بين أيدينا تحفة أدبية تاريخية نقدية لها أثرها البالغ، وقيمتها الفريدة، قطعة من تاريخنا وشخصيتنا وحضارتنا جديرة بالتوقير، والفخر، والتقدير، تلك هى كتاب (الأوراق) للصولى.
هذا نحن ، وهذا تراثنا
[ م 1 / ٢٠ ]
وقد قام بتحقيقه المستشرق الجليل ج. هيورث. دن، تلميذ المستشرق الكبير هـ. أ. جب، وقد صدرت الأجزاء الثلاثة المتاحة منه على مدى سنوات ١٩٣٤، ١٩٣٥، ١٩٣٦.
ويشير المحقق إلى أن المظنون أن هذا الكتاب يقع فى خمسة أجزاء أو ستة، وأن الموجود منه أربع مجلدات متفرقة فى عدة مكاتب (١٤) ثم يعلن عن عزمه على طبع القسم الخاص بأخبار المكتفى بالله والمقتدر بالله. (١٥)
فالكتاب لم يتم بعد بالنسبة لنا، والنديم- المعروف خطأ باسم ابن النديم- فى الفهرست يقول: إن الصولى لم يتمه (١٥)، أى أنّ نقصين قد اجتمعا على الكتاب: نقص من الصولى، ونقص من إهمالنا لتراثنا.
أ- وعنوان الكتاب الأوراق يحدثنا عنه النديم بعد تقديمه للصولى قائلا: الصولى: محمد بن يحيى بن العباس الصولى، من الأدباء الظرفاء، والجمّاعين للكتب، نادم الراضى، وكان أولا يعلّمه، ونادم المكتفى ثم المقتدر دفعة واحدة، وأمره أظهر وأشهر، وعهده أقرب من أن نستقصيه، وكان من ألعب أهل زمانه بالشطرنج. (١٦)
حسن المروءة، مات سنة ثلاثين وثلاثمئة. (١٧)، وتوفى مستترا بالبصرة لأنه؛ روى خبرا فى علىّ ﵇، فطلبته الخاصة والعامة لقتله، وله من الكتب: (الأوراق فى أخبار الخلفاء والشعراء) ولم يتمه، والذى خرج منه، أخبار الخلفاء بأسرهم وأشعار أولاد الخلفاء وأيامهم، من السفاح (١٨) إلى أيام ابن المعتز وأشعار من بقى من بنى العباس ممن ليس بخليفة، ولا ابن خليفة لصلبه، وأول ذلك شعر عبد الله بن على، وآخره شعر أبى أحمد
[ م 1 / ٢١ ]
محمد بن إبراهيم بن عيسى المنصور، ويتلو ذلك أشعار الطالبييّن، ولد الحسن والحسين، وولد العباس بن على، وولد عمر بن على، وولد جعفر بن أبى طالب، ثم تلا ذلك أشعار ولد الحارث بن عبد المطلب، وبعده أخبار ابن هرمة ومختار شعره، أخبار السيد الحميرى ومختار شعره، أخبار أحمد بن يوسف ومختار شعره، أخبار سديف ومختار شعره، وهذا الكتاب عوّل عند تأليفه على كتاب المرثدى فى الشعر والشعراء. (١٩)، بل نقله نقلا وانتحله انتحالا، وقد رأيت دستور الرجل (٢٠) فى خزانة الصولى، فافتضح به بعد ذلك (٢١)
ولو وصل إلينا كتاب المرثدى المسمى ب أشعار قريش لاستطعنا أن نحدد مدى إفادة الصولى منه وساعتئذ سأوافق النديم على ما ذهب إليه، مع ملاحظة ذكرها عنه ياقوت الحموى وابن حجر العسقلانى وهى أنه: كان شيعيا معتزليا، يسمّى أهل السنة (الحشويّة) ويسمّى الأشاعرة (المجبرة) ويسمى كل من لم يكن شيعيا (عاميا) (٢٢)، فالصولى بالنسبة للنديم ضمن الفئة الثالثة: عامّى.
