«قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي: قد صرت من كتاب الخلفاء، وهو كتاب الأوراق إلى ذكر الشعراء الذين أول اسمائهم ألف، فذكرت منهم جماعة، ثم رأيت بعض الأجلّاء يحب أن أقدم له ذكر أحمد بن يوسف الكاتب وآله جميعا، ومن قال الشعر من آبائه وولده، فآثرت مراده واتبعت محبته. أنا أذكر من ذلك ما سهل عليّ طلبه وقرب منى وجوده، وتارك في أخبار كل واحد وأشعاره بياضا لما خرجه السماع ومنتجعه من الأصول إن شاء الله.»
هو أحمد بن يوسف بن صبيح مولى بنى عجل من قرية من قرى الكوفة تعرف بدبا «١» يقال ان ابا صبيح منها مولى اسلام والصحيح ما يجىء بعد.
قال أبو بكر: سمعت الحسين بن على الكاتب يقول كان صبيح عبدا لبعض بني عجل، فلما أعتقه تكنى بأبى القاسم وقال غيره: كان الذى أعتقه بحر بن العلاء العجلى، وكان ابنه عتبة بن بحر على ديوان الغرب أيام أبى العباس، وفي آخر
[ ١ / ١٤٣ ]
أيام بنى أمية، فخلفه عتبة بن بحر على ديوان مولاه القاسم بن صبيح، ثم كتب القاسم لعبد الله بن على عم المنصور، وكتب يوسف ابنه، ثم كتب يوسف ليعقوب ابن داود وزير المهدي:
قال أبو بكر: وحدّثنى محمد بن سعيد، قال: حدّثنى ابو هفان، قال: حدّثنى جماعة من الكتاب أن السرىّ بن بشر العجلى اشترى صبيحا فأعتقه، وكان صبيح قبطيا، وهذا هو الصحيح.
حدّثنى أحمد بن يزيد، قال: حدّثنا إسحاق الموصلى أبو الفضل، قال: سمعت ابن كناسة الأسدى يقول: خرّجت الكوفة وسوادها جماعة من الكتاب فما رأيت فيهم بيتا أجلّ ولا أبرع أدبا من بيت أبى صالح، وكان من يفد على هشام ابن عبد الملك يمدح القاسم بن صبيح لأنه كان جليلا نبيلا، يلى أعمالا كثيرة لهشام، فممن مدحه يزيد بن ضبة الثقفى وأبو النجم العجلي.
حدّثنا يموت بن المزرّع، قال: حدّثنى أبو الأسود النوشجانى، قال:
حدّثنى ابن دعلج عن أبيه عن جده، قال: دخلنا إلى هشام فى حوائج لنا فرأينا القاسم بن صبيح مولى بني عجل منبسطا في داره، فقام بأمورنا وما رأينا أطلق منه وجها ولا أكثر أدبا ولا أسمح كفا، وكان أبو النجم الشاعر نازلا عليه، وفيه يقول أبو النجم:
أقسم لولا قاسم وبرّه وأنه حرّ كريم نجره
يطيب منه خبره وذكره ما كان لي بيت يكنّ ستره
دون هشام وهو عال أمره لو لم يسعنى حلمه وكثره
عن الدنيات التى تعرّه لغال نفسي بالسعاة «١» شره
[ ١ / ١٤٤ ]
وفيه يقول أبو النجم:
شكرت للقاسم إحسانه شكر أياد غير منّان
لو لم يكن حرّا لما نالنى منه بمعروف واحسان
لكنّ عجلا لهم رتبة تقضي على أيام مروان
حدّثنا أبو بكر أحمد بن زهير سنة ست وسبعين ومائتين، قال: حدّثنا سليمان بن أبى شيخ، قال: حدّثنى من سمع محمد بن أنس يقول للقاسم بن صبيح:
مازلنا فى سامر نصل فصوله بتشوقك، فيذهب ذكرك ملل السامر، ونعسة الساهر. فقال القاسم: مثلك من ذكر صديقه فأطراه، وحرّكه الشوق اليه وأغراه. ولو آذنتمونى باجتماعكم، لكنت مسرعا كأحدكم، مسرورا بما سررتم، مفيضا فيما فيه أفضتم.
قال أبو بكر: أنشدنى محمد بن العباس، قال: انشدنى محمد بن عبد الله ابن أحمد بن يوسف لجده ابى محمد القاسم بن صبيح:
حرق لا تزال بين الصّفاق أقرحت بالدّموع مني المآقي
كلما زيّن التصبر لى قو م من أهل الوداد والإشفاق
فألحوّا به فرمت اصطبارا أخذت لوعة الهوى بالتراقي
فيكون الجواب لا تظلمونى أي صبر يكون للعشاق؟
قال وأنشدنى له:
بهجر الحبيب تكون الكروب وتجري الدّموع وتشجى القلوب
فأما الفراق فما لا يطاق وأما السلوّ فما لا يجيب
وأما الضّلوع ففيها ندوب يساعدها دمع عين سكوب
[ ١ / ١٤٥ ]
وأعظم من ذاك قلب قريح ووجد شديد وجسم يذوب
وقال أيضا، وجدته بخط عبد الله بن أحمد:
لم يصف واصف الفراق فأحصى بعض ما يستحقّ اسم الفراق
كذب الواصفون، فرقة من ته وى ممات إلى حياة التلاقي
قال أبو بكر، وهو القائل ايضا:
ضمير وجد بقلب صبّ ترجمه دمعه فشاعا
فصار دمعي لسان وجدي ضيع سرّي به فضاعا
لولا افتضاحي بفرط دمعي لم يك سرّي كذا مضاعا
قال أبو بكر، ووجدت بخطه: أن القاسم دخل إلي صديق له عليل- وقد أبل من علته- فقال: جئتك وأنا مثقل من الهم، فلما رأيتك تجلت ظلل الغمّ، لإقبال العافية اليك، وظهور تباشيرها إليك «١» حدّثنى عون بن محمد الكندي، قال: سمعت عبد الله بن أحمد بن يوسف يقول: من كلام أبى محمد القاسم بن صبيح. اصحب من غيبته كحاضره، وباطن ودّه كظاهره، تكثر مسرته، وتؤمن معرّته.
ومن شعره فى هذا المعنى:
لبئس صديقا من أراك مودة ويغمز في سرّ عليك ويهمز
فلا تنكحن الودّ من ليس أهله فما ميز الخطاب إلا مميز