قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولى: قد فرغنا ولله الحمد من ذكر أخبار القاهر والأحداث فى أيامه، ونحن نذكر الآن بيعة الراضى بالله، وما كان من أمره، والأحداث فى أيامه إن شاء الله ولما خلع القاهر فى يوم الأربعاء، لست خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة أخرج الحجرية والساجية محمد بن المقتدر بالله ويكنى أبا العباس وأمه أم ولد يقال لها ظلوم فى هذا اليوم على ثلاث ساعات من النهار وكان فى الخلافة هو وأخوه هارون على سبيل توكيل بهما من القاهر فأجلسوه على السرير، وبايعوه بالخلافة مختارين له مجتمعين عليه، من غير أن يواطئهم على ذلك ولا كانت بيعتهم مراسلة فيه إلا ما كان يعلمه من كراهيتهم لأمر القاهر وانهم فى وحيه عليه «١» وتولى التدبير فى ذلك رجل من الساجية، يعرف بسيما المناخلى إلى أن تم، فأجلس محمد بن المقتدر على السرير، وجلس القاهر بالله فى بيت بقربهم وأمر الراضى بالتوكل به والاحتياط عليه، ولم يعش الماخلى بعد هذا إلا أقل من مائة يوم.
وكنت فى هذا اليوم قد أخذت دواء لحاجة إليه، وشىء وجدته،
[ ٢ / ١ ]
وعلم بذلك الأمير أبو العباس قبل ان يتسمى بالراضى بالله، فجاءنى رسوله يأمرنى أن أوجه إليه بالأسماء التى ينعت بها الخلفاء، وتكون أوصافا لهم، وإنى لأعجب من إطباق الناس على تسميتها ألقابا فيقولون لقب بكذا وهذا عندى خطأ، كبير، وزلل عظيم، لأن الألقاب مكروهة ومنهى عنها فى كتاب الله جل وعلا، وعلى لسان رسول الله ﷺ قال الله جل وعز «ولا تنابزوا بالألقاب» «١» فوجهت إليه برقعة فيها ثلاثون اسما، ليختار منها ما يريد، وأشرت عليه فى رقعتى أن يختار منها المرتضى بالله، ولم أشك فى اختياره له، وابتدأت من وقتى فعملت أبياتا ضادية قافيتها المرتضى، على أنى أنشده إياها وهى:
أثبت الرّحمن بالسّعد المضى دولة قائمة لا تنقضى
لأبى العبّاس- عفوا ساقها قدر الله- الإمام المرتضى
دولة يأملها كلّ الورى مالها إن ذكرت من مبغض
كان وجه الملك مسوّدا فقد قابل اللّحظ بوجه أبيض
يا أمين الله يا من جوده إن كبا دهرى بحظّى منهضى
غلب الوجد وفقدان الرّضى وكلّا جسمى بهمّ ممرض «٢»
[ ٢ / ٢ ]
كان حظّى بك نحوى مقبلا فانثنى عنه بوجه معرض
أقرض الدّهر شبابى شيبة لم أكن أطلبها من مقرض
ليس للشّهب إذا ما جارت الدّهم فى سبق الهوى من رائض «١»
أسفت نفسى على قربى الّذى كان من يوم احتفالى مغرضى «٢»
لك عبد مسّه بعدك ما وكّل الجسم بداء محرض «٣»
قضى البعد عليه كارها لا يردّ النّاس أمرا قد قضى
كلّ يوم ينتضى سيف أذى بالتّكاذيب عليكم منتضى
ما يبالى إذ رأى فيك المى غضب الدّهر عليه أم رضى
وهذه الأبيات لم تهنّ بها المدة، ولا راضها الفكر. وإنما قيلت مقتضية فليست بالمختارة، وإن صفرت من العيب. ولولا أن الحاجة دعت إلى ذكرها ما ذكرتها، وسيمر بعون الله من جيد الشعر فى أوقاته ما يعفى عليها إن شاء الله.
فلما فرغت منها جاءنى رسوله برقعة منه يقول فيها:
«قد كنت عرفتنى أن إبراهيم بن المهدى لما بويع أيام الفتنة بالخلافة
[ ٢ / ٣ ]
أراد أن يكون له ولى عهد فأحضروا منصور بن المهدى وسموه المرتضى، وما أحب أن أتسمى باسم قد وقع لغيرى، ولم يتم له أمره، وقد اخترت الراضى بالله» فكنت أشكر الله على ما وفقه له ووهبه فيه فمضى اسمه على ذلك، وما زال الناس يبايعونه بقية يومهم.