أقول سأوافقه على أن الصولى قد نقل كتاب أشعار قريش للمرثدى، فهل نقل عنه أشعار أولاد الخلفاء؟ وأشعار الراضى والمتقى وأخبارهما؟
وهب أنه فعل، فأين ذوق الصولى فى اختيار الأشعار؟، وثقافته فى المفاضلة؟
وخبرته فى النقد؟ يبدو أن النديم لم يكن على وفاق مع الصولى، ودليلى فى الفهرست. (٢٣)
وقد قرأت كتاب الفهرست كله باحثا عن سابق للصولى أو لا حق، قد
[ م 1 / ٢٢ ]
ألّف كتابا سمّاه الأوراق فلم أجد سوى أبى عبد الله محمد بن داود بن الجراح (٢٩٦ هـ)، قد ألّف كتابا سماه الورقة (٢٤) ويقول د. عبد الوهاب عزام محقق الكتاب ومعه الأستاذ عبد الستار فراج (٢٥): قيل إن ابن الجراح سمّى كتابه الورقة لأنه؛ التزم فيه أن يترجم لكل شاعر ورقة واحدة، وليس معنى هذا أن التراجم سواء فى طولها، فالكتاب يشهد بغير هذا، بعض التراجم فى النسخة بين أيدينا أربع صفحات وبعضها ثلاث، وبعضها صفحة، وبعضها أقل، وأكثر التراجم نحو صفحتين ، لعله أراد أنه: كتاب مختصر، معظم تراجمه لا تزيد على ورقة، وإن كان بعضها أكثر وبعضها أقل، ويؤيد هذا أنه بعث بالكتاب رسالة إلى ابن المنجم. (٢٦)
ولماذا لا يكون ابن الجراح قد رسم أن تكون كل ترجمة فى ورقة لا تتجاوزها وحين استمر فى الكتاب أجبرته المادة التى جمعها أن يتجاوز الورقة؟ الأمر الذى تجنبه الصولى وسمى كتابه الأوراق، الأوراق فى الترجمة الواحدة، الأوراق فى التراجم جميعا؟ احتمال.
ب- وتأتى قيمة كتاب الأوراق فى:
١- أن الصولى شاهد عيان على أحداث وقعت فى القصر، ومواقف حدثت بينه وبين الخليفة الراضى والمتقى والمكتفى والمقتدر، بل بينه وبين أشهر شعراء العصر كالبحترى وابن المعتز.. إلخ، مما يرقى بالكتاب إلى أن يكون وثيقة معتمدة لا ينال الشك منها بسهولة.
٢- أن الصولى يلزم نفسه بأن يقول ما لا يعرف، وأن يدّون فى كتابه من الأخبار غير المتداول عن الخليفة والخلافة، أو عن الشعر
[ م 1 / ٢٣ ]
والشعراء، أو عن اللهو والمجالس، أو عن القرارات الحاسمة التى تصدر من قصر الخلافة تمس الدولة وحياة الناس، مما زاد من قيمة الكتاب وجعله مصدرا أساسيا فى موضوعه.
٣- أن الصولى يلتزم الصدق فى الرواية، فليس الصولى الذى يكذب وهو من هو؛ ذو المكانة والأهمية، والاعتداد بالنفس والعلم والأصل لدرجة الغرور، وكسب الأعداء والحساد.
٤- أن الصولى يمثل نبض العصر العباسى بتقلباته السريعة، واستقراره المؤقت، وتعايش المتناقضات فيه، فى حياة الدولة وحياة الفرد.
٥- أن أسلوب الصولى يعتمد على القص والحوار، وتصوير الأبطال، وكشف خفايا النفوس، وتعرية المسئولين من خلفاء إلى أمراء إلى وزراء إلى قوّاد إلى سائر رجال البطانة والقصر، ومعهم النساء والعبيد والجوارى، فالكتاب تصوير عن قرب لما يحدث وراء الكواليس، ورصد للقيم والمبادئ، عاليها وسافلها.
٦- أن منهج الكتاب امتداد للاتجاه الذى بدأه ابن المعتز فى الاحتفاء بصناع الحياة، فى الرئاسة والعلم والفن، فطالما نظر المؤلفون إلى الخلف من امرئ القيس إلى ابن هرمة، وتحدثوا كثيرا عن عمالقة الماضى، فأين الذين يشكلونها الآن، إنه اتجاه مقابل للاتجاه المحافظ:
اتجاه اللغويين والنقاد الذين يتعصبون للقديم، ويزورّون عن الجديد لأسباب أقنعوا بها أنفسهم.
