يقدّر للرجل أن تكون حياته صورة منتزعة من أحداث عصره، هو نتاج ونتيجة، وهى منبع ومصبّ، وإذا استعرضنا حياة الصولى أيقنّا أنه من العسير على مثله أن ينسب إلى عصر غير عصره، ومن الطبيعى لمثل عصره أن يفرز رجلا كمثله، وإن لم يكن، تكون نواميس الطبيعة قد خرقت، وطبائع الأشياء قد انحرفت.
والصولى هو رجلنا الذى سنجلس إليه (١) والعصر العباسى الثانى فى بغداد هو عصرنا الذى سيكون مرآة نرى فيه الصولى ونراه فى الصولى، مع احتفاظ كل منهما بخصائصه. ذلك العصر (٢٤٧- ٣٣٤ هـ) (٢) الذى بدأ بمقتل خليفة، وانتهى بسمل خليفة، المتوكل قتل بيد ابنه وولى عهده، والمستكفى سمل بيد معزّ الدولة البويهى.
وبدخول البويهيّين بغداد انتهى عصر سيطرة الأتراك على بغداد، وبدأ عصر سيطرة الفرس، وقد كانوا مسيطرين فى العصر العباسى الأول، واضطرّ المعتصم أن يكثر من الأتراك ليخفف من ضغط الفرس حتى تحول العنصر التركى إلى كابوس، فجاء معز الدولة البويهى ليعيد النفوذ للفرس، أما عن العرب فكانوا يجلسون فى صالة المسرح يتفرجون، ويدفعون الثمن من قوتهم ودمائهم، وقد كانوا فى الدولة الأموية هم أبطال الملحمة، وكانت هذه العناصر مصنفة تحت قائمة العبيد والموالى ثم تغيرت الأدوار (٣) .
[ م 1 / ١٧ ]
العصر هنا بمعنى الحقبة الزمنية ذات الأحداث المتشابهة، والتى وقعت فى مكان محدد، لأسباب محددة، نتائجها متوقعة، وهى أحداث ولد الصولى بعد ثمانى سنوات من بدايتها، وعاش سنة أو سنتين قبل نهايتها.
كان من الممكن أن يكون أبو بكر الصولى شاعرا أو كاتبا (٤) أو نحويا (٥) أو فقيها (٦) أو إخباريا (٧) أو موسيقيا (٨) أو منجّما (٩) أو مهندسا (١٠) أو نديما (١١) ولكنه آثر أن يكون كلّ هؤلاء، أن يكون عدّة رجال فى رجل، محيطا بكل شيء، وليس متخصصا فى شيء، فالمتخصص فى علم ما، أو فن ما هو: الذى يضيف إضافة لتخصصه، وتكون له فيه علامة، ولا يمكن للدارسين أن يتجاوزوه إذا تذاكروا الفائقين فى علم ما، أو فن ما، أما الموسوعى فهو:
الذى يسبح فى فضاء المعارف ولا يغوص، يتعمق ولا يبعد، وإن ابتعد لا يغيب، ويجسب له أنه جمع فأوعى، وسمع وروى وحفظ ودرى، فتحول إلى وعاء امتلأ علما يشفى غلة الصادى، ويروى ظمأ الملهوف، لكن ليس له مجال تخصص يقف فيه، وهكذا كان الصولى، هو نتاج طبيعى للعصر العباسى الثانى فى بغداد.