ووجه من وقته فاستحضر أبا الحسن على بن عيسى، ومعه اخوه أبو على عبد الرحمن بن عيسى بالنظر فى الأمور، وأراده للوزارة فاحتج بكبر وضعف وأقرها «١» إلى أخيه بذلك، وأن يكون الاسم والخلعة له، ويتولى هو النظر فى أمر الملك وتدبير الناس وجباية الأموال على كره منه لذلك وتغلب، لما رأى من تعذر مال البيعة إلا أنه كتب بالبيعة إلى النواحى ونظر فى المهم الذى يوجبه الوقت. ومعه أخوه معرفا له ما يعمل، ومستأذنا له فيه. إلى أن وافت وقعه أبى على بن مقلة إلى سيما المناخلى، يتضمن له أنه يحتال فى وقته خمسائة ألف دينار يصرفها فى الرجال للبيعة، ويتضمن له إن أتم ذلك خمسائة ألف دينار لنفسه.
وكان المتولى لا يصال الرقعة إلى المناخلى كاتب له حدث، يعرف بعلى بن جعفر وضمن له ألفى دينار معجلة وأضعافها مؤجلة، فصار المناخلى بالرقعة بضمان الخمسمائة ألف دينار «٢» إلى الراضى بالله، فلما وقف عليها أحضر على بن عيسى وأقرأه إياها فقال له: أمير المؤمنين
[ ٢ / ٤ ]
فى هذا الوقت محتاج إلى زكاة هذا المال! وما عندى وجه لبعضه! والصواب إن صح هذا المال أن يمضى أمر هذا الرجل ويستكتبه وانصرف، فجلس فى منزله فكان الراضى بعد ذلك يقول «لم يتحصل لنا من الخمسمائة ألف دينار درهم، وأخذ من أموالنا وأموال الناس مثلها» واختير أبو على محمد بن على للوزارة يوم السبت لتسع خلون من جمادى الأولى، وخلع عليه وركب الناس معه إلى داره، ولقينى أبو سعيد ابن عمرو الكاتب- كاتب للراضى قبل الخلافة- وكان أخص الناس به فقال لى إن أمير المؤمنين قد أمرنى بإعطائك عشرة آلاف درهم لتقسيمه وما عندى دراهم، فلا تلح على ودعنى أدفعها إليك فى مرات قلت فعجل منها ما ترى فأعطانى ثلاثة آلاف «١» درهم ووفانيها بعد شهرين.
وبلغ الراضى بالله أن هارون بن غريب خال المقتدر بالله مقبل إلى بغذاذ فكره ذلك وما كان بصافى النية له، لأن الراضى بالله كان فى حجر مؤنس المظفر، وكان العباس بن المقتدر فى حجر الخال ثم فى حجر ابنه هارون بعده، فكان يتهمه بإيثاره عليه. ولأنه كان أيضا منحرفا عن جدته شغب أيام حياة أبيه، ثم رأيت من ذكره لها فى خلافته وتحننه عليها ما كنت أسمع ضده منه فى أيام إمارته، وكذلك عاد منه كل تشعيث كان قديما نفث به فى أبيه مدحا وتقريظا، ووصف محاسن. وإنى لأذكر يوما فى إمارته وهو يقرأ على شيئا من شعر بشار وبين يديه كتب لغة وكنب أخبار إذ جاء خدم من خدم جدته السيدة فأخذوا
[ ٢ / ٥ ]
جميع ما بين يديه من الكتب فجعلوه فى منديل دبيقى كان معهم، وما كلمونا بشىء ومضوا فرأيته قد وجم لذلك واغتاظ فسكنت منه وقلت له ليس ينبغى أن ينكر الأمير «١» هذا فإنه يقال لهم إن الأمير ينظر فى كثير لا ينبغى أن ينظر فى مثلها، فأحبوا أن يمتحنوا، ذلك وقد سرنى هذا ليروا كل جميل حسن، ومضت ساعات أو نحو ذلك ثم ردوا الكتب بحالها.
فقال لهم الراضى «قولوا لمن أمركم بهذا قد رايتم هذه الكتب وإنما هى حديث وفقه وشعر ولغة وأخبار وكتب العلماء، ومن كمله الله بالنظر فى مثلها وينفعه بها، وليست من كتبكم التى تبالغون فيها مثل عجائب البحر، وحديث سندباد والسنور «٢» والفأر» .