[ م 1 / ٢٤ ]
٧- لو فرّغنا كتاب الأغانى من نصوص الصولى، وكذا كتاب الموشح والمعجم للمرزبانى لما بقى لهم فى كتبهم الكثير. وليس هما فقط فغير الأصفهانى والمرزبانى توجد قائمة من ياقوت الحموى والشريفين: (الرضىّ والمرتضى)، والقالى وابن عبد ربه وابن رشيق..
إلخ.
ج- أجزاء كتاب الأوراق:
أريد أن استعرض مع القارئ الكريم أجزاء كتاب الأوراق، ولكن ليس إلا بعد أن أناقش مسألة شكلية. فالكتاب فى طبعته البيروتية قد وضع العنوان فيه هكذا: أخبار الشعراء المحدثين من كتاب الأوراق لأبى بكر محمد بن يحيى الصولى المتوفى سنة ٣٣٥ هـ وتحت هذا العنوان وصف المجلد الأول، أمّا المجلد الثانى فكان: أخبار الراضى بالله والمتقى لله، أو تاريخ الدولة العباسية من سنة ٣٢٢ هـ إلى سنة ٣٣٢ هـ من كتاب الأوراق لأبى بكر محمد بن يحيى الصولى المتوفى سنة ٣٣٥ هـ، والمجلد الثالث كان: أشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم من كتاب الأوراق لأبى بكر محمد بن يحيى الصولى المتوفى سنة ٣٣٥ هـ، وأقول:
١- إن الذى بين أيدينا أجزاء وليست مجلدات مستقلة.
٢- إن عنوان الكتاب- طبقا لرواية النديم- الأوراق يقول: الأوراق فى أخبار الخلفاء والشعراء، ولم يتمه، والذى خرج منه.. فتكون كلمة الأوراق أولا، ثم يكتب تحتها أخبار كذا..، وأشعار كذا..
الجزء الأول، أو القسم الأول، وهكذا.
[ م 1 / ٢٥ ]
٣- إن المنطقى أن يخرج الصولى للناس- وهذا ما قاله النديم- أخبار الخلفاء، وهى الأخبار التى يجيدها الصولى، والتى فيها طرافة، وإليها تشوّق، ولها إغراء، لما فيها من غرائب كانت خافية عن الجمهور، أما أن يقدّم أول ما يقدّم الجزء الخاص بأخبار الشعراء المحدثين، وقد احتلوا مكانتهم فى قلوب الجمهور وعلى رفوف المكتبات، منذ ابن المعتز (٢٩٦ هـ) إلى وقت الصولى، فأمر غير منطقى.
٤- الجزء الذى وعد المحقق أن يعده للطبع، وهو القسم الخاص بأخبار المكتفى بالله (٢٨٩- ٢٩٥ هـ)، والمقتدر بالله (٢٩٥- ٣٢٠ هـ)، كان يجب أن يقدّم فى التحقيق على الجزءالذى قدّمه فى أخبار الراضى والمتقى، ليكون الترتيب هكذا:
كتاب الأوراق أخبار المكتفى بالله والمقتدر بالله لأبى بكر الصولى (٣٣٦ هـ) الجزء الأول كتاب الأوراق أخبار الراضى بالله والمتقى لله.
لأبى بكر الصولى (٣٣٦ هـ) الجزء الثانى
[ م 1 / ٢٦ ]
كتاب الأوراق أشعار أولاد الخلفاء لأبى بكر الصولى (٣٣٦ هـ) الجزء الثالث كتاب الأوراق أخبار الشعراء المحدثين لأبى بكر الصولى (٣٣٦ هـ) الجزء الرابع هذا، وسوف أتناول الأجزاء الثلاثة المتبقية من الكتاب وفقا للترتيب الذى ذكرته، وهو- كما نرى- الترتيب الفعلى للكتاب، بصرف النظر عن ترتيب صدورها فى الطبعة التى يعاد تصويرها فى سلسلة (الذخائر) أولا: أخبار الراضى بالله والمتقى لله يقع هذا الجزء فى خمس وثمانين ومئتى صفحة، وبه مقدمة للمحقق، بها وصف للمخطوطة، وكلمة شكر وثناء، ومكان وتاريخ كتابتها لندن فى العاشر من يونيو من عام ١٩٣٥ م ثم صورة ورقة من نسخة المخطوطة المحفوظة بمكتبة شهيد على بالآستانة.
