هو أبوبكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس بن محمد بن صول تكين المعروف بالصولى «١» ويذكر الخطيب أن له أبوة حسنة فان جده صول وأهله
[ د 1 / ٨ ]
كانوا ملوك جرجان ثم رأس أولاده بعده في الكتبة وتقلد الأعمال السلطانية وابن خلكان يوافقه على ذلك ولكنه يزيد ايضاحا فيقول «وكان صول وفيروز أخوين ملكا جرجان تركيان تمجسا وصارا أشباه الفرس فلما حضر يزيد بن المهلب بن أبى صفرة جرجان أمنهما فلم يزل صول معه وأسلم على يده حتى قتل معه يوم العقر» وهنا نلمح اضطرابا تاريخيا طفيفا فابن قتيبة يذكر فى المعارف أن الذي فتح جرجان انما هو المهلب بن أبى صفرة لا ابنه يزيد، وياقوت يذكر أن أول من أحدث بناء جرجان انما هو يزيد أى أنها لم تكن قد حدثت قبل ذلك الحين فكيف نتصور أنهم كانوا ملوكا فيها؟
ومهما يكن لهذا الخلف من أثر فالصولى أحد الفضلاء المشاهير العالمين بفنون الآداب، المحاضرين بأخبار الملوك وأيام الخلفاء ومآثر الأشراف وطبقات الشعراء نادم الراضى بالله وكان أولا يعلمه ونادم المكتفي بالله والمقتدر بالله، وكان مقربا من الخلفاء والأمراء مقبول القول عندهم وامتدحهم بجمل من الشعر رائعة وأرخ لهم كما أرخ لشعرائهم وكتابهم، وصنف لهم المؤلفات وكانوا يستظرفونه ويأنسون إلى حديثه. وهو يحدثنا أن المكتفى استصحبه فى سفرة سافرها للصيد وأنه كان يأكل بين يدي المكتفى بالله وينشده الاشعار، ولمهارته فى لعب الشطرنج يظن بعض مؤرخي الفنون والآداب أنه الواضع الأول لفن الشطرنج. وقد شاهد الراضى في بعض متنزهاته بأليونة بستانا مونقا وزهرا رائقا فقال لمن حضر: هل رأيتم أحسن من هذا؟ فكل قال أشياء ذهب فيها إلى مدحه، ووصف محاسنه وأنها لا يفي بها شيء من زهرات الدنيا، فقال الراضى بالله: «لعب الصولي بالشطرنج والله أحسن من هذا ومن كل ما تصفون»
[ د 1 / ٩ ]
ويظهر أنه كان بخفض من العنش لكثرة ما كان يغدقه عليه الخلفاء والأمراء من العطايا والصلات الفاخرة وكان أحد المؤرخين العصريين جيد الحفظ والرواية لجيد الشعر وأخبار العلماء، والمؤرخون يعتمدون عليه في تدوين أخبار الخلفاء فى عصره، وكان إلى ذلك لغويا فقيها محدثا شاعرا أديبا عالما بالقراءات والغناء وضروبه وأنواع الخطوط، وقد دون فى كتاب أدب الكتاب قواعد للاملاء وهو الى ذلك ماجن خليع كثير الايراد لأشعار المتماجنين والخليعين ومؤلفات الصولى كلها طريقة ينحو فيها منحى مؤلفى عصره، وتظهر فيها شخصيته الممتازة، وكثيرا ما يتحدث عن نفسه في كتاب الأوراق ويدون أحواله مع الخلفاء ووزرائهم وكتاب أدب الكتاب يعطى فكرة واضحة عن مقدار معرفته وثقافته الواسعة في فنون الآداب، ولو أن شيئا يعطى نصيبه من الحظوة والتقدير والمكانة لغطى كتابه هذا على كتاب ابن قتيبة أدب الكتاب الذى لا يريد من الكاتب إلا أن يملأ رأسه بجمل من الألفاظ وطائفة من أبواب اللغة وقد نقده الصولى وذكر أنه رجم بالغيب وأن نسجه كاذب مهلهل، وقال إن كتابه المستحق أن يسمى أدب الكتاب على الايجاب لا على الاستعارة، وعلى التحصيل لا على التمثيل وبالرغم من كل هذا فقد لقي كتاب ابن قتيبة من الحفاوة والاعتبار- حتى من شيوخ ابن خلدون- ما لم يلقه هذا الكتاب.
وقد تتلمذ الصولى لجماعة كبيرة من المحدثين والفقهاء والادباء والشعراء أمثال المبرد وثعلب والسجستانى يروى عنهم كما يروى عن أرسطاطاليس وجالينوس وبعض الملوك اليونانية وقد قرأ عليه كثير ممن صاروا أئمة الأدب في العهد الذى تلى عصره مثل المرزبانى صاحب كتاب الموشح، ويكاد كتابه الموشح يكون من عمل
[ د 1 / ١٠ ]
الصولي وإنما المرزبانى راوية له اذ نجد على رأس كل خبر من الاخبار التى وردت فيه حدثنا الصولى أو حدثنا أبو بكر أو محمد بن يحيى الصولى وأبو الفرج الاصبهانى يروى في كتابه الاغانى نحو ثلثمائه خبر كلها عن الصولى ولم يخل الصولى مع كل هذا الفضل من نقد فقد ذكر أبن النديم أنه عول عند تأليف كتاب الأوراق على كتاب المرثدي في الشعر والشعراء بل نقله نقلا وانتحله ويقول ابن النديم وقد رأيت دستور الرجل فى خزانة الصولى فافتضح به كذلك هجاه أبو سعيد العقيلى فانه رأى بيتا له مملوءا كتبا قد صنفها وجلودها مختلفة الألوان وكان يقول هذا كله سماعى وإذا احتاج إلى معاودة شىء منها قال يا غلام هات الكتاب الفلانى فقال أبو سعيد
إنما الصولىّ شيخ أعلم الناس خزانه
إن سألناه بعلم طلبا منه إبانه
قال يا غلمان هاتوا رزمة العلم فلانه
كما أخذ عليه أنه روى أحاديث موضوعة وصحف فى أخرى، والمؤرخون مختلفون في وفاة الصولى فبعض يذكر أنه توفي سنة ٣٣٥ وآخر يقول ٣٣٦ ولكنهم متفقون جميعا على إغفال تاريخ مولده وقد دلنا البحث على أنه عمر ثمانين سنة أو ما يقاربها.
وللصولى في الشعر مقدرة فائقة وقدم ثابتة، وشعره وان لم يكن فى المرتبة الاولى الا أنه قوي عذب ويتخلل كتابه الاوراق قصائد ومقطعات له ومعظمها مدائح للخلفاء ووزرائهم وأمرائهم، وسنبسط القول فيه ونعمد لتحليله وذكر الكثير منه قريبا حين ننشر القطع الباقية من كتاب الاوراق والله يقدر الخير ويهدي اليه
[ د 1 / ١١ ]