وخفت أن يؤدى الخادم قوله، فيقال: من كان عنده؟ فيذكرنى فيلحقنى من ذلك ما أكره إلى ما لى عندهم مما سأذكره والسبب فيه فى موضعه من أخباره إن شاء الله فقمت إلى الخدم فسألتهم ألا يعيدوا قوله فقالوا: والله ما نحفظه فكيف نعيده! فكتب الراضى بيده إلى هارون بن الخال أن يقيم بمكانه ولا يتجاوز ذلك إلى ناحية الحضرة، ويعده أنه يأذن له فى القدوم عليه فى الوقت الذى يراه صلاحا، فكتب جوابا عن هذا الكتاب بأنه جاء محتاطا مشفقا من أشياء قد بلغته وأقلقته وأقبل حتى نزل النهروان
[ ٢ / ٦ ]
فاشتد ذلك على محمد بن ياقوت وكان قد حجبه وملك على الوزير محمد بن على، فندب الراضى الناس للخروج مع ابن ياقوت لمحاربته من غير أن يرى ابن الخال أنه يحب، قتاله وإنما أحب تأخيره مديدة استيطارا «١» منه لأنه لم يدر كيف تؤول الأمور. فلقيه ابن ياقوت بنهر يتن بقرب النهروان، فقتله واحتز رأسه فجىء به الى الراضى فأظهر سرورا بذلك وسلمه إلى أهله فدفن بقرب قبر أبيه فى قصر عيسى بن على فى الكرخ فى الجانب الغربى.
وخلع فى يوم الأربعاء لست بقين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة على محمد بن ياقوت لقتله ابن الحال وطوّق وسوّر.
وخلع فى يوم الخميس بعد ذلك بيومين على الوزير محمد بن على لمعاونته على ذلك وكان قتل هارون بن غريب فى يوم الثلاثاء لسبع بقين من جمادى الآخرة وإلى هذا الوقت فما ذكر الراضى [أحدا] «٢» من الجلساء ولا جلس ولا كان يشرب النبيذ ولا يوافقه، وكنت أحسن تركه وكان فى إمارته ربما اشتهى أن يصل مجالسه ويبر من يحضره ويشرب اليسير منه، فيتأذى بذلك ومازال ذكيا فطنا لقنا لما يسمع بحضره ما يريده من غير فكر فدعا يوما اخاه هارون وكانا نفسا واحدة فى جسمين فى ايام ابيهما، مكتبهما واحد وأمرهما واحد، يقدم طباخوه الطعام لهما شهرا ثم يقدمه فى الشهر
[ ٢ / ٧ ]
الآخر طباخو أخيه هارون، وكان فى حجر نصر الحاجب وكان بره به أكثر من بر الباقين بالأمراء الذين فى حجورهم فدعا يوما أخاه هارون إلى الثريا فشرب هارون وأحب أن يساعده فدخل فى النبيذ الى أن غيره وكان يقرأ على شعر أبى نواس فى تلك الأيام فأنشدت معرضا به بيتا لأبى ذؤيب:
إذا رأتنى صريع الخمر يوما فرعتها بقرآن إنّ الخمر شغب صحابها
ففطن لما أردت، فقال لم أقرأتنى بالأمس قول أبى نواس:
فما العيش إلّا أن ترانى صاحيا وما العمر إلّا أن يتعتعنى السّكر
ثم قطع، وانصرف. فلما فرغ قلبه من أمر ابن الخال وجه إلى «من هاهنا ممن جالس الخلفاء، وممن يصلح أن يجالسنى؟» فوجهت اليه: إنه لم يبق ممن جالس الخلفاء غير إسحاق بن المعتمد، وهاهنا من رسم بالمجالسة وما جالس بعد، مثل محمد بن عبد الله بن حمدون ومثل ابن المنجم. فقال: قد عزمت على الجلوس وتقدم بإحضار الجماعة، وأمر أن يكون فيهم أحمد بن محمد المعروف بالعروضى، واليزيديان إسحاق وعلى ابنا إبراهيم، وكانا يعلمان الجماعة الخط، وكان العروضى مرسوما بتأديب أبى إسحاق المتقى بالله أمير المؤمنين، وأخيه على رسمه بذلك والمعروف بابن غالب، وكانت رياسة التأديب اليه لأن الزجاج النحوى كان ندب لتأديب المقتدر بالله فاستخلفه فغلب على الأمر وحظى به دون الزجاج، ووهب له وأقطع لما ولى المقتدر ما أغناه وكفاه. فرسم العروضى بهذين، ورسم أبا عبد الله محمد بن العباس اليزيدى بتأديب الراضى وأخيه
[ ٢ / ٨ ]
هارون، ورسم لتأديب العباس بن المقتدر رجلا آخر يعرف بابن غدانة العمانى.
ثم إن على بن المقتدر توفى فكان العروضى يصير إلى الراضى وأخيه هارون فيكرمانه، وتوفى اليزيدى وابن غالب قبل خلافة الراضى بالله. فلم يكن يجلس اليهما غيره، وغير على بن إبراهيم اليزيدى، على نوبة وملازمة.
