قال أبو بكر: كان عبد الله هذا ظريفا كاتبا شاعرا إلا أنه قليل الشعر، وقد ألف كتبا صغارا ورسائل الى اخوته، والغالب عليه الهزل، وربما نسب من لايدرى شعره إلى محمد بن عبد الله، لأنه أكثر شعرا منه، وأنا أذكره بعد فراغى من ذكر أبيه عبد الله، وربما نسبوا كلامه الى كلام أبيه. وانما أذكر ما صح من شعره وكلامه وأخباره إن شاء الله أنشدنى عون بن محمد، قال أنشدنى عبد الله بن أحمد لنفسه:
بلوت هذا الأنام طرّا فلم تشبّث يدى بحرّ
[ ١ / ٢٣٦ ]
ولا استبنت الصديق حتى تصرفت بى صروف دهري
ما المرء الّا أخو الليالى يسرى به الدهر حيث يسرى
إن تبله بالعقوق منها لا يند من صاحب ببرّ
وهو القائل في انسان استثقله:
أقول له والنفس تنبو بقربه لك الأجر ان جرّدت في هجرنا عزما
ويسرت للأنفاس منا «١» سبيلها فقد حصرت من دون مشيتها غما
فما لذّ مجرى الكاس حتى رأيته صريع أكفّ قد تعاورنه لطما
وقال وقد حجبه المعلى بن ايوب:
قل للمعلى ذى الجلا ل وإن عداك جلاله
يا أيّها الملك المخو ف المرتجى إفضاله
أنت الذى وسع البر ية عدله ونواله
واذا بدا ملأ القلو ب بهاؤه وجماله
واذا تكلم راق سا معه وفاق مقاله
واذا البوارق خاب شا ئمها فنحن عياله
لما سمت أعمامه واستنجدت أخواله
طفقت تشيد ما بنا هـ يمينه وشماله
حتّى تشاكل فى القيا س نجاره وفعاله
واستضحكت عن سخطه أرماحه ونصاله
فاذا انتحت اقلامه أردى العدو كماله
وأبيح إذنك دونه قوما «٢» هم امثاله
[ ١ / ٢٣٧ ]
قفه على سبب الحجا ب يتب فتصلح باله
وقال يرثى اباه:
تطاول في بغداد ليلى وضافنى نزيلا جوى بين الحشا والترائب
أناخا على صبري فخلى مكانه لفقد اب برّ «١» جزيل المواهب
ابا جعفر يا خير وائل كلها اذا نزلت بالناس احدي النوائب
وراحت افال الشول غرثى تشكها شآمية ترمى الوجوه بحاصب
وحاميهم ان صبحتهم مغيرة عليها المنايا فى صدور الكتائب
فتى كان مثل السيف ان هزمتنه اتى حدّه دون الطلى والغوارب
له شيمة عند المحامة فظة تشيم العدا منها بروق المعاطب
وتملكه عند الندى أريحية تحكم فى امواله كلّ راغب
تخال به ليثا وغيثا وسنة من البدر تجلو مسدفات الغياهب
اذا يده بلّت «٢» بقائم سيفه هوت قمم الاعداء من كلّ جانب
وليس بناج منه قرن يريده ولو حل بين الجاريات الثواقب
سلام على قبر تضمن شلوه وجادت عليه هاطلات السحائب
بمثل ندى كفيه أو مثل عبرتى عليه فروّاه حيا غير ناضب
قال أبو بكر: ويروى انه قيل لعبد الله بن احمد: وصفت أباك بالشجاعة والقتال، وهو كاتب حبار! فقال: والله ما وصفته الا بما فيه، ولقد حججت معه سنة، فخرج علينا أعراب فما كان في القافلة أشجع منه، قتل فارسا وأسر فارسا، ولكنه كان يكتم هذا ولا يذكره
[ ١ / ٢٣٨ ]
ومن كلامه: أنت السيد العالى شرفه، المتناهى كرمه، لا تتخطاك همة، ولا تقصر عنك رغبة. اذ بنت بالفضل على من تقدمك، وحميت غايتك ممن يقفو أثرك.
فأنت لأهل دهرك ميل، وللكاتبين بعدك مثل. ولك عندى عارفة أسألك استتمامها، فإنك تعود فى المعروف بأحسن من بديتك. فدانى جودك قريب من اجابتك.
قال أبو بكر: وأكثر أشعاره فى جار له يكنى أبا جعفر يعمل فيه أشعارا مضحكة، فمن ذلك:
افخر أبا جعفر ان كنت مفتخرا فقد نبهت وصرت العدل والحكما
وابعث الى قبر قوهى من يبشره ومن يقول سقيت السح والديما
أبلغ صداه وغلغل فى مسامعه أنى حظيت وأن الشأن قد عظما
وقد ظللت وما ان كنت آمله بالبرستان وفيمن حلها علما
وقد أذاع مديحى شاعر فطن خلو القريض وما حاشى وما احتشما
قال أبو بكر، وهو القائل لهذا أو لغيره:
أنت كالعنقود والث علب وثاب مناهض
قال لمالم ينله أنت يا عنقود حامض
وقال أيضا:
اليك اعتذارى من مديحك تائبا أبا جعفر ان كنت فيه مقصرا
على أننى ما كنت أبلغ كنهه ولو كنت فيه الشنفرى وابن أحمرا
فصفحا وعفوا أن تشاء عقوبة وان كنت عندي فى العقوبة اعذرا
وهو القائل يتولع بأبى جعفر هذا:
يبدى الترهّد للورى وضميره هلك الورى أخيارها وشرارها
[ ١ / ٢٣٩ ]
وله بتحريم النبيذ ديانة ورواية مشهورة آثارها
وبرأى عينيه يباع ويشترى في رحبة هو ركنها ومنارها
ويغض مسرورا عليه جفونه إذ كان يوجبه عليه جوارها