النشر: أن يجرب البعير فيبرأ غير برء تام، وتبقى بقية من جربه أى قليل فينبت وبره عليه فيكون ظاهره برء وباطنه سقم، يريد الشاعر وكذلك نحن ظاهرنا جميل وصلح، وباطننا شر وحقد ونحوه:
وقد ينبت المرعى على دمن الثّرى وتبقى حزارات النّفوس كماهيا
وهو النشر بفتح الشين، وإنما يسكنها الشاعر لضرورة الشعر.
[ ٢ / ٤٠ ]
ثم لم يرض حتى سأل القاضى عن هذا، فقال رواه الطبرى على خطأ والصولى كثير السماع فمن هذا لا يحكى إلا صوابا. حدثنى القاضى بذلك وقال لنا الراضى بالله كأنى بالناس يقولون أرضى هذا الخليفة بأن يدبر أمره عبد تركى، حتى يتحكم فى المال ويتفرد بالتدبير؟ ولا يدرون أن هذا الأمر أفسد قبلى، وأدخلنى فيه قوم بغير شهوتى، فسلمت إلى ساجية وحجرية يتسحبون على ويجلسون فى اليوم مرات، ويقصدوننى ليلا.
ويريد كل واحد منهم أن أخصه دون صاحبه، وأن يكون له بيت مال وكنت أتوقى الذماء فى تركى الحيلة عليهم، إلى أن كفانى الله أمرهم.
ثم دبر الأمر ابن رائق فدبره أشد تسحبا فى باب المال منهم، وانفرد بشربه ولهوه. ولو بلغه وبلغ الذين قبله أن على فرسخ منهم فرسانا قد أخذوا الأموال واجتاحوا الناس فقيل لهم اخرجوا إليهم فرسخا لطلبوا المال وطالبوا بالاستحقاق، وربما أخذوه ولم يبرحوا ويتعدى الواحد منهم أو من أصحابهم على بعض الرعية، بل على أسبابى وآمر فيه بأمر فلا يمتثل ولا ينفذ ولا يستعمل، وأكثر ما فيه أن يسألنى فيه كلب من كلابهم فلا أملك رده، وإن رددته غضبوا وتجمعوا وتكلموا فلما جاء هذا الغلام جاء من لا يقول لى صنعتك أو أجلستك كما كانوا يقولون بل اجترأنا عليه بالاصطناع، ووجدته إن تعدى أحد من أصحابه لم يرض إلا بقتله والمبالغة فى عقوبته. وإن بلغه أن عدوا قد تحول فى ناحية نهض اليه فسبق خبره من غير اعتساف لى بطلب مال ولا تلبث لوفاء استحقاق، فرضيت ضرورة به وكان أوفق لى وأحب إلى ممن قبله، وكان
[ ٢ / ٤١ ]
الاجود أن يكون الأمر كله لى كما كان لمن مضى قبلى، ولكن لم يجر القضاء بهذا لى! وكان دعا بجكم مرات ما منها مرة إلا وهو ينفق عليه فى خلعه.
وما يحمله معه عشرين ألف دينار وزيادة عليها من صوانى ذهب وفضة وعنبر وندومسك وكافور وبلور.
وعلم أن عادته فى داره وحشمه ألا يشرب الماء إذا جاءه حتى يذوقه بين يديه الذى جاء به يصب منه فى إناء معه فيشربه ثم يناوله إياه فكان يستعمل الراضى معه هذا إذا حمل اليه لون وضع بين يدى الراضى أولا فأكل منه ثم وضع بين يدى بجكم وكذلك النبيذ وجميع ما يوضع بين يديه، وكان يستعفيه من هذا فلا يعفيه.
ولقد قبل فى آخر دعوة دعاه فخذه ويده فضمه الراضى اليه وأخرج من أصبعه خاتمين فوضعهما فى أصبعه أحدهما يشبه الجبل فى حمرته وكبره، فنظر ابن حمدون إلى ونظرت اليه واغتممنا أن يكون الجبل فى يد غيره ففطن لنا، فلما انصرف بجكم قال لنا قد رأيت نظر كما وقت الخاتم وأحسبكما ظننتماه الجبل ليس به ولكنه أقرب فص فى الدنيا شبها به.
