وقيل إنه كان يكنى أبا عمرو.
وقال أبو بكر بن محمد بن يحيى الصولي: حدّثنا محمد بن الفضل بن الأسود قال: حدّثنا أبو عبد الله احمد بن أبى فنن وكان لا شجع السلمي أخوان أحمد وحريث، وكان إماميا ثم تأدّب بالبصرة وربى بها ثم ادّعي إلى سليم بن منصور ابن عكرمة بن حفصة بن قيس عيلان، ثم شخص الى الرقة.
حدّثنا عون بن محمد الكندي، قال: سمعت إدريس بن أبى حفصة يقول:
كان أشجع شاعر قيس عيلان فى وقته، لم يكن فيهم غيره، فصححوا نسبه وتعصبوا له، ألا ترى أن الشعراء أيام الرشيد ليس فيهم من قيس عيلان أحد، ولا مذ أوّل هذه الدولة الا بشار بن برد مولى بنى عقيل بن كعب ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس، وكان يفخر بقيس، فلما مات لم يجدوا غير أشجع وأكثر الشعراء أيام هارون الرشيد من اليمن وربيعة، قال: ولأحمد أخى أشجع شعر قليل، وما بلغنا أن لأخيه حريث شعرا.
حدّثنا الحسن بن عليل العنزى، قال، حدّثنا على بن الفضل السلمى، قال:
أشجع بن عمرو، من ولد الشريد بن مطرود السلمى وتزوج أبوه بامرأة من أهل اليمامة فشخص معها فولد له أشجع ثم قدم الى البصرة فربى بها وتأدب، ثم خرج الى الرقة، فنزل على بنى سليم فقبلوه وأكرموه.
حدّثنا عون بن محمد، قال: حدّثنا صخر بن أسد بن جبيلة السّلمي، قال:
[ ١ / ٧٤ ]
حدّثنا أشجع السلمى، قال: قدمت الرقة وكان شخوصي اليها من البصرة فوجدت الرشيد غازيا ونالتنى خلة فخرجت حتى لقيت الرشيد منصرفا من الغزو، فلما وصلت الى الرقة- وكنت قد اتصلت ببعض أهل داره- صاح صائح بباب داره من كان من الشعراء فليحضر في يوم الخميس، فحضرنا سبعة أناثا منهم، فأمرنا بالبكور يوم الجمعة، فبكرنا وأدخلنا وقدم واحد واحد ينشد على الأسنان، وكنت أحدث القوم سنا وأرثهم حالا، فما بلغ الىّ حتى كادت الصلاة [أن] تجب، فقدمت والرشيد على كرسي وأصحاب الاعمدة سماطان بين يديه فقال لي أنشدنى فخفت أن أبتدىء من أول القصيدة بالتشبيب فتجب الصلاة [ويفوتني ما أردت فتركت التشبيب] «١» فأنشدته من موضع المدح من قصيدة أولها:
تذكر عهد البين، وهو لها ترب وأيام يصبي الغانيات ولا يصبو
فأنشدت المدح:
إلى ملك يستغرق المال جوده مكارمه نثر ومعروفه سكب
وما زال هارون الرّضى بن محمد له من مياه النصر مشربها العذب
متي تبلغ العيس المراسيل بابه بنا «٢» فهناك الرّحب والمنزل الرحب
وما بعد هارون الإمام لزائر يرجّى الغنى جدب ولا دونه خصب
لقد جمعت فيك الظنون ولم يكن لغيرك ظنّ يستريح له قلب
جمعت ذوي الأهواء حتى كأنهم على منهج بعد افتراقهم ركب
بثثت «٣» على الأعداء أبناء دربة فلم تقهم منهم حصون ولا درب
فما زلت ترميهم بهم متفرّدا أنيساك حزم الرأى والصّارم العضب
جهدت فلم أبلغ علاك بمدحة وليس على من كان مجتهدا عتب
[ ١ / ٧٥ ]
فضحك الرشيد وقال: خاف أن تفوته الصلاة فأسقط تشبيبه، وابتدأ بمدحه، فاختصر وأبلغ! أضعفوا له ما أعطينا أصحابه فأعطيت عشرين ألف درهم، ولكل واحد «١»
عشرة آلاف درهم.