ورسم لتأديب عبد الواحد بن المقتدر المعروف بابن الأنبارى النحوى فأمر الراضى أن يحضر الجماعة الدار فى مستهل رجب سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ليجالسوه وأحضرنا وأمر بأن يكون ترتيب جلوسنا على ما أنا أذكره- رسم أن يكون على يمينه أقربنا إليه إسحاق بن المعتمد، ثم أكون أنا تاليا له، ثم يكون العروضى تاليا لى، ثم يكون ابن حمدون تاليا له؛ ثم يجلس الباقون عن يسرته على ترتيب ربما اختلف فكنا فى المجلس فى أول جلسة جلسها أربعة عن يمينه، كما ذكرت وخمسة عن يساره وهم: يوسف وأحمد ابنا يحيى بن المنجم، وعلى بن هارون بن على بن يحيى واليزيديان إسحاق وعلى ابنا إبراهيم، وكان قد أمرنى أن أعمل أبياتى الضادية على قافية المرتضى قصيدة ضادية غيرها على قافية الراضى، فعملتها فلما وصلنا اليه فى ذلك اليوم أنشده أحمد بن يحيى وعلى بن هارون قصيدتين يهنيانه فيها بالخلافة، ويصفان سرورهما لاغتباطهما فاستمعهما وأظهر استحسانهما، ثم أمر بإنشاد
[ ٢ / ٩ ]
الضادية فأنشدته أياها، وأنا أذكرها هاهنا لأنها ليست من الشعر الذى يأباه القلب ويمجه السمع، وفيها مدح لابن ياقوت وللوزير وهى:
أصبح الملك عاليا بأبى العبّاس أعلى الملوك بعد انخفاض واستفاض السّرور فى سائر النّاس بملك المهذّب الفيّاض
رضى الله هديه فاصطفاه فهو بالله والمقادير راضى
من غذته العلوم يرتع منها فى جنان أنيقة ورياض
كمل الفضل والفضائل فيه قبل عشرين من سنيه مواضى
فهو بالعلم والتّفرّغ فيه خير آت من الملوك وماضى
خطرت نحوه الخلافة طوعا باتّفاق من الورى وتراض
واصطفاق من الأكفّ دراكا واجتماع موف وعزم مفاض «١»
مرض الدّين قبله وأتاه بارئا عنده من الأمراض
واستلذّ الزّمان إذ أسفر الملك وجلّى سواده ببياض
واجد بالعلوم وجد محبّ راعه من يحبّ بالإعراض
يرد النّاس منه أغدار جود طيّب الورد مترع الأحواض
[ ٢ / ١٠ ]
حمدوا من محمّد حسن ملك بتقضّى حقّ الورى وتقاضى «١»
نعم للولّى منه حباه ومنايا على العدوّ مواضى
تملك الخطب منه عزمة رأى يذعن الصّعب عندها لارتياض
يا إماما إليه حلّت عرى الفخر وفلّت معاقد الأغراض
حاز بالمكرمات كامل مجد علق النّاس فيه بالأبعاض
وتعالى على النّجوم ببيت سامق العزّ ظاهر الأعراض
حجّة الله أتت يا قبلة الدّين فليست تردّ بالإدحاض
آذن السّيف من عصاك من النّاس بهلك واشك وانقراض
وبثقل من العذاب ووزر ينقض الظّهر أيّما إنقاض
لست ممّن يريد بالمدح حالا يبسط الجاه منه بعد انقباض
قد تروّيت من نوال إمام لست ما عشت فيه بالمعتاض
بشره زائد العطاء كما البر ق دليل الغيوث بالإيماض
وتقدّمت فى مديحى له النّا س على الرّغم من ذوى الإبغاض
وافترعت الأبكار من عزّة الشّعر فذلّلت صعبها بافتضاض
[ ٢ / ١١ ]
وغذانى بطول منه فى سا بق أيّامى الطّوال العراض
جاء عفوا بلا سؤال ولا وع د ولا مذكّر به متقاضى
صافيا من تكدّر المطل يجرى جرى ماء صاف على رضراض
وتشرّفت بالجلوس لديه بحديث يلتذّه مستفاض
وبلغت المنى وبشّرنى النّاس بثوب من الغنى فضفاض
وتبدّلت بالتّذلّل عزّا آذن الهمّ عنده بانفضاض «١»
واطمأنّ الفراش من بعد أن جا نب جنبى تجنّب النّهّاض
واستردّ العدوّ وكدى وعادت أعين السّخط وهى عنّى رواضى «٢»
