قال أبو بكر: وزر للمأمون بعد أحمد بن أبى خالد، وهو معرق فى الكتابة والشعر، وقد استقصيت أخباره في كتاب الوزراء الذى ألفته. وأنا آتى ههنا منها بشيء من مختارها ومختار شعره، وقد فرقت من ذكر آبائه وأخبارهم فى ذكر أخيه القاسم بن يوسف وكان أسنّ منه وبقي القاسم بعده مدة. حدّثنا القاسم بن إسماعيل، قال: حدّثنا قعنب بن محرز الباهلىّ قال:
كنا نقول: لم يل الوزارة أشعر من احمد بن يوسف حتى ولي محمد بن عبد الملك فكان أشعر منه حدّثنى الحسين بن على الباقطائى قال: اجتمع الكتاب عند أحمد بن
[ ١ / ٢٠٦ ]
اسرائيل، فتذاكروا الماضين من الكتاب، فأجمعوا أن أكتب من كان في دولة بنى العباس احمد بن يوسف، وابراهيم بن العباس، وأنّ أشعر كتاب دولتهم ابراهيم بن العباس، ومحمد بن عبد الملك بن الزيأت، فابراهيم أجودهما شعرا، ومحمد أكثرهما شعرا، ثم الحسن بن وهب، وأحمد بن يوسف، وأن أزكى كتاب الدولة وأجمعهم لمحاسن الكتابة من ذكاء وخط وفطنة جعفر بن يحيى، واسماعيل بن صبيح.
حدّثنا يعقوب بن بنان، قال: حدثنا علىّ بن الحسين بن عبد الأعلى الاسكافي، قال ابو بكر: وقد رأيته أنا مرارا كثيرة، وسمعته يحدث ولم احفظ منه شيئا، قال: عوتب احمد بن يوسف على تقديمه موسى بن عبد الملك على صباه فقال أحمد:
لا تعذلونى في اختصاصي له فالعذل والله من اللؤم
إنّ استه مشربة حمرة كأنها وجنة ملطوم
حدّثنى أحمد بن اسماعيل، قال: كان محمد بن الجهم البرمكيّ يلوم أحمد ابن يوسف في حبّ موسى بن عبد الملك فكتب اليه:
لا تعذلنى يا أبا جعفر عذل الأخلّاء من اللؤم
والبيت الآخر، فكتب اليه محمد بن الجهم:
لست بلاحيك على حبّه ولست فى ذاك بمذموم
لأنّ في أسفله سخنة كأنها سخنة محموم
حدّثنى محمد بن خلف وكيع قال «١» قال لى ابو جعفر محمد بن القاسم بن
[ ١ / ٢٠٧ ]
يوسف، قال قال: حدّثنى نصير الخادم «١» مولى أحمد بن يوسف كان أحمد بن يوسف يتبنى مؤنسة جارية المأمون فجرى بينها وبين المأمون بعض ما يجرى، فخرج الى الشماسية يريد سفرا، وخلفها فجاء رسولها إلى احمد بن يوسف مستغيثة به فوجهنى أحمد اليها فعرفت الخبر، ثم رجعت فأخبرته، فدعا بدابته ثم مضى فلحق المأمون بالشماسية، فقال للحاجب: أعلم أمير المؤمنين أن أحمد بن يوسف بالباب، وهو رسول. فأذن له فدخل، فسأله عن الرسالة [ماهي «٢»] فاندفع ينشد شعرا عمله عنها:
قد كان عتبك مرة مكتوما فاليوم أصبح ظاهرا معلوما
نال الأعادي سؤلهم لا هنئوا لما رأونا ظاعنا ومقيما
[والله لو أبصرتني لو جدتني والدمع يجرى كالجمان سجوما] «٣»
هبنى أسأت فعادة لك أن تري متفضّلا متجاوزا مظلوما
فقال المأمون: قد فهمت الرسالة، كن الرسول بالرضىء يا ياسر امض [معه «٤»] فاحملها. فحملها ياسر إليه.