حدّثنا محمد بن سعيد، قال: حدّثنا ابن أبى سعيد عن محمد بن عبد الله ابن طهمان قال: حدّثنى أحمد بن سيار الجرجانىّ الشاعر، قال: دخلنا يوما على الرشيد بالرّقّة- وقد فرغ من قصره الأبيض- أنا والتّيميّ بن محمد وابن رزين وأشجع، وكان قد ضرب أعناق قوم، فجعلنا نتحلل الدم فابتدأ التيمى فأنشده شعرا كأنما ينثر به درا «٢» ثم أنشده أشجع:
قصر عليه تحية وسلام نشرت عليه جمالها الأيّام
فلما بلغ إلى قوله:
وعلى عدوّك يا ابن عمّ محمّد رصدان ضوء الصبح والاظلام
فاذا تنبّه رعته واذا غفا سلّت عليه سيوفك الأحلام
وكان الرشيد متكئا فاستوى جالسا، ودنوت أنا فأنشدته بعد أشجع:
زمن بأعلى الرقمتين «٣» قصير لم يثنه للحادثات غرير
لا تبعد الأيّام إذ زمن الصبا غضّ وإذ غصن الشباب نضير «٤»
فأعجب بشعرى، وقال: قل للمغنين يعملوا ألحانا في تشبيب هذه القصيدة وخرجت لنا صلة فاقتسمناها علي سواء.
حدّثنا الطيب بن محمد الباهلى، قال: حدّثنا أحمد بن سعيد بن سالم عن أبيه قال قد كنت عند الرشيد فدخل أشجع ومنصور النمري فانشده النمري قصيدته:
[ ١ / ٧٦ ]
ما تنقضى حسرة منى ولا جزع إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
فمرّ والله في قصيدته قلما يقول العرب مثلها ثم أنشده أشجع:
قصر عليه تحية وسلام
فجعلت أرفع «١» منه وتعصبت للقيسيّة، فلما بلغ بيته
وعلى عدوّك يا ابن عم محمد
(البيتين) وقد ذكرنا هما استحسن ذلك الرشيد فأومأت إلى أشجع أن يسكت فلم يفعل، ومر في شعره ففتر الرشيد بعد البيتين، وكان عالما بالشعر، ثم ضرب بمخصرة معه الأرض: وقال، إن الشعر في ربيعة [سائر اليوم] «٢» فلما خرجت، قلت لا شجع: ويحك ألامت بعد البيتين؟
حدّثنا الغلابى، قال حدّثنا موسى بن سعيد بن سالم عن أشجع، قال قال لي الرشيد، من أين أخذت قولك، وعلى عدوك: البيتين؟ فقلت لا أكذب والله من قول النابغة.