ولقد قال لى بجكم بعد موت الراضى، وأنا معه بواسط، وعلى رأسه من خدم الراضى جماعة: إن هؤلاء حدثونى أن الراضى أراد أن يقبض على فى بعض دعواته، أفكان كذا؟ فقلت له: الأمير يعلم أن الراضى لا يرجى فى هذا الوقت ولا يخاف، وبالله ما استبنا منه ذلك فى حال
[ ٢ / ٤٢ ]
صحوه ولا سكره ولا جده ولا هزله. وما كان إلا محبا للأمير مغتبطا به، ولقد كان يتصنع فى مدح ابن رائق حين كرهه ويقرظه ويصفه فما كان يخفى علينا ضميره فيه هذا من قبل ان يظهر لنا ما فى نفسه عليه فقال لى صدقت والله وكذب هؤلاء، وما يدريهم؟ كان الأمر عندى كما قلت ثم حدثته بما قد ذكرته من قول الراضى «أنا أعلم أن الناس يقولون» . فضحك وقال ما كان إلا نهاية فى عقله ودهائه وملقه،- يريد بجكم هذا وإن لم يلفظ بهذا اللفظ- ولكنى أعتب عليه بانه كان شديد الجبن يؤثر لذته وشهوته على رأيه. فعجبت والله من عقل بجكم، جاء والله بعيبيه اللذين ما كان فيه غيرهما ثم حدثته أنا كنا نقف على مكاتبته الأمير سرا ليأذن له فى المصير إلى بغداد ويشكو إليه ما كان يجرى عليه من ابن رائق فيكتب اليه «عليك بالوفاء لمن اصطعنك، وأحسن اليك» إلى أن كتب اليه الامير «أعوذ بالله أن يكون مولاى يريد قتلى كما يريده ابن رائق لأنه أعطانى جيشا بمال معلوم ثم لم يوفنى استحقاقهم، وهذا يبقى على دمى» وأنه لما ورد عليه كتاب الأمير بهذا كتب اليه: «والله ما أحب أن يتأذى بشىء أقل جندك وأتباعك لموضعك عندى، وما يستحقه شجاعتك ومناصحتك فكيف أحب ما ذكرته فيك وإذ صار الامر إلى هذا، وجعلت وصيتى لك بالتمسك بالوفاء وحسن العهد سببا لزوال أمرك فما أحب هذا، افعل ما يصلحك» فلما قرأ الأمير هذا الكتاب أقبل إلى بغداد. فقال كان كذا والله
[ ٢ / ٤٣ ]
ما جئت حتى جاءنى هذا الكتاب. قلت ثم وقفنا فى وقت من الأوقات أن الأمير اتهمه بأنه كاتب فى أمره بعض من يصلح للمكاتبة فى مثله وأن ذلك اتصل به فوجه إلى الأمير «قد علمت الحال التى كنت عليها لابن رائق فى كراهتى له فى آخر أيامه وما أجرى اليه مما يستوجب به إزالة أمره ومكاتبتك لى فيه بما كاتبت. فان كنت مع تلك الحال أذنت لك فى مكروهه، أو تغير عليه مع سخطى وغضبى فإنى سأكاتب فيك على بعد ما بينكما، وأنا فى هذا الوقت مغتبط بك راض بجميع فعلك وأمرك» فضحك بجكم فقال كذا كان وأزال هذا جميع ما بقلبى مما توهمته وعلمت أنه صادق فيه.
قال الصولى: وما رأيت الراضى يقرظ أحدا تقريظه الأمير أبى بكر محمد بن طغج فإنه كان يصفه ويرضى جميع ما هو عليه، وإذا جاءته هدية من قبله استحسن جميعها وفرق علينا منها. وكان يقول إذا ذكره «رجل كبير العقل حسن الطاعة، يشبه أجلاء الموالى الماضين وما أدرى بما أكافئه» ثم أمر فكتبت عنه كتب بأنه قد سماه الأخشاذ وأمره أن يسميه به جميع الناس.