وبدأ الكتاب هكذا بسم الله الرحمن الرحيم تحتها: أخبار الراضى بالله وبعدها مباشرة يقول الصولى: قال أبوبكر محمد بن يحيى، قد فرغنا
[ م 1 / ٢٧ ]
والحمد لله من ذكر أخبار القاهر والأحداث فى أيامه، ونحن نذكر الآن بيعة الراضى بالله، وما كان من أمره والأحداث فى أيامه إن شاء الله (٢٧)، والنديم يقول: كتاب (الأوراق فى أخبار الخلفاء والشعراء)، ولم يتمه، والذى خرج منه: أخبار الخلفاء بأسرهم،.. مما يدل على أن الكتاب ضخم، ويقع فى أجزاء عديدة، حتى ولو لم يتمه الصولى.
وهو ليس كتابا فى التأريخ بالمعنى الدقيق للتأريخ، ولكنه تسجيل لأحداث عاصرها الصولى، لها أهميتها، تسجيل انطباعى ليس وراءه فلسفة تهتم برصد الأسس العامة التى بنيت عليها الدولة الإسلامية، والثوابت التى تأصلت فى حياة الأمة من عهد الرسول ﷺ إلى عهد الدولة الأموية فالعباسية، والمتغيرات السياسية والاجتماعية والفكرية والعلاقات الدولية، والتيارات المتشابكة والتطورات المتلاحقة فى الداخل والخارج.. إلخ، مما تلتقطه- فى العادة- عين المؤرخ المدرّب، كتاب الأوراق بأجزائه التى وصلت إلينا، أخبار بالمعنى الدقيق للكلمة، رصد لأحداث حدثت بالفعل، قام به رجل أديب كاتب بارع يمارس الشعر وليس بشاعر له علامة فارقة، لا هو ولا الخليفة الراضى الذى حرص على نقل قطعة كبيرة من شعره على حروف الهجاء من الألف إلى الياء، بالإضافة إلى غيره من الخلفاء ولا استثنى منهم سوى ابن المعتز. نظم الشعر شيء، ولو كان جيدا، وإبداع الشعر الذى له صوته الخاص، وروحه الخاصة، وتفرده وغرابته وتوحشه أيضا شيء آخر، ولهذا فرّق النقاد بين مطلق الشعراء وفحول الشعراء.
[ م 1 / ٢٨ ]
الإضافة التى تجعلنا نتمسك بكتاب الأوراق وندع كتابا آخر فى تاريخ ما ذكره الصولى، أننا نقرأ كتابا بقلم أديب يسجل الترعات الإنسانية الدفينة لأناس كتب على أحدهم أن يكون خليفة، أو أميرا، أو وزيرا أو نديما..، فطفحت منهم الأنا الحقيقية بما فيها من سوء وشذوذ، وحب وكره، وحقد وسماحة، وتكالب وزهد، إنهم أبطال مسرح الحياة، بعد أن انتهى دورهم من فوق خشبة المسرح السياسى، إنهم بشر.
ستقرأ لأديب يجعلك تلمس ما يدور فى ردهات القصر كأنك جالس فى القصر، وتقرأ ما يدور فى الشارع وفى البيوت وفى نفوس الناس كأنك مواطن عباسى بغدادى يعيش القرن الرابع الهجرى.
ثانيا: أشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم يقع هذا الجزء فى ثلاث وثلاثين وثلاثمئة صفحة، نظرا لكثرة من سيتحدث عنهم الصولى، ويقول فى مقدمته: قال أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس الصولى: قد فرغت من أشعار الخلفاء وأخبارهم [مما يؤكد كلامى فى ترتيب الكتاب] وهذه أشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم ثم نتبعهم بأشعار سائر بنى العباس، ثم نتبع ذلك بأشعار ولد أبى طالب، ثم أشعار من بقى من بنى هاشم، إن شاء الله وفى الهامش تعليق من المحقق يقول فيه: ما وجدنا فى النسخة الخطية إلّا أشعار أولاد الخلفاء، وقليلا من أشعار بنى العباس (٢٨) .
لقد تآزر على كتاب الصولى مشاغله وتقلبه بين حالتى الغنى الفاحش، والفقر المدقع، وضيق وقته، وتغير مزاجه، بالإضافة إلى إهمالنا فى حق تراثنا.