فإنّك كالليل الذي هو مدركي وان خلت أنّ المنتأى عنك واسع
فقال صه، هو عندي من كلام الأخطل لعبد الملك بن مروان وقد قال له:
أنا مجيرك من الجحّاف. فقال: من يجيرنى منه إذا نمت؟
حدّثنا أبو على الحسن بن على الزازي: قال: حدّثنا أحمد بن أبى فنن، قال: جلس جعفر بن يحيى على الصّالحية، فشرب بمستشرف لها إذ جاءه أعرابى من بنى هلال بن عامر، فشكى خلّة واستماحه بأحسن لفظ، وأفصح لسان وكان أشجع السلمىّ حاضرا فقال جعفر: أتقول يا هلالي «٣» الشعر؟ قال: قد كنت أتملح به حدثا
[ ١ / ٧٧ ]
ثم سئمته شيخا، فقال: فأنشدنا لشاعركم حميد بن ثور. فقال أشجع: والله لا ينشد الا مدحتك في مثل قافيته فأنشد الهلالي لحميد بن ثور:
لمن الديار بجانب الحمس «١» كمحطّ «٢» ذى الحاجات بالنفس
حتى أتى على آخرها، فاندفع أشجع وقد عمل أبياتا إلى أن فرغ من الإنشاد:
ذهبت مكارم جعفر وفعاله في الناس مثل مذاهب الشّمس
ملك تسوس له المعالى نفسه والعقل خير سياسة النفس
فاذا تراءآه الملوك تراجعوا جهر الكلام بمنطق همس
ساد البرامك جعفروهم الأولى - بعد الخليفة- سادة الأنس
ما ضرّ من قصد ابن يحيى راغبا بالسعد حلّ به أم النحس
فاستحسن ذلك جعفر منه، وقال صف موضعنا هذا، فقال:
قصور الصالحيّة كالغذارى لبسن ثيابهنّ ليوم عرس
مطلات على بطن كسته أيادي الماء نسجا وشي غرس
اذا ما الطّلّ أثر في ثراه تنفس نوره من غير نفس
تغبقه السماء بصبغ ورس وتصبحه كئوس غير شمس
قال جعفر: يا هلالىّ كيف ترى صاحبنا، قال أرى خاطره طوع لسانه، وبيان الناس تحت بيانه، وقد جعلت ما تصلنى به له، قال: بل نقرّك يا أعرابى ونرضيه، فأمر للأعرابى بمائة دينار، ولأشجع بضعفها.
حدّثنا أحمد بن اسماعيل، قال: حدّثنا ابن أبى فنن، قال: حدّثنى داود ابن مهلهل قال: كان أشجع ينشد جعفر بن يحيى حين خرج ليصلح أمر الشام وكان يعظ الناس في كل جمعة، فأنشده بعقب الطعام:
[ ١ / ٧٨ ]
فئتان طاغية وباغية جلت أمورهما عن الخطب
قد جاء كم بالخيل شارية «١» ينقلن نحوكم رحا الحرب
لم يبق الّا أن تدور بكم قد قام هاديها على قطب
فأمر له بمائة دينار، وقال: دائم القليل خير من منقطع كثير، قال: وكان يعطيه في كل جمعة مائة دينار مدة مقامه حدّثنا جبلة بن محمد الكوفيّ، قال: حدّثنى عبد الرحمن بن النعمان السلمى، قال: كنا بباب جعفر بن يحيى فقيل لنا: انه عليل لا اذن عليه، فكتب أشجع رقعة، ثم دفعها الى الحاجب وفيها:
لما اشتكى جعفر بن يحيى فارقنى النوم والقرار
ومرّ عيشي عليّ حتى كأنّما طعمه «٢» المرار
حزنا على جعفر بن يحيى لا حقّق الخوف والحذار
إن يعفه الله لا نبالى ما أحدث الليل والنهار
فأدخل الرقعة ثم خرج، فأدخل أشجع وحده، وصرف الناس.
حدّثنا محمد بن أحمد المقدّمي، قال: حدّثنا الحارث بن الحسين، عن محمد بن على أن أشجع السلمىّ كتب الى الرشيد، وقد أبطأ عنه شيء أمر له به:
أبلغ أمير المؤمنين رسالة لها عنق «٣» بين الرواة فسيح
بأن لسان الشعر ينطقه النّدى ويخرسه الإبطاء وهو فصيح
فأعجب بيتاه الرشيد، وأمرله بترويج صلته.
[ ١ / ٧٩ ]
حدّثنا جبلة بن محمد، قال: حدّثنى أحمد بن [محمد بن] «١» منصور بن زياد، وكان يقال لمحمد أبيه «٢» فتى العسكر، قال: أقبل أشجع السلمى إلى باب أبى، فرأي ازدحام الناس عليه، فقال:
على باب ابن منصور علامات من البذل
جماعات وحسب البا ب نبلا كثرة الأهل
فبلغ بيتاه هذان أبى، فقال: هما والله أحبّ شيء مدحنى به إلىّ.
حدّثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: حدّثنا سليمان بن أبى شيخ، قال: اعتلّ يحيى بن خالد، ثم صلح فدخل اليه الناس يهنئونه بالعافية، ودخل أشجع فأنشده:
لقد قرعت شكاة أبى علىّ قلوب معاشر كانت صحاحا
فإن يدفع لنا الرحمن عنه صروف الدهر والأجل المتاحا
فقد أمسى صلاح أبى علىّ لأهل الدّين كلّهم صلاحا
إذا ما الموت أخطأه فلسنا نبالي الموت حيث غدا وراحا
قال: وما أذن ذلك اليوم لأحد في النشيد سواه لاختصاص البرامكة له.
حدّثنا الحسين بن يحيى قال حدّثنا اسحاق الموصلي، قال: لما انصرف الرشيد من غزوته التى فتح بها هرقلة، قدم الرقة فى آخر شهر رمضان، وعيّد وجلس للشعراء، فدخل أشجع فأنشده:
لا زلت تنشر أعيادا وتطويها تمضي بها لك أيام وتثنيها
مستقبلا بهجة الدّنيا ولذّتها أيامها لك نظم فى لياليها
[ ١ / ٨٠ ]
العيد والعيد والأيام بينهما موصولة لك لا تفنى وتفنيها
ولا تقضّت بك الدنيا ولا برحت يطوي لك الدهر أياما وتطويها
وليهنك الفتح والأيام مقبلة إليك والنصر معقودا نواصيها
أمست هرقلة مكلوما جوانبها وناصر الدين بالتدبير يرميها «١»
ملكتها وقتلت الناكثين بها بنصر من يملك الدّنيا وما فيها
ماروعي الدين والدنيا على قدم بمثل هارون راعيه وراعيها
فأمر له بألف دينار، وقال: لا ينشدنا أحد بعده! فقال أشجع: والله لأمره بألّا ينشد أحد بعدى أحب إلي من صلته لي.
قال أبو بكر: وحدّثنى على بن العباس النّوبختى، قال: حدّثنى البحتري، قال: كنت فى مجلس فيه علىّ بن الجهم؛ فتذاكرنا الشعراء المحدثين؛ فمرّ ذكر أشجع، فقال فيه عليّ: ربما أخلى. فلم أدر ما قال؛ وأنفت من سؤاله عن معناه. فانصرفت إلى منزلي فنظرت في شعر أشجع، فاذا هو ربما مرت له الأبيات مغسولة خالية من المعاني واللفظ [فعلمت] أنه أراد ذلك وأن معناه أن الرامى إذا لم يصب من رشقه كله الغرض بشىء قيل أخلى فجعل ذلك قياسا.
حدّثنا الحسين بن فهم، قال: حدّثنا حماد بن اسحاق قال شرب محمد بن منصور الدواء، وكان أمر عسكر هارون الرشيد يدور عليه، لموضعه من الرشيد ومن البرامكة وصداقته الفضل بن الربيع، وهو في عدادهم «٢» فكتب إليه أشجع:
أصحّ الله جسمك ذو العلاء وأعقبك السلامة في الدّواء
[ ١ / ٨١ ]
وأبدلك الإله به صلاحا وعافية تمحّق كلّ داء
وألبسك المليك رداء عمر على الأيام ممدود البقاء
شفاك الله طاوي كل سقم فإنّ العيش فى بشر الشّفاء
فقد أنزلت من قحطان بيتا رفيع السّمك متّسع الفناء
فقال محمد بن منصور: ما جاءتنا اليوم هدية أحسن من هدية أشجع، وحمل إليه صينية فضة فيها ندّ أهدى إليه، فكان [يقوّم] بمال عظيم قال أبو بكر: وجدت بخط إسحاق الموصلى: ولّى الرشيد جعفر بن يحيى خراسان، فجلس للناس يهنئونه، وأنشده الشعراء ودخل فى آخرهم أشجع فقال: أتأذن فى إنشاد شعر قضيت به حقّ سؤددك وكمالك، وخفّفت به ثقل أياديك عندي؟ فقال: هات يا أبا الوليد، فإنك أكثر شعرائنا برّا بنا، فأنشده وذكر خروجه:
أتصبر يا قلب «١» أم تجزع فإنّ الديار غدا بلقع
غدا يتفرّق أهل الهوى ويكثر باك ومسترجع
إلى أن بلغ قوله:
ودوّيّة بين أقطارها مقاطع «٢» أرضين لا تقطع
تجاوزتها فوق عيرانة «٣» من الرّيح فى سيرها أسرع
إلى جعفر نزعت رغبة وأىّ فتى نحوه تنزع
فما دونه لامرىء مطمع ولا لامرىء غيره مقنع
ولا يرفع الناس من حطّه ولا يضعون الذى يرفع
[ ١ / ٨٢ ]
يريد الملوك مدى جعفر ولا يصنعون كما يصنع
وكيف ينالون غاياته وهم يجمعون ولا يجمع
وليس بأوسعهم فى الغنى ولكنّ معروفه أوسع
يلوذ الملوك بآرائه «١» إذا نالها الحدث الأفظع
بديهته مثل تدبيره متى رمته «٢» فهو مستجمع
[إذا هم بالأمر لم يثنه هجوع ولا شادن أفرع
ففى كفه للغنى مطلب وللسّر في صدره موضع] «٣»
وكم قائل إذ رأي ثروتى وما فى فضول الغنى أصنع
غدا فى ظلال ندى جعفر يجرّ ثياب الغنى أشجع
كأنّ أبا الفضل بدر السما ء لعشر مضت بعدها أربع
فقل لخراسان تحيا فقد أتاها ابن يحيى الفتى الأروع
قال: فأقبل عليه جعفر [بن يحيى ضاحكا واستحسن شعره وجعل] «٤» يخاطبه كما يخاطب الأخ أخاه، بنثر أحسن من نظمه، ثم أمر له بألف دينار فحسدته علي جودة شعره، وعلى خطاب جعفر له، واستصغرت ما أمر له به.
قال أبو بكر: وقال لى يوما عبد الله بن المعتز من أين أخذ أشجع؛
وليس بأوسعهم فى الغنى ولكنّ معروفه أوسع
فقلت: من قول موسى شهوات «٥» لعبد الله بن جعفر [بن أبى طالب] «٦» ﵇
[ ١ / ٨٣ ]
ولم يك أوسع الفتيان مالا ولكن كان أرحبهم ذراعا
فقال: أصبت، هكذا هو.
وأنشدنا المبرّد يوما أبياتا، ولم يسم شاعرها، وقال: لا أعرف في وصف أصحاب المعارف أحسن منها، وهى:
سلبنى نهيك طاعة لو أنها رجمت بركز متالع لم تكلم
قوم إذا غمزوا قناة عدوّهم حطموا جوانبها ببأس محطم
في سيف إبراهيم خوف واقع لذوى النفاق وفيه أمن المسلم
ويبيت يكلأ والعيون هواجع مال المضيع ومهجة المستسلم
ليل يواصله بضوء نهاره يقظان ليس يذوق نوم النّوّم
شدّ الخطام بأنف كل مخالف حتى استقام له الذى لم يخطم
لا يصلح السلطان الا شدة تغشي البرىء بفضل ذنب المجرم
[ومن الولاة مقحم لا يتّقى والسيف تقطر شفرتاه من الدم] «١»
منعت مهابتك النفوس حديثها بالشيء تكرهه وإن لم تعلم
ونهجت فى سبل السياسة منهجا فهّمت مذهبه الذى لم يفهم
فكتبوها ولم أكبها، فقال لي: لم لا تكتبها، فقلت أنا أحفظ القصيدة. فقال لى لمن هى؟ فقلت: لأشجع السلمى فقال فيمن؟ فقلت فى ابراهيم وعثمان ابنى نهيك «٢» قال. فأنشدنيها، فأنشدته.