لا أرى مزعجا نوالى وإن أبطأ عنّى جناه بالايغاض
لا ولا خاطبا بذمّ زمان أتشكّى منه ندوب عضاض «٣»
قد كفانى الامام ما قد عنانى وانتضانى من خلّة الانفاض
واجتنيت الغنى بمدحى غضّا من أياد له رطاب غضاض
[ ٢ / ١٢ ]
لم أجب نحوه الفلاة ولا أقبلت نقضا أهوى على أنقاض «١»
تترامى بى المفاقر طورا واعتراضا كرمية المعراض «٢»
بعد أن حلّت النّحوس محلّى وهوى نجم أسعدى لانقضاض
فتك اليأس بى فأهدى صدودا من وصول كفتكة البرّاض «٣»
وأرانى تحيّف الهجر للطّي ر بما نسّى تحيّف المقراض «٤»
واقتضانى دين الشّباب مشيب فيه عسف له وقبح تقاضى
عجبى له كيف أوجب ذنبا لم يكن عن تسلّف واقتراض
ظالم منصف سريع بطىء سابق ركضه بغير ارتكاض
فتسوّدت بالبياض وعذ ت به عن وصال بيض بضاض
واكتسيت الوقار بالكره منّى ونضت بشرتى ليال نواضى
وأتتنى قوارض من أناس مثل وقع الشّهاب فى الأغراض
[ ٢ / ١٣ ]
كلّ واهى القوى نؤوم إذا ما نهض النّاس للعلى ربّاض
تركتنى لما أحاذر منها حرضا هالكا من الأحراض
علم الله ما الذّى كنت ألقى فيكم من تألّم وامتعاض
لم أذق مذ ركبت راحلة الخوف الى الآن لذّة الإغماض
لا أطيق الدّفاع عنك ولا أملك غير الهموم والإرتماض
زأرتنى أسود حقد عليكم لم تغيّب بغابة وغياض
وفرانى الزّمان منه بناب بعدكم مرهف الشّبّا عضّاض
وانتحى آكلا للحمى ورضّ العظم منّى بكلكل رضّاض
واكتحلت السّهاد والحذر الدّائم خوفا بمرود مضّاض
من حسود منافس لى عليكم لبحار اغتيابكم خوّاض
مبغض لى لما أسيّر فيكم من مديح على الأذى حضّاض
فأرانى الاله ما كنت أرجو هـ وعوّضت أحسن الإعتياض
يا إمام الهدى استمع لولّى سائر فى مديحكم ركّاض
بذل النّفس واجب لك محض النّصح من أسرة لكم أمحاض
كلّ عاص بجلدته العرّ فهم هانئوه بالخضخاض
[ ٢ / ١٤ ]
يفضل النّاس فى الشّجاعة والبأ س كفضل الدّيس لابن مخاض
قبلة الحرب حين تجتنب الحر ب وتردى خيولها فى العراض
عضّد الملك فيه بالأيّد العالم شافى المحل بالاحماض
باذل الرّأى سالك شعب عزم ما المصاعيب فيه كالأحفاض
أخصبت أربع الورى بإمام قاتل المحل جابر المنهاض
عرف النّاس فضله مثل ما يعرف قصد السّهام بالانباض
من رأى حبّه كنافلة الفرض فإنّى أراه كالإفتراض
أيّد الله ملكه بوزير مستقلّ برأيه نهّاض
عالم بالزّمان قد راض منه جامحا آبيا على الرّوّاض
لم يطف باليقين من ظّنه الشّك ولا حال دونه باعتراض
ضرب فى لهى وليّك ماض وسهاد على عدوّك قاضى
ناصح لم يخض ضحاضح غشّ فى الزّمان الماضى مع الخوّاض
موّل الله بيت مالك منه باجتماع منه لا بارفضاض
غير ما حافل اذا انتخل النّصح بشكوى مغاضب أو مراضى
من أناس أقلامهم أسهم الملك ولكنّها بغير وفاض
[ ٢ / ١٥ ]
جامعات للأمر بعد افتراق جابرات للعظم بعد انهياض «١»
مارأت ساعيا على البين إلّا قيّدت سعيه بغير الاياض
نفثت بالمداد سمّا عليه نفث أنياب حيّة نبناض
فابق يا سيّد الملوك له تب رم بالرّأى منه كلّ انتقاض
وتملّ النّيروز تسعين عاما ساميا والعدوّ ذو إعضاض
فقال لى- وكان عالما بالشعر ناقدا-: ما أعرف مثل هذه الضادية لقديم ولا محدث وإنها لحمتك رميت بها كما كانت- قد جبر الدّين الإله فجبر - حمة العجاج رمى بها فقلت له يبقى الله سيدنا وهاهنا حماة مثلها كثيرة.
