحدا ما يستحق، إما أن تزيده وإما أن تنقصه
[ ١ / ١٦١ ]
ووقع الى بعض ولده: اياك وصحبة فلان، وإن كان قريب النسب منك، فإنه بعيد الشبه بك، فقد يفسد على الإنسان بعض جسده فيقطعه، وهو اولى به وأقرب.
وكتب في فصل آخر: حاصله ومؤخره وغير محتسبه، فأبقى الله لك ما أنت فيه، وحقق ظنك فيما ترجوه، وتفضل عليك بما لم تحتسب.
ووقع: إنّ إساءة المحسن أن يكفّ عنك إحسانه، وإحسان المسيء أن يكفّ عنك إساءته، وابعد ما بينهما! ووقع الى رجل كذّبه في شيء: لو صوّر الصدق لكان أسدا، ولو صوّر الكذب لكان ثعلبا، وما صاحباهما ببعيدين من هاتين الصورتين.
قال أبو بكر: وجدت بخط محمد بن عبد الله اليوسفى أن عباسا غلام أبى الوفاء جنى جناية خاف أبا القاسم يوسف فيها خوفا شديدا فتحمل عليه با بنيه القاسم وأحمد، وكتب في أمرهما «١» رقعة الى أبيهما القاسم فوقع في رقعتهما:
لولا رعاية عباس وحرمته وقولكم لفجعناه بصحته
وما انبرى بائعا بالجور بسطته ولم يخف سطو رب فوق سطوته
قال الصولى: بائعا يعنى فاتحا يديه، كأنه يبوع ثوبا أو حبلا يقيسه بباعه
وقد وهبنا لكم عدوى جريرته ان لم يعد بعدها فى مثل فعلته
ومن يجز باغترار حدّ قدرته يكن صريعا وشيكا تحت غرته
قال أبو بكر: حدّثنا محمد بن الفضل بن الأسود، قال: حدّثنا على بن محمد النوفلى قال: كان ليوسف أبى أحمد بن يوسف غلام أسود متأدب نشأ فى الأعراب، فتولع بجارية لبعض أهلنا، فشكاه اليه، فضربه وحبسه، وحلف ألا يطلقه إلا بعد شفاعة من شكاه فيه، فترك ذكر الجارية فقيل له: ويحك أتحبك الجارية
[ ١ / ١٦٢ ]
كما تحبها فقال:
كلانا سواء في الهوى غير أنها تجلد أحيانا ومابى تجلد
تخاف وعيد الكاشحين وإنما جنونى عليها حين أنهى وأبعد
فبلغ أبا القاسم يوسف شعره، فقال: وإن فيه لهذا الفضل! فركب من وقته إلى الرجل الذى شكاه- وكان قرشيا- فقال له: أسألك أن تبيعنى الجارية بأىّ ثمن شئت، فقال: ما أفعل حتى أعرف السبب في ذلك، فعرّفه خبره، وأنشده البيتين. فقال: أشهدك أنى قد وهبت الجارية له بشفاعتك وطلبتك، وأنا أعطي الله عهدا إن أخذت لها ثمنا أبدا، ووجه بالجارية معه.
حدّثنى عون بن محمد، قال: حدّثنى عبد الله بن احمد بن يوسف عن أبيه، قال دعا يحيى بن خالد أبى فى مرضه الذى مات فيه فلما جلس عنده قال له: إنى لأرى من علة حالك أكثر من علة جسمك، ثم انصرف فحمل إليه أربعمائة ألف درهم، وكتب يذكر أنه لم يجد فى بيت ماله غيرها قال ومات أبى في مرضه ذلك، فما اقتسمنا في ميراثه عينا ولا ورقا غير هذه التى وصله بها يحيى.
ومن شعر يوسف بن القاسم:
هجرتك لما لم أجد فيك مسكة وصادفت منك الودّ غير قريب
وما كنت أدري أنّ مثلك ينثنى على جنب خوّان الصديق مريب
فراق أخ يعطي المودة حقّها أضرّ وانكي من فراق حبيب