حدّثنا محمد بن العباس، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن احمد بن يوسف عن ابيه، قال: جلس أحمد يقرأ الكتب بين يدى المأمون وهو وزير، فمرت قصة أصحاب الصدقات، فقال المأمون لأحمد: انظر في أمرهم، قد كثر ضجيجهم فقال: قد نظرت في أمرهم وقررته، ولكنهم أهل تعدّ وظلم، وبالباب منهم جماعة. فقال المأمون: أدخلوهم إلي فدخلوا فناظروه فاتجهت الحجة عليهم، فقال أحمد: هؤلاء ظلموا رسول الله صلي الله عليه وسلم، كيف يرضون بعده! قال الله ﷿ (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ)
[ ١ / ٢٠٨ ]
فعجب المأمون من حسن انتزاعه، وحضور مراده فى وقته، وقال: صدقت يا أحمد، وأمر باخراجهم قال أبو بكر: تحدث أحمد بن طيفور أن المأمون قال لأحمد بن يوسف:
إنى أريد غسان بن عباد لأمر جليل، وكان يريده لولاية السند. لأنه أراد أن يعزل عنها بشر بن داود المهلبي لأشياء عظيمة عتب عليه فيها، وكان المأمون يعلم سوء رأى أحمد في غسان بن عباد، فقال أحمد: غسان رجل محاسنه أكثر من مساويه، لا تضرب به طبقة إلا انتصف منها مهما خيف عليه «١» فانه لا يأتى أمرا يعتذر منه، لأنه قسم زمانه «٢» بين أيام الفضل فجعل لكل مكرمة وقتا «٣» فقال له المأمون: لقد مدحته علي سوء رأيك فيه، فقال: إنى لأمير المؤمنين كما قال الشاعر:
كفى ثمنا لما أسديت انى صدقتك في الصديق وفى عداتى «٤»
فأعجب المأمون كلامه. [واسترجح عقله] «٥»
[ ١ / ٢٠٩ ]
قال أبو بكر: وهذا الخبر فانما هو لهشام بن عبد الملك، وقد سأل أسد بن عبد الله القسرىّ عن نصر بن سيار فأجاب فيه بهذا الجواب، فقال له هشام [ذلك الشعر.
و] ما أزعم أن المأمون أجابه، فقال بالشعر. إلا أنه فى أسد أبيات كثيرة. رويناه بأسانيد الثقات من غير وجه، فنسبه ابن أبى طاهر إلي المأمون وأحمد بن يوسف بغير رواية، لأنه صحفى حاطب ليل، يشترط فى كتبه اختيار الشعر الجيد ويأتى بالردىء، ويزعم أنه يقلل فيحسن، ويكثر فيسىء، ثم يحكى الكذب، ويخطيء في التاريخ [و] في نسب الشعر «١» .
قال أبو بكر: وقد رأيته بالبصرة سنة سبع وسبعين ومائتين وقدمها إلى أحمد ابن على المادرائى وكتبت عنه مجلسين أو ثلاثة، فلما رأيته صحفيا لم أر عنده ما أريد تركته، ويعز على أن أذكر أحدا من أهل الأدب بسوء وأن استخفه، ولكن لابد من أن نعطى العلم حقه، ونضع الحق موضعه.
حدّثنا عون بن محمد، قال: كان أحمد بن يوسف عدوا لسعيد بن سالم الباهلى وولده، فذكرهم يوما فقال: لولا أن الله ﷿ ختم نبوته بمحمد ﷺ وكتبه بالقرآن لا نبعث فيكم نبيّ نقمة، وأنزل عليكم قرآن غدر، وما عسيت أن أقول في قوم محاسنهم مساوىء السفل، ومساويهم فضائح الأمم.
[ ١ / ٢١٠ ]
وقال يهجوهم:
أبنى سعيد انكم من معشر لا تحسنون كرامة الاضياف
قوم لباهلة بن أعصر إن هم فخروا حسبتهم لعبد مناف
مطلوا الغداء الى العشاء وقرّبوا زادا لعمرو أبيك ليس بكافي
بينا كذاك أتاهم كبراؤهم يلحون في التبذير والإسراف
وكأنني لما حططت اليهم رحلى حططت بأبرق العزّاف
قال غوث وهو القائل فيهم:
أبنى سعيد إنكم من معشر لا تثأرون دماءكم إن طلّت
لجلجتم وحباكم معقودة ولقلّما تغنى إذا هى حلّت
وإذا تشمّ أنوفكم رعم «١» الغذا أنّت لعادتها إليه وحنت
وبأىّ سيف تثأرون دماءكم وسيوفكم مذ أغمدت ما سلت؟!
وهو القائل في عمرو بن سعيد بن سالم:
يا صاح خذ في غير ذكر الطعام دون طعام القوم كسر العظام
وحالف النوم عسى أنه يطوف منه طائف في المنام
ما حرم الله على زائر زادك يا عمرو وأكل الحرام
الناس في فطر سوى شهرهم ودهر أضيافك شهر الصيام
قال أبو بكر: حدثنى الحسين بن فهم، قال: سمعت يحيى بن أكثم يقول:
حضر احمد بن يوسف المأمون، وبين يديه ابن له ينشد شعرا، فقال: كيف تراه؟
فقال: أراه فطنا ذكيا، أديب اللفظ واللحظ، لا يعبأ أن يؤديه بما يريد، في كل عضو منه قلب يقد.