وكان من أول ما خاطبنا به أن قال: والله لقد جاءنى هذا الأمر وما شرعت فيه ولا أحببته، ولا علم الله ذاك منى فى سر ولا علانية، لا جهلا منى ما فيه من الشرف والجلالة «٢» لكنى لتغير الأحوال وقلة الأموال وكلب الجند وخاب الدنيا وإنه يستصحبنى من الغم والأسف والغيظ والاهتمام اكثر مما يؤمل من السرور واللذة، فما أجد فى زمانى مياسير من الكتاب والتجار يجمل بمثلهم الملك ويلجأ المهم اليهم مثل ابن الجصاص فى التجار ومن يقاربه، وأرجو أن يعيننى الله
[ ٢ / ١٦ ]
بجميل نيتى، فقد ضقت ذرعا بما دفعت اليه فقلت له إذن يعينك «١» الله يا أمير المؤمنين، ويوفقك بشهادة من رسول الله صلى الله عليه بذلك ووعد به قال وكيف ذاك؟ قلت:
حدّثنا إبراهيم بن عبد الله النميرى قال حدثنا حجاج بن منهال عن المبارك بن فضالة عن الحسن بن أبى الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال قال لى رسول الله صلى الله عليه يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسئلة وكلت اليها، وإن أعطيتها عن غير مسئلة أعنت عليها. فقال لى: قد والله سرنى الله بهذا الحديث ولست أشك الآن فى عون الله لى وتوفيقه إياى.
ثم قطع المجلس، قطعه ما لقيه من إغنات القاهر له وخوفه لقتله أباه فى ليله ونهاره وما دفع اليه من مداراة من لا تعرف طريقته ولا يوثق بدينه، ولا بعقله ولا تؤمن بوائقه، ولا ترضى خلائقه. إلى أن قال أليس بابن المعتضد؟ وأخ المقتدر وعم لنا؟ هذا والله عار لا يرحض وعيب لا يزال ثم نبهتنا سهامه.
فقلت قد أزال الله عن سيدنا كل عيب وألحق به كل حسن، وله فى رسول الله صلى الله عليه أسوة حسنة هذا عمه أبو لهب أنزل الله ﷿ فيه وفى امرأته سورة من القرآن يعرفها كل إنسان ويلفظ بها كل لسان فما ألحقه عاره وقد ولده جد رسول الله عبد المطلب، وهذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه
[ ٢ / ١٧ ]
كان يهجوه قبل إسلامه ثم أسلم وشهد حنينا مع رسول الله صلى الله عليه وحسن أثره وما زال محمودا مرضيا إلى أن توفى ويقول له حسان بن ثابت وكان كافرا:
أبوك أب حرّ وأمّك حرّة وقد يلد الحرّان غير نجيب
فلا يعجبنّ النّاس منك ومنهما فما خبث من فضّة بعجيب «١»
فقال لى «قد والله سرنى جميع ما جرى وأرانى طريق المسلاة وأعتقنى من هم كان قد ملكنى وغلب على أعلمت أن الناس يظنون أن هذا من قول حسان، إنما هو لأبى سفيان صخر بن حرب. وأنا قد كنت أظن ذلك حتى عرفتنيه فقلت له. إن حسان هجاه بقصيدة فيها بيت يقال إنه ما سمع بهجاء قط أنصف منه، وهو قوله:
هجوت محمّدا فأجبت عنه وعند الله فى ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بمثل فشرّكما لخيركما الفداء «٢»
هذا أنصف بيت قيل قط من هجاء.
قال الصولى: وما حكيت من ألفاظه التى مرت، وما أحكيه من كلامه بعد فهو كما أحكيه أو شبهه أو مقارب، إذ كنت لا أقدر على أن أحفظ لفظه على حروفه وأنا أحفظ معناه وكان والله إذا جمع نفسه وأحضر خاطره [ك] أنه ينطق بلسان المنصور
[ ٢ / ١٨ ]
إذا أراد الكلام فى معنى من المعانى، كذلك خيل إلى. أو المأمون من بلاغته وحسن سلوكه سبل المعانى وما أخطأه من شىء فلن يخطئه أن يكون أحسن الناس علما، بالشعر ونقدا له كما ينقده العلماء به. وإنه من أطبع ملوك بنى العباس فى الشعر وأكثرهم شعرا وأكرمهم عشرة لجلسائه وما رأيت ولا سمعت بخليفة أحسن منه أخلافا ولا أسمح بكل شىء بالمال والطعام حتى يفرط، وبالثياب والطيب ما بخل بشىء قط ولا تعاظمه شىء يهبه ولولا اتباعه لشهوته كثيرا، عالما بما فى ذلك من العيب محتملا له على بصيرة لظنت أنه لا يقدم أحد عليه.