ولما جاءته هديته فى آخر أيامه التى كان فيها الخدم الذين يغنون ويرقصون قال «لقد خصنى بما لم يملك مثله خليفة قط- وكان ربما قال بغير حضرة من لا يثق به- لو كان مثله عندى وكان جيشه مكان هذا الجيش! فانه أشبه بجيش آبائى، وأشد تمسكا بطاعتى» ولقد ذكره يوما فقرظه ووصفه وكان قد تغير لابن رائق تغيرا أبداه
[ ٢ / ٤٤ ]
لى وللعروضى حتى يقرئنا رقاعا له اليه وجواباته له، وربما أقرأنا أهاجى قد هجاه بها فقال بعقب وصفه للأمير الأخشاذ وذمه لمن ذم كيف كنت حدثتنى عن عمارة بن عقيل مع خالد بن يزيد الشيبانى، وتميم بن خزيمة بن خازم التميمى؟ فقلت له:
حدّثنى القاسم بن اسمعيل أن عمارة حدثه أنه أضاق فصار إلى تميم بن خزيمة وهو تميمى من رهطه، فسأله فاعتل عليه فجاء إلى خالد ابن يزيد الشيبانى وهو من ربيعة بعيد النسب منه فسأله فأعطاه وأكرمه واعتذر اليه فقال عمارة يفضل خالدا عليه:
أأترك إن قلّت دراهم خالد زيارته إنّى إذا لمليم
فليت بثوبيه لنا كان خالد وكان لبكر بالثّراء تميم
فيصبح فى قومى أغرّ محجّل ويصبح فى بكر أغمّ بهيم
ولعمارة أهاج فى تميم ومدح لخالدين يزيد كثير.
فقال لى الراضى لما سمع هذا «فليت!» يريد فليت لى الأخشاذ بابن رائق، وهذا ظريف مما كان يقوله ولكنه ينبىء عن جميعه، وكذلك صنعت فى أشياء اختصرتها لئلا يطول الكتاب بها ولم يزل الراضى ذكيا عاقلا مذكان صبيا قرأ يوما أبياتا من الشعر فى الغزل، فقال لى اعمل فى نحوها فعملت:
يا مليح الدّلال رفقا بصبّ يشتكى منك جفوة وملالا
[ ٢ / ٤٥ ]
نطق السّقم بالذّى كان يخفى فسل الجسم إن أردت سؤالا
قد أتاه فى النّوم منك خيال فرآه كما اشتهيت خيالا
يتحاماه للضّنى ألسن العذ ل فأضحى لا يعرف العذّالا
فقال لى سأعمل فى نحوها فتنحى وأخذ دواة وعمل بحضرتى:
قلبى لا يقبل المحالا وأنت لا تبذل الوصالا
ضللت فى حبّكم فحسبى حتّى متى أتبع الضّلالا
قد زارنى منكم خيال فزدت إذ زارنى خبالا
رأى خيالا على فراشى وما أراه رأى خيالا
فلحن هذا الشعر بعض الطنبوريين، وغنى فيه فحدثه يوما مضحك كان يدخل اليه، أنه حضر مجلسا غنى فيه بهذا الشعر فقال هو هذا لسيدنا الأمير. فقال كاتب كان فى المجلس هو لفظ الصولى وشعره فحلفت على ذلك فأقام على قوله. فقال له «عرفنى هذا الكاتب» فظن أنه يريد سوءا فيه. فقال «لعلك توهمت أنى غضبت من قوله لا والله، ولكنى استحسنت علمه بالشعر لأن الصولى علمنى الشعر وأنا أتبع ألفاظه وأنحو مذهبه فلما قال هذا ما قال وهو لا يعرف حقيقة أمرى، علمت أنه لم يقل هذا إلا عن علم بالشعر، فأحببت بذلك أن أحسن اليه، إذ كانت فيه هذه الفضيلة» فعجبت من حسن عقله وتمييزه.