لمن المنازل مثل ظهر الأرقم قدمت وعهد أنيسها لم يقدم
فتكت بها سنتان يعتورانها بالعاصفات وكلّ أسحم مرزم
دمن إذا استثبتّ عينك عهدها رجعت إليك بناظر المتوهم
ولقد طعنا الليل فى أعجازه بالكأس بين غطارف كالأنجم
[ ١ / ٨٤ ]
يتمايلون على النعيم كأنهم قضب من الهندى لم تتثلم «١»
والليل مشتمل بفضل ردائه قد كاد يحسر عن أغرّ أرثم «٢»
[فإذا أدارتها الاكفّ رأيتها تثنى الفصيح إلى لسان الأعجم
وعلى بنان مديرها عقيانها من سكبها وعلى فضول المعصم
تغلى اذا مالشّعريان تلظّتا صيفا وتسكن في طلوع المرزم «٣»
ولقد فضضناها بخاتم ربها بكرا وليس البكر مثل الأيّم
ولها سكون فى الإناء وخلفها شعب يطوّح بالمكميّ المعلم
تعطي على الظلم الفتى بقيادها قسرا وتظلمه إذا لم يظلم] «٤»
فضحك وقال: حسبك أنت مفروغ منك.
قال الصولى: وقال لي الراضى بالله يوما وقد وقف على نهر وكان يحفظ أكثر شعري لا أعرف في صفة نهر لقديم ولا محدث إلا كلمات ابن الرومي:
على حفافي جدول مسجور أبيض مثل الهرق المنشور
أو مثل متن المنصل المشهور ينساب مثل الحية المذعور
وأبياتك ثم أنشدها- وهى لى من قصيدة نحو مائة بيت وصفت فيها الرياحين والرّوضة ونهر أبا- «٥»
بنهر ترعد أحشاؤه إذا علاه دارج النسم
ويقشعرّ الجلد من مائه كأنما يرعد من جرم
وينسج الريح دروعا به ينظمها فيه بلا نظم
في روضة أشرق نوّارها «٦» تضاحك الأنجم بالنجم
[ ١ / ٨٥ ]
كأنه الفضّة قد أجريت ما بين وشى مسرّق الرقم
آبّا لها يفقدها فقده والبيت لا يفقد باليتم
ترضع أخلافا له برّة لم يمرها الحالب من هضم «١»
تنفّست بالماء حافاته تنفّس المغتاظ عن كظم
وامتدّ للأعين فى طوله من غير تعويج ولا وصم «٢»
كأنه من حسن تقويمه غلوة رام قاصد السهم
فقلت له: قد قال أشجع السلمي:
أجرى الامام الرشيد «٣» نهرا عاش بإجرائه الموات
جاد عليه بريق فيه وسرّ مضمونه الفرات
ألقحه درة لقوحا يرضع أخلافها النبات
على رياض له نبات ما ولدتهنّ أمهات
للماء من فوقها انتباه وللثرى تحتها سبات
في جانبيه وجانبيها أعنّة الماء مطلقات
فاستحسنها وكتبتها له فحفظها.
قال أبو بكر: حدّثنا الباقطاي قال حدّثنا الغلابى، قال: حدّثنا مهدي، قال:
أعطى جعفر بن يحيى مروان [بن أبى حفصة] عن مدح له ثلاثين ألف درهم، وأعطى أبا النضير عشرين ألفا وأشجع ثلاثة آلاف، وكان أول ما اتصل به فكتب أشجع اليه:
أعطيت مروان الثلا ثين التى حلت رعاثه
وأبا النضير وإنما أعطيتنى معهم ثلاثه
[ ١ / ٨٦ ]
ما خاننى حوك القصي د وما أتهمت سوى الحداثه
فأعطاه عشرين ألفا.
حدّثنا عون بن محمد الكندي، قال لما عزل الرشيد جعفر بن يحيى عن خراسان وقد كان سماها له وكتب كتبه [وعقد له العقد] «١» وأمر ونهى ودبّر مديدة ومدح بأشعار [فوجم لذلك جعفر] «٢» إلى أن دخل عليه أشجع فأنشده:
أمست خراسان تعزّى بما أخطأها من جعفر المرتجى
كان الرشيد المعتلى أمره ولى عليها المشرق الأبلجا «٣»
ثم أراه رأيه أنه أمسى إليه منهم أحوجا
كم فرّق الدهر بأسبابه من محصن أهلا وكم زوّجا
وكم به الرحمن من كربة فى مدّة تقصر قد فرّجا
فقال له جعفر: قمت والله بالعذر [لأمير المؤمنين] «٤» وأصبت الحق وخففت نقل العزل، فسل ما شئت. قال: قد كفانى جودك على وتفقدك لى هذر المقال وذلّ السؤال.