فكنا بين يديه فى ذلك اليوم ثلاث ساعات من الليل نشرب وكان هو لا يشرب، قد ترك النبيذ جملة ثم انصرفنا وكان النوروز فى تلك الأيام فجلس على بركة مرصصة الجوانب والمجارى حسنة قد عملها وأحضرنا فجلسنا حول البركة وملئت ماء وأمر فرمى فيها بمثقلات كافور كبار وصغار، ثم قال لنا كل من وقف بين يديه مثقلة فهى له فوقفت بين يدى بعضنا مثقلة وقدام بعضنا مثقلتان أنا منهم وقفت لى صغيرة وكبيرة، باعهما لى ابن خزابة بثلاثة آلاف «١» درهم ودفع إلينا ندا كثيرا وعنبرا، ووصل الجماعة بصلات مختلفة على أقدارهم عنده ثم واصل الجلوس بعد ذلك إلى أن كثر شغب الحجرية والساجية فى طلب المال فقطع الجلوس معنا مدة لئلا يقولوا إنه مشغول بلذاته. ولما قبض على القاهر حبس فى بيت وطولب بأموال
[ ٢ / ١٩ ]
فلم يقر بشىء وكأنه عرف ماله عند الراضى لسوء ما كان يعامله به فعذب عذابا شديدا فما أنعم بشىء فأمر بعض الناس فكحله فأعماه وتردد «١» المكروه عليه فما أقر بشىء ووجد له مال يسير وآلة فأخذت وحسن وفاء زيرك له فأعجب ذلك للراضى فاصطنعه وحسنت خدمته له فتمكنت عنده حاله وغلب عليه فأحسن اليه إحسانا كثيرا وأقطعه البستان المعروف بالشفيعى ووهب له من أنواع الطيب ما كان أمله يقصر عن مثله، وكذا من الجواهر والباور وآلة الذهب والفضة- وما رأيت البلور عند ملك أكثر منه عند الراضى، ولا عمل ملك منه ما عمل ولا بذل فى أثمانه ما بذل حتى اجتمع منه له ما لم يجتمع لملك قط.
وعظم فى أول أيام الراضى أمر مرداويج «٢» السلى بأصبهان، وتحدث الناس عنه أنه يريد تشعيث الدولة وقصد بغداد وأنه لمساهم لصاحب البحرين مجتمع معه على ما يحاوله، ثم ورد الخبر بأن غلمانه قتاوه وأن رئيس الغلمان غلام يعرف ببجكم، وأنه خرج عن أصبهان ومعه جماعة من الأتراك قد رضوا به صاحبا لهم ورئيسا عليهم، فزعم ابن ياقوت أنه هو الذى دبر ذلك وكاتب فيه الغلمان ووجه برسل إليهم يحضهم على ذلك ويرغبهم فى حسن الفائدة عليهم فى العاجل من جهة الخليفة، وفى الثواب بطاعتهم للخليفة ونفذت كتبه إلى بحكم
[ ٢ / ٢٠ ]
والغلمان بتحقيق ظنونهم، والتقدم اليهم لقصد مولاهم وقتله ليبلغ لهم ما أملوه.