[ ٢ / ٤٦ ]
وكنا يوما بين يدى الراضى، وهو يشرب فلغط الجلساء فجذب الدواة والدرج وكتب فيه شيئا وناولنيه فإذا فيه:-
لما برمت براحى وانقضى الأدب قرنتها بأناس شانهم إرب
تراهم الدّهر لا يروون من لغط على المدام فلا التذّوا ولا شربوا
ولم يزل الراضى نحو سنتين من خلافته، لا يشرب النبيذ ونشربه نحن بين يديه. وربما شرب الجلاب وأنا مصوب له ذلك مساعد عليه حتى أغواه أصحابنا فقال «إنى أعطيت الله عهدا أن لا أشربه أبدا» وكتب رقعة بلفظه بيمينه وعرضها على الفقهاء، فوجد رخصة فوجه بألف دينار إلى لأتصدق بها عنه وشرب:
وقال لى يوما أنشدنى تشبيب قصيدتك البائية فى ابن فرات فانه عندى أحسن تشبيب سمعته قط فأنشدته
سيّدى أنت إنّنى بك صبّ بين أيدى الهموم والشّوق نهب
وشفيعى إليك أنّى محب وقديما أحبّ من لا يحبّ
بعث الحبّ لى سقاما فأعدى بى حزنا مداوما ما يغبّ
ليس لى نيّة أسلّى بها ال نّفس لما قد رأى ولا لى قلب
ضاع صبرى وأخلفتنى ظنون كاذبات يلذّها من يصبّ
غير أنّى أرحت من قول لاح هو همّ على الفؤاد وكرب
[ ٢ / ٤٧ ]
عذل العاذلون فيك وقالوا ما على من أحبّ مثلك عتب
لك خدّ مورّد الّلون سهل وفم طيّب المجاجة عذب
وجبين تلألأ الحسن فيه كهلال تكشّفت عنه حجب
وجفون مفتّرات مراض وحديث المؤنّث اللّفظ رطب
وقوام للرّيح فيه احتكار يتثنّى تثنّى الغصن شطب
أخصب الحسن فى جميعك إلّا أنّ حظّى من كلّ ذلك جدب
لهف نفسى عليك لو أنصف الحب لذلّ الغداة لى منك صعب
لا أسمّيك خيفة بل أعدّى عنك طرفا دموعه فيك سكب
وعددت الهوى علىّ ذنوبا إن يكن ذا فحسن وجهك ذنب
ايمر الزمان صفحا علينا لم ينل طائل ولم يقض نحب
ظلمتنى كظلمك السّنّ حتّى شاب رأسى ودعوة الشّيب سبّ
سلبتنى ثوب الشّباب الثّلاثو ن وللشّيب بعد ذلك سلب
وأحالت دهما على الرّأس شهبا ليس يجزى بخيله اللهو شهب
إن يكن سار عامدا لدمشق وطوانى كما طوى الشّمس غرب
فهو للقلب حيث ما مال ذكر وهو للطّرف حيث ما دار نصب
[ ٢ / ٤٨ ]
حسن رأى الوزير عوّض فيه فهو للجود والمكارم ربّ
وهى طويلة. فجلس طويلا، ثم أنشدنى ما عمل ولم يقطعه بعد فإذا هو
أشهد الله أنّنى بك صبّ لفؤادى من شدّة الوجد وجب
حار فى الجسم يوم ودّعت دمع فاض منه مع التّستّر غرب
يا عليلا فدته منّى نفس بين أيدى الإشفاق والشّوق نهب
سلب القلب والمنى وافد السّنّ وقد كان قبله لى قلب
إن أمته فى هواك فالموت دائى أنت فى البعد للّواحظ نصب
فوقتك الرّدى حشاشة نفس لم يجرها من التّباعد قرب
ثم قال لى قد أغرت عليك، فقلت له إن رأى سيدى أن ينعم على ويقطع عمله لهذه الأبيات، ففعل. ثم قال لى بعد عرفنى بما أردت بقطعى الأبيات؟ قلت إن أبياتى جهدت نفسى حتى جاء تشبيهها كما وصفه سيدنا وترتجل أبياتا فينشدها الناس معها فيرون أبياتى أجود، وما أحب أن يرى الناس لعبد شيئا أفضل مما يملكه مولاه من أشباهه.
وحدثنى الراضى قال لما قتل القاهر مؤنسا وبليق وابن بليق أنفذ رءوسهم إلى مع الخدم يهددونى بذلك وأنا فى حبسه لأنى كنت فى حجر مؤنس، ففطنت لما أراد وقلت ليس الا مغالطته، فسجدت شكر الله وأظهرت للخدم من السرور ما حملهم على أن جعلوا التهدد بشارة
[ ٢ / ٤٩ ]
وجعلت أشكره وأدعو له فرجعوا بذلك وكتبت اليه:
بقيت أمير المؤمنين على الدّهر برغم الأعادى نافذ النّهى والأمر
شفيت غليلا كان لولاك قاتلا وخفّفت همّا ضاق عن حمله صدرى
وقمت بحقّ الله فى قتل معشر سعوا فى البلاد بالفساد وبالكفر
وثأر أخ ساد الأنام ولم تكن لتغفل عن ثأر عراك ولا دثر
ولست بليث أفلتته فريسة وقد علقت بالنّاب منه وبالظّفر
ولا حيّة ينجو بنفث لديغها ولا صارم يهوى لضرب ولا يبرى «١»
فعشت لدين الله تجبر وهنه وبلّغت أقصى ما هويت من العمر
ويا ليتنى أسعدت فيك بنظرة أوفّى بها حقّ المحامد والشّكر
فلما قرأها دعانى فقال ما شفيتك فأظهرت السرور وأكثرت الدعاء فنفعنى والله ذلك عنده، وحال عما أراده بى إلى غيره.