[ ١ / ٢١١ ]
قال أبو بكر: فأخذ بآخر كلامه ابو تمام، فمدح نفسه، وخاطب عتبة [ابن ابى عاصم] «١» الاعور يهجوه:
ترى صلّا يخال بكل عضو به من شدة الحركات قلبا
حدّثنا أحمد بن اسماعيل، قال: سمعت سعيد بن حميد يقول: أهدى احمد بن يوسف الى المأمون لما استكتبه لوزارته. واستخصه في يوم مهرجان هدية بألف ألف درهم، وكتب اليه:
على العبد حق فهو لا شك «٢» فاعله وإن عظم المولى وجلّت فضائله
ألم ترنا نهدى إلى الله ماله وان كان عنه ذا غنى فهو «٣» قابله
[ولو كان يهدى للمليك بقدره لقصر عبل البحر عنه وناهله
ولكننا نهدى الى من نجله وان لم يكن فى وسعنا ما يشاكله] «٤»
قال أبو بكر: حدثنا احمد بن زهير قال: اخبرنى ابو جعفر عمر بن محمد الأطروش، قال: عتب احمد بن يوسف على جارية له في شىء سألته ألا يفعله
[ ١ / ٢١٢ ]
ثم فعلت مثله، فقال احمد:
وعامل بالفجور يأمر بال بر كهاد يقود «١» في الظلم
او كطبيب قد شفّه سقم وهو يداوي من ذلك السّقم
يا واعظ الناس غير متعظر ثوبك «٢» طهّر أو لا فلا تلم
وكانت لأحمد بن يوسف مع أبى العتاهية اخبار:
حدّثنا محمد بن زكريا قال: حدّثنا مهدى بن سابق قال: كتب ابو العتاهية الى احمد بن يوسف:
أطع الله بجهدك أبدا أو دون جهدك
أعط مولاك كما تطلب من طاعة عبدك
فلما قرأ أحمد البيتين، قال: هذا أبلغ كلام.
قال أبو بكر: حدّثنا محمد بن موسى بن حماد، قال: حدّثنى ابن مهدويه محمد بن القاسم، قال: حدّثنى عبد الله بن أحمد بن حرب، قال: حدّثنى موسى ابن عبد الملك، قال: كتب أبو العتاهية الى أحمد بن يوسف:
أبا جعفر إن الشريف يشينه تتايهه على الإخوان بالوفر
فان تهت فينا «٣» بالذى نلت من غنى فانّ غناى فى التجمل والصبر
ألم تر أنّ الفقر يرجى له الغنى وأنّ الغنى يخشى عليه من الفقر
[قال (موسى بن عبد الملك) فقلت لا تتعرض له وأسكته عنك فوجه اليه بخمسة آلاف درهم قال علي بن ابراهيم فأعلمت ذلك على بن جبلة فقال بئسما صنع كان ينبغي له أن يقول له: أأحمد أن الفقر يرجى له الغنى فيشير باسمه]»
[ ١ / ٢١٣ ]
حدّثنا محمد بن موسى، قال: حدّثنى ميمون بن هارون، قال: كتب أبو العتاهية إلى أحمد بن يوسف، وقد عتب عليه:
أبا جعفر هلّا اقتطعت مودّتى فكنت مصيبا فيّ أجرا ومصنعا
فكم صاحب قد جلّ عن قدر صاحب فألقى له الأسباب فارتفعا معا
حدّثنا محمد بن الأسود، قال: حدّثنا ابن أبى فنن، قال: جاء أبو العتاهية أحمد بن يوسف يوما فحجبه فكتب اليه:
أراك تراع حين ترى خيالى فما هذا يروعك من خيالى
لعلك خائف منى سؤالا ألا فلك الأمان من السؤال
كفيتك أنّ حالك لم تمل بى لأطلب منك تبديلا بحالي
وأن العسر مثل اليسر عندى بأيهما منيت فلا أبالى
فلما قرأها وصله واستكفه.
وهجر أحمد بن يوسف أبا العتاهية فقال فيه:
في عداد الموتى وفي ساكنى الدّنيا ابو جعفر اخى وخليلى
لم يمت ميتة الوفاة «١» ولكن مات عن كلّ صالح وجميل