قال الصولى: هو شاعر قليل المدح للناس، يتغزل في شعره، ويذهب مذهب ابن أبى أمية، وكان أسنّ من أشجع.
حدّثنى الحسين بن اسحاق، قال: حدّثنى أحمد بن الحارث الخراز، قال: قيل لأحمد بن عمرو أخى أشجع: لم لا تمدح الملوك كما يمدحهم أخوك؟ فقال هو «١» فخر لي، وبلاء علي. إذا مدحت إنسانا، قال: أين شعر هذا من شعر أخيه، وهو يثيب على دون شعري [بالكثير]، ويرضاه فيمنعنى هذا من مدح الناس.
[ ١ / ١٣٧ ]
قال الصولي: وجدت بخط حماد بن اسحاق، قال أشجع السلمى لأخيه أحمد:
أبت غفلات قلبك أن تريحا لكأس ما تفارقها صبوحا «١»
فغضّ عن المكارم طرف عين إلى اللذات ذا شوق طموحا
كأنك لا ترى حسنا جميلا بعينك يا أخى إلّا قبيحا
دعتك إلى محاسنها المعالي فلم تجد المعالي فيك روحا
أمجنون فليس عليك عتب ولست معاتبا إلا صحيحا
فأجابه أحمد فقال:
أغرك أن قولك لي قبيح وأنى لا أقول لك القبيحا
وقد نبئت أنك عبت شعري فخذ بيديك هل تسطيع ريحا
ولا والله ما أحسنت شعرا هجاء مذ خلقت ولا مديحا
سأعرض عنك إذ أعرضت عنى واسكن صدرك القلب القريحا
ومات قبل أشجع فرثاه بمراث كثيرة، وله يقول:
اذا خفت عتبي من سوءة سبقت عتابى بالغضبه
وما كنت الا كريش السها م ألبسه الريش والقطبه «٢»
أيطلب شأوي وما زال لي عتاد المقدّم في الحلبه
وما زلت مذحرّ كتنى الأمو ر أرفعكم رتبة رتبه
أقدّم شعرك عند الملو ك وأكشف عن وجهك الكربه
[ ١ / ١٣٨ ]
فأجابه أخوه:
خطبت ببغضك لي خطبة فدونك فاسمع بها خطبه
زعمت بانك لى مفخر وأنت- فلا تعل- لي سبه
فليتك عنى بعيد الودا د ولم تك مني ذانسبه
وأنى أثكلت من قد ولد ت فصار التأهل لى عزبه
اتخضم فى الماء خضم البعير وأطعم من مالي الوجبه
ولي منك إن جئت مستعتبا وإن عصف الظلم بى غضبه
فدونك فاشرب على بغضتى كما قد شربت بها نخبه
ومن شعر أحمد بن عمرو:
يا من له ما عشت صفو ودادي واليه من قبل المعاد معادي
وفراقه أغرى بقلبى لوعة أغرت لهيب الشوق بالابعاد
لي في السهاد إذا لهجت بذكره عوض خليل من لذيذ رقاد
بأبى حبيب إن مرضت يزورنى طيف له في هيئة العواد
وقال أيضا:
وعاذل با كرتنى منه لائمة لم تبق فى عذل قولا ولم تذر
فقلت لا تنفقن نطقا بلا سبب فليس عذلك من همى ولا وطرى
إنى قنعت بما أهواه فانصرفت نفسى إلى وصله من سائر البشر
وليس للنفس فى غير الذي هويت حظّ ولو ظفرت بالشمس والقمر
[ ١ / ١٣٩ ]
وقال أيضا:
وغزال صاغه الر حمن من حسن وطيب
ترتعى عيناه بالى ألحاظ أثمار القلوب
يا هلالا طالعا فوق قضيب وكثيب
حبّذا العلة لو قد عادنى منها حبيبي
هو داء من بعيد وشفاء من قريب
من رأى مثلي فى ال عالم سقمي وطبيبي!
حدّثنى ابراهيم بن المعلى الباهلي، قال: سمعت أبا الحسن الطوسي يقول:
حدّثنى أحمد بن محمد بن جميل قال مدح أحمد بن عمرو أخو أشجع بن عمرو أبى بشعر ودفعه إلى أخيه ليوصله ويتنجز صلته فتوانى في ذلك، فقال يهجوه:
وسائلة لي ما أشجع فقلت يضرّ ولا ينفع
قريب من الشرّ واع له أصمّ عن الخير لا يسمع
بطيء عن الشيء أحظى به الى كل ماساءنى مسرع
شرود الوداد على قربه يفرق منه الذي أجمع
أسبّ بأنى شقيق له فأنفي بذا أبدا أجدع
قال: وبلغت الأبيات أبى، فأحضر أحمد ووصله، واعتذر لأشجع، وأصلح بينهما ثم مات، فما رأيت أحدا وجد بأحد كوجد أشجع به بعد مماته على جفائه له فى حياته. ولأخيه أشجع فيه مراث كثيرة، قد اخترت منها ما ذكرته فى جملة المختار من شعره فى المراثى.