وكان الراضى وعدنى وهو امير أن يشرب ليلة، وأنا أحتال فى المصير إليه سرا، فصرت إلى داره بالمخرم ليلا فلم أصل، واشتغل بزائر زاره فلم يشرب، وكتب إلى من الغد:
وليلة من سيّئات الدّهر توقّد الشّوق بها فى صدرى
توقّد النّار بذاكى الجمر أنسيت ما أشربه لذكرى
[ ٢ / ٥٠ ]
مغرى بنسيانى وطول هجرى ذا سطوة ونخوة وكبر
وقدرة يجهل فيها قدرى ثمّ أتى مزورة بالعذر
أفديه من واف ومن ذى غدر يبخل عنّى بقليل نزر
فاعذر فهذا خبرى وأمرى متى أرى سرّى يحثّ جهرى
بوصل بدر فاضح للبدر يسكرنى باللّحظ قبل سكرى
يا طالبا قتلى لغير وتر يهنيك هجر منك يفنى عمرى
ولما هزم بجكم لابن رائق خرج إلى الشام، وصار أميرا مكانه دعانى الراضى فأنشدنى:
أبعد ما قد حلبت الدّهر أشطره محاربا لخطوب حكمها جارى
وفلّقت حيلى هام الرّجال أرى والغيب يخمد ما أذكيت من نار
صممت عن صبوات يستجيب لها ناس بأوتار لهو ثأر أوتار
وفلّ لذّات لهوى جيش عارفتى وقلّم العزم منى نقر أوتارى
حتّى رحضت بتحريضى العدوّ على قتل العدوّ ثياب الذّلّ والعار
كذاك من تنهض السّادات همّته لا يغمض العين مغلوبا على ثار
وربّ خطب دجا ذلّ الجبان له وقد فراه بأنياب وأظفار
لم يحتنك ليله حتّى صدعت له صبحا من الرّأى لا يعشى به السّارى
[ ٢ / ٥١ ]
فقل لمن يلهب الإهمال غرّته استغن عن صدق إيقاع بإنذار
ولا تمرّنّ حبلا للخلاف فقد رأيت نقضى وإحكامى لإمرارى
لا تبسطّن رماحا لازجاج لها إلى سيوف مطيحات بأعمار
فإنّها حين تدنيها لملحمة تبرى بكلّ رقيق الحدّ بتّار
وعش بنيّة صدق تستدرّ بها رسل الحياة بعرف لا بإنكار
أو فاسحبنّ ذيول الذّلّ مقتسرا وانظر بطرف خفى الّلحظ غدّار
لا يخرم المرء فى ورد يحاوله حتّى يوجّه فيه وجه إصدار
ثم قال لى كيف تراه؟ فحلفت أنه ما قال فى جودته خليفة قط ولكن فيه شىء يغيره، قال وما هو قلت قولك:
حتى رحضت بتحريضى العدو على قتل العدو
اجعله بتحريضى الولى على قتل العدو، فقال صدقت والله خرج الكلام على ما فى نفسى فغيره فقال إنما عنيت ذهاب الساجية والحجرية بابن رائق، قلت أخاف أن يتأول أنه لبجكم وابن رائق لأنك عملته بعقب أمرهما قال صدقت وكنت عملت أبياتا على قافية الشين:
غشيتنى من الهموم غواش لعذول يلوم فيك وواش
لو يلاقوا الّذى لقيت من الوجد لشوق بين الجوانح ناش
ثمّ بالسّرّ عندهم دمع عينى إنّ سرّ المحبّ بالدّمع فاشى
[ ٢ / ٥٢ ]
من عذيرى لظالم أنا منه فى زمان الوصال للهجر خاشى
أخذ القدّ من قضيب رطيب وحكى أعين الظّباء العطاش
فأنشدتها الراضى فى إمارته، فعمل فى قافيتها ومعناها:
نحول الجسم من واش ودمعى للهوى فاشى
لأنّىّ فى زمان ال وصل من هجرك لى خاشى
لإصغارك للشّكوى وإصغائك للواشى
فأوحشت بإدناء وآنست بإيحاش
عرانى سقم ناش بهجر منكم ناشى
وعملت أيضا:
حبّ لأحمد قد فشا بين الجوانح والحشا