وأعلم أنه سيتبادر إلى الذهن فورا أعلام كبار فى حضارتنا الإسلامية، فالمدائنى (٢١٥ هـ) ترك حوالى سبعة وثلاثين ومئتى كتاب (١٢)، والجاحظ (٢٥٥ هـ) ترك مكتبة معروفة، وكذا ابن قتيبة (٢٧٦ هـ)، والطبرى (٣١٠ هـ)، وأبو حيان التوحيدى (٤٠٠ هـ) وغيرهم كانوا موسوعيين وكانوا صورة منتزعة من عصورهم، مثل الصولى، ولكنهم تميزوا عنه بأنهم تجاوزوا عصورهم بتراثهم، فصاروا صالحين لكل العصور، وكان لهم من
[ م 1 / ١٨ ]
تكوينهم العلمى والاجتماعى والثقافى والنفسى ما ساعدهم على ترك علامة بل علامات فيما تناولوه من علم أو فن، فأضافوا أفكارا، وغيروا مفاهيم، وكان لهم امتداد على يد تلاميذهم، وهنا يختلف الصولى.
كان الصولى على أهميته البالغة نتاجا لعصر هو نفسه نتيجة لأحداث وقعت فى عصر بل عصور سابقة عليه، أحداث كان لها أثرها الدامى فى جسد الأمة الإسلامية منذ أن قتل عثمان بن عفان إلى أن جاءت الدولة الأموية التى تعصبت للعرب، والدولة العباسية الأولى التى تعصبت للفرس، ثم الدولة العباسية الثانية التى قامت على أكتاف الأتراك، فأخذوا يجرون عربة الدولة العباسية فى المنحدر إلى أن وصلت بهم إلى القاع، ليجدوا رءوسهم تحت أقدام معز الدولة البويهى، وتفتّتت الإمبراطورية إلى دويلات وإمارات، ولا حول ولا قوة إلّا بالله.
الصولى غير المدائنى، غير الجاحظ وابن قتيبة، والعصر الذى ظهر فيه الصولى ما كان بحاجة إلى أعلام أفذاذ مثلهم يتجاوزون العصور، ويقفزون فوق أسوار الزمن، كان بحاجة إلى من يرصد أحداثه، ويصور فساده، ويحكى تناقضاته، وينظر بالبصر والبصيرة إلى أحوال العلم والعلماء، والدين والفقهاء، والأدب والأدباء والسياسة والساسة، والتقلبات المذهلة، والأوضاع الغريبة، ولم لا؟ والمجتمع- فى ظل هذه الفتن والاضطرابات والقلاقل- تحول إلى مجتمعات داخل مجتمع، الخليفة والقصر والأمراء والوزراء مجتمع، والقادة والجيش مجتمع، والعلماء والفقهاء والأدباء مجتمع، والتجار والصّناع مجتمع، وعامة الشعب مجتمع، والعبيد مجتمع وهكذا، دوائر تحكمها الطبقية
[ م 1 / ١٩ ]
الغليظة، تتعامل مع بعضها حسب قوانين معلومة، وتتعامل مع غيرها وفق قوانين متفق عليها، وعادة ما تحدث الاضطرابات حين يختل النظام وتتداخل القوانين، وتنتهك الحدود، وهذا هو- فى رأيى- سر ظهور أسماء لامعة فى العصر العباسى الثانى فى كل فن وعلم بالرغم من الفوضى التى نراها بالعين المجردة من الخارج، ومن ثمّ لا تدهش لكثرة العلماء والفقهاء والفنانين بالرغم من الخلل الاجتماعى والاقتصادى والسياسى والأخلاقى الصارخ الذى كانوا يعيشون فيه.
إن اطلاعا سريعا على كتاب العصر العباسى الثانى لأستاذنا الدكتور شوقى ضيف يرينا كيف كانت الحركة العلمية تأليفا وترجمة فى كل العلوم العربية والدينية والفلسفية والطبيعية، وكيف كان زحام العلماء وطلاب العلم فى المساجد والمجالس الأدبية، وكيف كان تشجيع الخلفاء والوزراء والأسر الموسرة للعلم والعلماء، حتى ليخيل إلينا أننا فى أوج العصر العباسى الأول (١٣) والحقيقة أن العصر العباسى الثانى أضاف إضافاته، واجتهد اجتهاداته، وترك علاماته، إنها سر عظمة الحضارة الإسلامية، أن تستمر شعلتها مضيئة حتى فى الظلام الدامس.