[ م 1 / ٢٩ ]
وإذا كنت قلت فى الجزء الأول من أخبار الخلفاء إنها ليست تاريخا بل هى أخبار، فإننى أقصد إلى أنها الأخبار التى صنعت التاريخ، والأحداث التى شكلت الدولة العباسية، وهى لحمة التاريخ وأساسه، وأصل بضاعته، ثم تأتى الرؤية والمنهج ومتطلبات الدراسة التاريخية. وليس الهدف من كتاب أشعار أولاد الخلفاء سرد أبيات شعر لمن لا يتوقع منه أنه يقول الشعر، لكن الهدف:
١: تسجيل شعر لمبدعين لا يتوقّع منهم أن تكون لهم علاقة بالفن فما أولاد الخلفاء والفن؟! يقول لنا الصولى: إنهم بشر وعرب، بشر لهم وجدان، وعرب لهم حسّ فنى، جدهم الأكبر امرؤ القيس.
٢: يريد الصولى أن يرينا: كيف كان يوظّف الشعر فى المناسبات الحساسة، والمواقف المصيرية، وكيف كان ينقل الأفكار والآراء ويحسم المشكلات.
٣: يرينا كذلك الأحداث الخفية، التى يعجز المؤرخون عن الوصول إليها، وإن عرفوها لا يقدروا خطورتها وأثرها فى تحريك مصائر الأمور.
٤: يرينا مدى رفاهية ذوق أولاد الخلفاء، فى اختيار الكلمة والجملة والعبارة، والصورة والمجاز والكناية، وأحيل القارىء الكريم إلى أشعار عليّة بنت المهدى وأخت الرشيد وأخبارها.
[ م 1 / ٣٠ ]
٥: إن الصولى يسلط الأضواء على هذه الطبقة التى يصعب الوصول إليها من عامة الشعب وخاصتهم، ليقول لنا: إن هؤلاء الخلفاء وأبناءهم ومن حولهم ليسوا غلاظا شدادا كما يظهرون أمامكم، فمنهم الفنانون، والمرهفو الحسّ، والمفلقون فى الشعر، وهذا ابن المعتز نموذجا واضحا على هذا.
وبمناسبة ذكر ابن المعتز الشاعر الناقد وموقف الصولى من شعره، فقد امتدت رفقة الصولى له تسعا وثمانين ومئة صفحة، من ص ١٠٧ إلى ص ٢٩٦، مما يكاد يكون كتابا مستقلا. ونقل من شعره ما يكاد يغطى ديوانه كله، ويقول أستاذنا الدكتور/ شوقى ضيف فى حديثه عن ديوان ابن المعتز وتوجد منه مخطوطة برواية الصولى بدار الكتب المصرية (٢٩)، فهل هذا الجزء منها، أو هو هى؟! لست أدرى.
فى هذا الجزء يحدثنا الصولى عن أبى عبد الله محمد بن أبى العباس السفّاح، وأبى إسحاق إبراهيم بن المهدى، وعن أبى القاسم هبة الله بن إبراهيم المهدى، ثم عن عليّة بنت المهدى وأخبارها حديثا ليس بالقصير، ثم عن عبد الله بن موسى الهادى، وأبى عيسى بن الرشيد وغيرهم، إلى أن يتوقف عند ابن المعتز وقفة تطول، ثم يفتح فصلا جديدا فى أمر من بقى من بنى العباس ممن ليس بخليفة ولا ابن خليفة، وبهم ينهى الكتاب.
أعلام ما كنا نسمع بالكثير منهم أو عنهم، رجال ونساء، شعراء وشواعر، ما دارت أسماؤهم على ألسنتنا، نعم للشهرة نصيب، فليس من الضرورى أن تكون عبقريا لتصير مشهورا، لكن من الضرورى أن تتهيأ
[ م 1 / ٣١ ]
لك من الظروف والعوامل التى لا دخل لها بالعبقرية ليجرى اسمك على كل لسان، ويوضع فى الظل أقوام أقل ما يقال فيهم: إنهم عباقرة لكنهم غير محظوظين. وهذا ما حدث لحشد كبير من شعراء الدولة العباسية، فوجدوا أمثال الصولى ينتزعهم من الظل ويسلط عليهم الأضواء.