يهتزّ فى حركاته مثل القضيب إذا مشا
خدّاه من برد الدّجا والمقلتان من الرّشا
لمّا ظفرت بوصله وملكت منه ما أشا
أحلى البرّية أو على عين الّذى يهوى غشا
وتناومت عين الرّقيب لحثّ أقداح الوشا
[ ٢ / ٥٣ ]
وفشا الحديث بحبّنا والحبّ يحسن إن فشا
عبث الوشاة بوصلنا حسدا فقبّح من وشا
فعمل هو:
أقرح القلب والحشا مفتن لحظه رشا
ملك الجسم حبّه فبراه كما يشا
لا يجازى على الوصا ل ولا يقبل الرّشا
شئت أن يرحم الم حبّ وهيهات ما أشا
يا هلالا إذا بدا وقضيبا إذا مشى
افش وصلا فإنّ هجرك لا كان قد فشا
وكان الراضى بالله وصلنا وهو فى الزبيدية، وأقام بها أياما وعملت له فيه قرية كما يعمل للملوك، أنفق عليها مال، ثم فرقها علينا ووهب لنا ثيابا. فلما عبر بلغه أن الناس تكلموا فى إعطائه لنا وإسرافه فى أمرنا فقال:
لا تعذلى كرمى على الإسراف ربح المحامد متجر الأشراف
أجرى كآبائى الخلائف سابقا وأشيد ما قد أسّست أسلافى
إنّى من القوم الّذين أكفّهم معتادة الإخلاف والإتلاف
ولما ملك بجكم واسط فى آخر خروجه إليها وفعل بابن رايق ما
[ ٢ / ٥٤ ]
فعل وقتل، أنشدنى الراضى:
يا عمدة السّلطان وليث هذا الزّمان
ومشترى الحمد منّى بأوفر الأثمان
فككت أسرى من كفّ طارق الحدثان
فصرت أسبق جريا وقد ملكت عانى
فأنت حرب عدوّى وسلم من والانى
والسّيف مثل لسانى إذا تعايا لسانى
تسرّنى كلّ وقت فى غيبة وعيان
فشكرك الدّهر لا شكر غيرك شانى
ومن كرم الراضى وشريف أخلاقه أن ابن حمدون كان يبارى على بن هارون المنجم فى الشرب بين يديه، وإذا شرب أحدهما خماسية قبل صاحبه رفعها ليراها الراضى ففعل ذلك مرارا كثيرة، إلى أن ضجر الراضى فقال كأنها قوارير بول ترفع بين يدى طبيب وهو مع ذلك لحلمه وكرمه يضحك لما يفعلانه ويثيب عليه إلى أن فعلا ذلك يوما فقال لهما وقد تلاحيا: لا عليكما الأمر عندى سواء فى فعل جميعكم من زاد فى شربه فإنما فعل ذلك سرورا بنا ونشاطا لمجلسنا وإنما بقى على نفسه لخدمتنا وأحب به مطاولتنا فقبلنا الأرض بين يديه وحلفنا
[ ٢ / ٥٥ ]
أنه ما جلس مجلسا أكرم عشرة منه لعبيده، وأقبلنا عليهما فقلنا: أبقى لكما الآن شىء بعد هذا فقصرا عن كثير فعلهما ذلك مما تركاه فى وقت:
ومن كرمه أنه كان كلما أراد الشرب وضعت بين أيدينا صوان فيها خماسيات مطبوخ ومغاسل وكيزان ماء ليشرب كل واحد منا ما يريد، ولم يكن يفعل ذلك الخلفاء إلا خصوصا بالواحد بعد الواحد، وبالجماعة فى وقت من الدهر. وإن كان الخدم الشرابية يجيئون بالأقداح فيناولونها الجلساء فيشربونها ويردونها عليهم، وربما أرادوا من الخدم ماء لأقداحهم فيما كسونهم فيه، وكان يأمر بأن يوضع بين أيدينا الفواكه الرطبة واليابسة فننال منها كما ننال فى بيوتنا، وما كانت الخلفاء تفعل بجلسائها ذلك إلا فى الحين إن فعلوه.