قال أبو بكر: وههنا أشعار نسبها أقوام الى أحمد، ووجدتها في شعر أشجع
[ ١ / ١٤٠ ]
فجئت بها له، اذ كان لسعة شعره وشهرته أولى بها ولست أذكر لاحمد إلا ما أجده بخط أثق به أو رويته حدّثنا الحسين بن اسحاق، قال: حدّثنا أحمد بن الحارث قال: كانت لأشجع جارية يقال لهاريم، وكان يجد بها وجدا شديدا، فكانت تحلف له أنها ان بقيت بعده لم تعرض لغيره فكان يذكر أمرها في شعره، فمن ذلك قوله فى قصيدته [التى] يرثى بها الرشيد:
وليس لأحزان النساء تطاول ولكنّ أحزان الرجال تطول
فلا تبخلى بالدمع عنّى فانّ من يضنّ بدمع عن هوى لبخيل
ولا كنت ممن يتبع الريح طرفه دبورا اذا هبت له وقبول
اذا دار فيء أتبع الفيء شخصه يميل مع الأيام حيث تميل
وعمل قصيدة يخاطبها فيها منها:
اذا غمضت فوقي جفون حفيرة من الأرض فابكينى بما كنت أصنع
يعزّيك عنى بعد ذلك سلوة وأن ليس فيمن وارت الارض مطمع
اذا لم تري شخصي وتغنيك ثروتى ولم تسمعي مني ولا منك أسمع
فحينئذ تسلين عنى وإن يكن بكاء فاقصى ما تبكين أربع
قليل ورب البيت ياريم ما أرى [فتاة بمن ولى به الموت تقنع] «١»
بمن تدفعين الحادثات اذا رمى عليك بها عام من الجدب يظلع
فيومئذ تدرين من قد رزئته اذا جعلت أركان بيتك تنزع
[ ١ / ١٤١ ]
ومدح فى هذه القصيدة الفضل بن يحيى فسكنه اليها ومدح الفضل بأفضل من مديح أشجع فقال:
ذكرت فراقا والتفرّق يصدع وأىّ حياة بعد موتك تنفع
اذا الزمن الغدّار فرّق بيننا فما لي في طيب من العيش مطمع
فلا كان يوم يا ابن عمرو وليلة يبدد فيها شملنا ويصدّع
ولا كان يوم فيه تثوي رهينة فتروى بجسمى الحادثات وتشبع
وألطم وجها كنت فيك أصونه [وأخشع] «١» ممالم أكن منه أخشع
ولو أنّنى غيبت في اللحد لم تبل ولم يرك الراءون لي تتوجع
وهل رجل أبصرته متوجّعا على امرأة أوعينه الدهر تدمع
ولكن اذا ولّت يقول لها اذهبي فمثلك أخرى سوف أهوى واتبع
ولو ابصرت عيناك غمّى لأبصرت ضبابة حزن غيمها ليس يقشع
الى الفضل فارحل بالمديح فإنه منيع الحمى معروفه ليس يمنع
وزره تزر علما وحلما وسؤددا وبأسا به أنف الحوادث يجدع
وأبدع اذا ما قلت في الفضل مدحة كما الفضل في بذل المواهب يبدع
اذا ما حياض الجود قلت مياهها فحوض أبى العباس بالجود مترع
وإن سنة ضنت بخصب عن الورى ففى جوده مرعى خصيب ومشرع
وما بعدت أرض بها الفضل نازل ولا خاب من في نائل الفضل يطمع
فنعم المنادى الفضل عند ملمة لدفع خطوب مثلها ليس يدفع
اليك أبا العباس سارت نجائب لها همم تسمو اليك وتنزع
بذكرك نحدوها اذا ما تأخرت فتمضي على هول المنى وتسرّع
[ ١ / ١٤٢ ]
وما للسان المدح درنك مشرع ولا للمطايا دون بابك مقنع
اليك أبا العباس أحمل مدحة مطيتها- حتى توافيك- أشجع
فزعت الى جدواك فيها وانما الى مفزع الآمال يلجا ويفزع
فأنشدها أشجع الفضل؛ فوصل أخاه أحمد، ووصل جاريته ريم، ووصله.
قال أحمد بن الحارث: هذه القصيدة يرويها من لا يدرى لريم جارية أشجع، وهى لأحمد أخيه.
آخر أخبار أشجع وأخيه أحمد ومختار شعرهما