ثالثا: أخبار الشعراء المحدثين:
ويقع فى خمس وخمسين ومئتى صفحة، وللشعراء المحدثين نصيب من اهتمام الصولى هم: أبان بن عبد الحميد اللاحقى وحمدان بن أبان اللاحقى، وعبد الله بن عبد الحميد اللاحقى، وإسماعيل بن بشر بن المفضل اللاحقى، واستغرق هذا منه ثلاثا وسبعين صفحة، ثم انتقل إلى أخبار أشجع السّلمى، وأعاد ما فعله من استرسال مع شعر الخليفة الراضى، والخليفة بن المعتز، فاستمر مع أشجع ثلاثة وخمسين صفحة محاولا استقصاء أخباره ومختار أشعاره، ثم انتقل إلى أخى أشجع السّلمى: أحمد بن عمرو معطيا إياه ستّ صفحات ليتسلم الوزير الكاتب أحمد بن يوسف وزير المأمون، مستمرا معه ومع أبنائه وابن أخته أحمد بن سلمة الكاتب إلى نهاية الكتاب.
والمنهج الذى اتّبعه الصولى فى كتابه: الأوراق هو منهج الدوائر أو الطبقات الاجتماعية أو الفنية.
فثمة دائرة الخلفاء، ثم دائرة أولاد الخلفاء، ثم دائرة الشعراء الكتاب الوزراء، ثم الشعراء الكتاب.. إلخ، وفى داخل الدائرة يلزم نفسه بالتجانس، فالخلفاء قبيلة، وأبنائهم قبيلة، والأسرة الشاعرة قبيلة، وكل قبيلة لها
[ م 1 / ٣٢ ]
مترلتها، وقيمتها الفنية، كأن الإبداع يورّث!، أو له نصيب من الإطار الاجتماعى والاقتصادى، والفكرى الذى يولد فيه الفنان، وهذه النظرة الطبقية نابعة من طبيعة عمل الصولى فى القصور، وليس هذا هو السبب الوحيد لتأليف كتاب الأوراق، لكنه المنهج الذى ألزم به نفسه، حتى إنه ليضيق به ذرعا، ثم يقبله خضوعا للخطة التى وضعها، فأبو عبد الله محمد ابن أبى العباس له شعر قليل، وما كانت له أن تفرد له ترجمة (٣٠)، وكذا أبو القاسم هبة الله بن إبراهيم بن المهدى، يقول فيه: وهذا وإن لم يكن ابن خليفة يعدّ فى الخلفاء، فإنّا جئنا به بعقب ذكر أبيه، كما شرطنا فى الرسالة التى فى صدر هذا الكتاب، أنّا إذا ذكرنا شاعرا فكان فى أهله شعراء، ذكرناهم جميعا بعقب ذكره، ليكون أمرهم أقرب إلى ملتمسه، فأجرينا هذا على ذلك (٣١) وعلى هذا الشرط وضع عبد الله بن موسى الهادى (٣٢)، وأبا عيسى بن هارون الرشيد (٣٣)، وعبد الله بن محمد الأمين (٣٤)، وفى جزء الشعراء المحدثين، ومع أحمد بن أبى سلمة الكاتب يقول: جئت بأحمد هذا فى جملتهم؛ لأنه ابن اختهم، ولأن أحمد أول اسمه ألف، وهو شاعر مليح الألفاظ، دقيق الفطنة، مقلّ. (٣٥)
هذا هو الصولى، الذى كان له منهج منضبط فى الرواية، فرواياته لا بد أن تتصل بالأسانيد، وما كان يأخذ رواية عن صحفى، ولا يدس بخرافة فى رواية، ولا يروى إلّا الجديد، أو ما يظنّ أن الأدباء وعامة الشعراء بحاجة إلى معرفته، وكان أمينا فى نقله، صادقا فى حسه حتى على نفسه، له لفتاته
[ م 1 / ٣٣ ]
النقدية، فكان ينتقد بعض الشعر الذى يرويه- حتى لنفسه- ويعتذر عن إيراده لولا حاجة المناسبة إليه.
هذا هو الصولى، الذى طوّف ما طوّف فى ساحة القرنين الثالث والرابع الهجريّين، قرنى العصر العباسى الثانى فى بغداد، وروى الخبر، والشعر، والفكاهة، مدركا بوضوح أنه يكتب للأجيال المقبلة التى ستبحث عن الحقيقة، وتريد أن تعرف ما حدث من أفواه مشاهير، ومن أدعى إلى الثقة من رجل كان نديما لصنّاع القرار، وكان أديبا شاعرا ناقدا، كاتبا فذا، فكتب ضمن ما كتب كتاب الأوراق وها نحن نقلب صفحات الأوراق لترداد لصاحبه إكبارا، وتقديرا، ولتراثنا إعجابا وتوقيرا.
أ. د/ منير سلطان
[ م 1 / ٣٤ ]