وكان كثيرا يقول لكرمه ووفائه ومحبته أن يؤكل طعامه: أمر النبيذ اليكم اشربوا ما شئتم وأمر الأكل إلى لا بد من مطالبتكم به حتى تاكلوا معى، ويمدح من يزيد أكله بين يديه وينفعه ذلك عنده.
ولقد تعشينا ليلة بين يديه فجاءونا بخبز سميذ كبار ما راينا أحسن مما خبز فعزل العروضى رغيفا وقال نوبتى فى غد فى بيتى، وقد استحسنت هذا الرغيف وأريد أكله فى غد فاستبنت أنه قد سر لما فعل العروضى.
وجاءت جامات فيها بوارد فعزلت جاما وقلت: ما ذقت والله أطيب من هذه الباردة وأنا كالشعبان وأريد أن آكلها فى غد مع العروضى فإنا شريكان وفرغنا من الأكل وجلسنا ورفع الرغيف والجام، ثم وضع بين العروضى الرغيف بعينه وفوقه دراهم قد ملأته ووضع بين يديه
[ ٢ / ٥٦ ]
جام فيه دراهم مثل ما فى الرغيف فضج الجلساء لذلك وسألوا أن يفعل بهم مثل ذلك فقال إلا أن هذين استطابا طعامنا فأزلا منه لغد ما يقصر عن كفايتهما فأحببنا أن نتمم أمرهما بما فعلناه ولم يكن لكم سبب فى مثل هذا فنفعل بكم كما فعلناه بهما. فانصرفنا ولم يأخذ أحد شيئا غيرنا وأعطينا الرغيف والجام كما رفعا، فكان فى الجام ألفا درهم وكذلك على الرغيف.
ولما ورد قتل ياقوت على الحجرية اضطربوا اضطرابا شديدا واجتمعوا إلى الراضى بالله وقالوا قبضت على ابنه أبى بكر لغير ذنب فحبسته، ثم قبضت على أخيه أبى الفتح ثم كتبت إلى ابن البريدى فى قتله، فجلس لهم وأحضر القاضى، وأحضر معه من العدول أبا الحسن الهاشمى بن أم شيبان، وابن عمه عبد الوهاب، وجلس الراضى لهم ليلا. فدخلوا إليه وهو على كرسى، فلغطوا وكان الصغار اشد كلاما وأبسط ألسنا من كبارهم وقوادهم. فتركهم حتى تكلموا بكل ما أرادوه وأخرجوا ما فى أنفسهم، ثم أقبل عليهم رابط الجأش ذرب اللسان فكلمهم أحسن كلام، وقال: إن كان هذا الأمر قد صح عندكم. فعرفونى من أى وجه صح لأعرفها كمعرفتكم؟ وإن كان ظنا فالظن يخطىء ويصيب، وإنما ظننتم هذا بمجىء أخ البريدى أبى الحسن إلى الدار هذه الأيام، وإنما كان يجىء بكتب أخيه يشكو معاملة ياقوت، ثم أخرج فصولا من كتب، فدفعها إلى القاضى فقرأها عليهم. وفيها جوابات من ياقوت إلى ابن البريدى، وقد أنفذها ابن البريدى إليه ثم قال له
[ ٢ / ٥٧ ]
ما قبلت فى ابن البريدى إلا رأى محمد بن ياقوت، والآن فقد وقفتم على الخبر، وأنا أعزلهم وأنفذ الجيوش إليهم، وأخرج معكم إن أردتم ثم كلمهم القاضى وفرقهم.