قال أبو بكر: حدّثنى أبو حفص السلمىّ الأحول، قال: حدّثنى بعض ولد سعيد بن سالم، قال: لما عقد الرشيد البيعة لابنيه وكتب بينهما كتابا علقه في سقف الكعبة ما كان شيء أعجب إليه يسمعه من استصابة رأيه في ذلك وتوكيده من شعر أنشده أشجع:
قل للإمام ابن الإمام أهل التحية والسلام
[ ١ / ٨٧ ]
إن الخلافة لم تزل بيديك موثقة الزّمام
استأنس الحرمان من ك بزورة في كل عام
والحجر والحجر الأص مّ بطول مسّ واستلام
قضيّت نسكك وانصرف ت بخير ظعن أو مقام
وكتبت بين خليفتي ك كتاب قطع للخصام
عقد سددت قواه ما سجع الحمام مع الحمام
قلدته عنقيهما بشهادة البيت الحرام
والمسلمون شهود ذا لك بين زمزم والمقام
وشهيدك الله العل ي عليهما وعلى الأنام
حدّثنا عون بن محمد، قال: حدّثنا العباس بن رستم، قال: وعد يحيى بن خالد أشجع وعدا فتأخر عليه فقال:
رأيتك لا تستلذ المطا ل وتوفى اذا غدر الخائن
فماذا تؤخّر من حاجتي وأنت لتعجيلها ضامن؟
ألم تر أن احتباس النوا ل لمعروف صاحبه شائن
فلم يتعجل عليه ما أراد، فقال:
رويدك إن عزّ الفقر أدنى إلىّ من الثراء مع الهوان
وماذا تبلغ الأيام مني بريب صروفها ومعى لساني
فبلغ قوله جعفرا فقال: ويلك يا أشجع، هذا تهدّد فلا تعد لمثله! ثم كلم أخاه فقضى حاجته فقال:
كفانى صروف الدهر يحيى بن خالد فأصبحت لا أرتاع للحدثان
كفانى- كفاه الله كلّ ملمة- طلاب فلان مرة وفلان
[ ١ / ٨٨ ]
فأصبحت فى رفغ من العيش واسع أقلب فيه ناظرى ولسانى
حدّثنى عون بن محمد، قال: أنشدنى علىّ بن الجهم قصيدته الدالية:
قالوا «١» حبست فقلت ليس بضائري حبسى وأىّ مهنّد لا يغمد
فأعجبنى فقلت أسألك الله أسبقك أحد إلي قولك فيها،
شهدوا وغبنا عنهم فتحمكوا فينا وليس كغائب من يشهد
وما بعده من الأبيات؟ فقال قولي أحسن من قول من سبقنى قلت: ومن هو قال أشجع السلميّ لجعفر بن يحيى وقد جعل اليه ناحية فكان بها فرفع عليه قوم فقبل قولهم فيه، فكتب إليه من أبيات:
لقد هزّت سنان القول «٢» منى رجال وقيعة لم يعرفونى
هم جازوا حجابك يا ابن يحيى فقالوا بالذى يهوون دونى
أطافوا بى لديك وغبت عنهم ولو أدنيتنى لتجنبونى
وقد شهدت عيونهم فقالت علىّ وغيّبت عنهم عيونى
قال الصولي وجدت هذه الأبيات لأشجع في قصيدة أولها:
أمفسدة سعاد علىّ دينى ولائمتى على طول الحنين
وما تدري سعاد اذا تخلت من الأشجان كيف أخو الشجون
تنام ولا أنام لطول حزنى وأبن أخو السرور من الحزين
لقد راعتك عند قطين سعدى رواحل غاديات بالقطين
كأن دموع عيني يوم بانوا جداول من ذرى وشل معين
[ ١ / ٨٩ ]
وبعد هذا أبياته الاربعة:
ولما ان كتبت بما أرادوا تدرع كل ذي غمر دفين «١»
كففت عن المقاتل باديات وقد هيأت صخرة منجنون
ولو أرسلتها دمغت رجالا وصالت في الأحشة والشئون «٢»
وكنت إذا هززت حسام قول قطعت بحجة علق الوتين
لعل الدهر يطلق من لسانى لهم يوما ويبسط من يمينى
فأقضي دينهم بوفاء قول وأثقلهم لصدقي بالديون
وقد علموا جميعا أن قولى «٣» قريب حين أدعوه يجينى
وكنت إذا هجوت رئيس قوم وسمت «٤» على الذّؤابة والجبين
بخط مثل حرق النار باق يلوح على الحواجب والعيون
أمائلة بودّك يا ابن يحيى رجالات ذوو ضغن كمين
يشيمون السيوف إذا رأونى وان وليت سلت من جفون
ولو كشفت سرائرنا جميعا علمت من البرىّ من الظنين
علام وأنت تعرف نصح حبي «٥» وأخذى منك بالسبب المتين
وعسفي كل مهمهة خلاء إليك بكل يعملة أمون
وإحيائى الدجى لك بالقوافي أقيم صدور هن علي المتون
وإيصالى الي أقصى صلاتى بمكة بين زمزم والحجون
تقرب منك أعدائي وأنأى وتجلس مجلسى من لا يلينى
ولو عاينت نفسك في مكانى اذا لنزلت عندك باليمين
[ ١ / ٩٠ ]
ولكنّ الشكوك نأين عنى بودّك والمصير إلى اليقين
وإن انصفتنى أحرقت منهم بنضج الكىّ أثباج البطون
حدّثنى جبلة بن محمد الكوفي، قال: حدّثنى أبى قال: أول أمر أشجع السلمى اتصاله بجعفر بن أبى جعفر [المنصور] في آخر أيام المنصور، وهو حدث وصله به عوف بن أحمد بن يزيد السلمىّ، وأحمد بن يزيد ومن أول شعره [في جعفر بن المنصور]:
اذكروا حرمة العواتك منا يا بنى هاشم بن عبد مناف
قد ولدنا كم ثلاث ولا دات خلطن الأشراف بالأشراف
مهدت هاشما نجوم قصيّ من بنى فالج «١» حجور عفاف
إن أرماح بهثة بن سليم لعجاف الأطراف غير عجاف
ولأسيافهم قرى غير لذّ راجع فى مواجع الأكتاف
مرهفات اذا طفت أعملوها في مناط الأعناق والأجواف
عزّ جار لبهثة بن سليم بين عوف محله وحقاف «٢»
معشر يطعمون من ذروة الشو ل ويسقون خمرة الأقحاف
يضربون الجبّار في أخدعيه ويسقونه نقيع الزّعاف
بسيوف ورثن عن قيس عيلا ن ثقال على العدوّ خفاف
ولعوف بن أحمد بن يزيد شرف مشرف على الاشراف
إن عوفا وأحمدا ويزيدا أسسوا المجد في أشم يناف
من يسوّى بأحمد بن يزيد وبأسلافه من الأسلاف
وله جانب يخشنّ في لين وفتك «٣» يشوبه بعفاف
[ ١ / ٩١ ]
لبنى زافر سحائب أشجا ن وظلّ على العشيرة ضافي
كفرت نعمة بنو الحجا ف وتولّت منيعة الاعطاف «١»
بعد فكّ الاغلال عن عبد رب ومسامير قيده العزّاف
يسكن الطير فى الشباك ولا تسكن روعات قلبه الرّجاف
معصم بالفرار تحمله الرّه بة بين الإيضاع والإيجاف
قال جبلة: وقد أنشد مسعر المنصور بيتين من هذه القصيدة لأنه هلالى، وبنو هلال قد ولدوا بنى هاشم أمّ ولد العباس بن عبد المطلب، أم الفضل الهلالية.