وكنت وهو أمير بعد اعتللت فى يوم نوبتى عنده، فكتبت رقعة أعتذر فيها بالعلة لتخلفى عن خدمته فوقع إلى:
وصلت رقعة فأوصلت الوحشة لمّا أتت بشكوى الأنيس
بدّل القرب بالبعاد فبدّلت بيوم السّرور يوم عبوس
فكتبت الجواب:
وصلت رقعة الأمير الرّئيس غرّة الدّهر والخطير النّفيس
فأزالت ما كنت أشكو وأهدت لى نعيما وأذهبت كلّ بوس
وأتى الشّعر مبرئا وشفاء وأنيسا يفوق كلّ أنيس
حسن اللّفظ مطربا كلّ من يسمع إطراب زابدات الكؤوس
قد جلاه الطّبع المغاث بحذق لعقول الورى جلاء العروس
أضحك الله بالأمير زمانى ولقد كان قبله ذا عبوس
صرت مذ قدّر الاله جلوسى معه سيّدا لكلّ جليس
ضاق شكر العبيد عن برّ مولى مثل ضيق الغفران عن إبليس
[ ٢ / ٥٨ ]
وكنا يوما نشرب بين يديه، فرأيت من ذكائه وسرعة خاطره ما جعلت أعجب منه، وذلك أنه سأل عن شعر فقال أحمد بن يحيى هو لدعبل فقلت أنا هو لمحمد بن الحجاج البغداذى فلاحانى. فقلت له:
إن أقرب من أنشدناه لمحمد أبوك عن أبى هفان، وكان ذكره فى كتبه فأمسك وضحك الراضى، وقال فأنشدنيه، فأنشدته وهو مقبل على يسمع:
زمنى بما طاب سقيت زمانا ما كنت إلّا روضة وجنانا
أصلحتنى بالجود بل أفسدتنى وتركتنى أتسخّط الإحسانا
من جاد قبلك كان جودك فوقه لم أرض قبلك كائنا من كانا
وليس الشعر هكذا، إنما قال:
من جاء بعدك كان جودك فوقه لم أرض بعدك كائنا من كانا
فلم أستحسن أن أنشده بعدك فى أول البيت وبعدك فى آخره فأنشدته كما ذكرت، فقال: محمد بن يحيى الصولى يحيل الشعر إذا أنشده، ما كذا قيل، فقال له فكيف الشعر فأنشده:
من جاد بعدك كان جودك فوقه لم أرض بعدك كائنا من كانا
ففطن أنى قلبت اللفظ عمدا لما فيه، وأن هذا مما لم يفطن له أحمد فقال له: تلك رواية الصولى، وهذه روايتك أنت فقال كذا والله يا سيدى قال الشاعر. وكذا أنشدنى أبى. فقال له: قد علمت كما أنشدك أبوك ايضا لنفسه! إن كنتم قريش فمه! فسكت وانقطع الكلام.
[ ٢ / ٥٩ ]
وكان إذا ذكر أبيات يحيى بن على هذه يشتد غيظه ويقول أقوالا يسمعها سائر الجلساء، لا أحب ذكرها، ويسرنى منه بأن يقول قد شفى القلوب ابن المعتز بجوابه وأنشدنى يوما العروضى جوابا ليحيى فى غير شعر عمله أحسن والله فى بعضه. ولكنى لا أذكره للطعن الذى فيه.
واعتللت وهو أمير فتأخرت عن خدمته، والنوبة التى كانت على فكتب إلى رقعة فيها:
يا عليلا جعل السّا عة إذ غاب شهورا
ولقد كان به الدّهر إذ جاء قصيرا
لعلوم لا أرى الدّهر له فيها نظيرا
صرف الله الأذى عنك ولقّاك سرورا
فكتبت الجواب:
يا أميرا ما رأينا مثله فضلا أميرا
يا أبا العبّاس يا شمسا ويا بدرا منيرا
يا كبير العقل وال آداب مذ كان صغيرا
والّذى نكذب إن قسنابه يوما نظيرا
قد أتى عبدك شعر منك خلّاه حسيرا
[ ٢ / ٦٠ ]
بعد سبق من خطار الشّعر من كان خطيرا
حسن اللّفظ يحاكى رصفه الدّرّ النّثيرا
ملأ الجسم شفاء وحشا القلب سرورا
كان من عارض شك واى ومن دهرى مجيرا
ليس ما يذخره عن دى من الشّكر يسيرا
سوف أهدى منه روضا جاورت منك غديرا
كم عسير عادلى من حسن نعماك يسيرا
قد يرى العبد وإن قلّ بمولاه كثيرا