ودخل ابنا المنجم احمد بن يحيى وعلى بن هارون فأنشدا الراضى فى يوم خميس شعرا يهنيانه بهذا الفتح، وتخلفت أنا لشىء وجدته ثم دخلت إلى الراضى فى يوم السبت بعد الخميس بيومين وأنشدته:
ضحك الدّهر بعد طول عبوس طالعا بالسّعود لا بالنّحوس
وأتتنا الأيّام معتذرات لابسات نعيمها بعد بوس
بالإمام الرّاضى المطلّ على الآ داب شمس الملوك وابن الشّموس
سبعة من خلائف ولدوه لم يكن ذا لغيره من رئيس
رضى الرّاضى الإله لملك أوضح النّهج منه بعد الدّروس
فهو كالخصب بعد وافد جدب رعى الغضّ منه بعد اليبيس
آنس الله بالخليفة ملكا موحش الرّبع واهن التّأسيس
فهو يختال فى الجديد من اللّبسة والحسن بعد لبس الدّريس
يا نسيم الحياة أضحكت دهرا كان لو لاك دائم التّعبيس
انّ أيّامك اللّذاذ كوصل الحبّ طيبا ونومة التّعريس
مردواج بسيف حظّك مقتو ل فأهون بذاك من مرموس
[ ٢ / ٢١ ]
قصفته رياح أيّامك الغرّ فأخمدن منه نار المجوس
ثلّ عرش الّلعين أسرع ممّا سلب العرش من يدى بلقيس
وتولّت بمأتم الدّهر أيّا م أتتنا تجرّ ذيل العروس
بعد كفر لنعمة وقبيح كفر عبد فى نعمة مغموس
وجزى المسلمين تؤخذ قسرا بخروج عليهم ومكوس
حابس المال عنهم مستضام باتّساع الأذى وضيق الحبوس
وكأنّ العيال إذ فقدوهم أنشروا فى البلاد بعد الرّموس
وكأنّى بهم حمايل إقبا ل طويلى الإطراق والتّنكيس
حسّهم سيفك الحسام فأضحوا همّدا منه مالهم من حسيس
يا حلّى الّزمان يا زينة الأر ض ورأس الملوك وابن الرّءوس
إنّ نصحى وصدق ودّى قديم لم أشبه بالزّور والتّدليس
قبل أن يأكل الزّمان شبابى خالسا غرّتى بشعر خليس
ما أطيل المقال خوفا لإضجا ر إمام مؤيّد محروس
وأرى النّاس أظهروا بمديح لى منه البكور بالتّغليس
ربّ بذل سقيتنى منه كأسا فأعد لى مدار تلك الكئوس
[ ٢ / ٢٢ ]
حين شرّفتنى فكنت بنعما ك جليسا من قبل كلّ جليس
ثمّ أفردتنى خصوصا ببرّ مفرد طاهر من التّدنيس
إنّ بينى وبين دهرى حربا جاوزت حرب داحس والبسوس
أنا منه لغير هجر ووصل واقف بين لوعة ورسيس
فاعتبر ما شكاه عبدك منه ثمّ داو الخناق بالتّنفيس
هو فى مخلب الزّمان فريس فارحم الآن نفس هذا الفريس
واسقه من سلاف جودك بذلا فاق طيبا سلافة الخندريس
يطلق الشّعر فى أناس وشعرى وقف مدح على الإمام حبيس
لم تزل فى القديم تلبس منه مستجدّ الطّراز غير لبيس
لا أعلّى به لعلوة فكرا فى مشيب لها ولا للعميس «١»
مدح لم يزد عليها زياد وهو خاش ردى أبى قابوس
لا ولا حاك مثلهنّ جرير عند إيحاش ربعه المأنوس
قام هذا المديح بالعذر منّى نائبا عن نشيد يوم الخميس
فالقه بالنّجاح يا أكرم الأمّة أعطى به يمين غموس
[ ٢ / ٢٣ ]
لى سبق المديح فيك على النّا س وفخر بالسّبق فى التّأسيس
هى حال ليس الشّباب وإن فضّل خيرا فيها من التّعنيس
يا إماما به أمرّت عرى الحقّ وحلّت معاقد التّلبيس
أيّد الله ملكه بوزير عالم بالزّمان طبّ رئيس
ضامن بالوفاء منه رضى الله بحفظ الرّئيس والمرءوس
ظمىء الملك قبله فسقاه ريّه من زلال نصح مسوس
حاصد للعدى بأقلام رأى تقطع السيف عند حمى الوطيس
كيده وافد عليهم بيوم قمطرير بما يشقّ عبوس
بان فضلا على الكفاة كما با ن على ابن اللّبون فضل السّديس
طاب أص وبابنه طاب فرعا غرس الملك منه خير عريس
قد أمّر الزّمان طوعا عليه فسخا بعد نفرة وشموس
فترى النّاس خاضعين اليه من قيام بأمره وجلوس
أمتع الله بالوزير إماما خصّ من نصحه بعلق نفيس
وأطال البقاء للملك الرّا ضى إله أصفاه ودّ النّفوس
وقد يعلم الله تعالى أن الراضى بالله فى حال إمارته وأخاه هارون لما
[ ٢ / ٢٤ ]
أمر نصر الحاجب أن يتقدم إلى بخدمتهما، وان تجعل على نوبة لهما يومين فى كل أسبوع ففعل ذلك دخلت إليهما فرأيتهما ذكبين فطنين عاقلين إلا أنهما خاليان من العلوم، فعاتبت ابن غالب مؤدبهما على ذلك وكان الراضى أذكاهما وأحرصهما على الأدب، فحببت العلم اليهما واشتريت لهما من كتب الفقه والشعر واللغة والأخبار قطعة حسنة فتنافسا فى ذلك وعمل كل واحد منهما خزانة لكتبه وقرآ على الأخبار والأشعار فقلت إن الحديث أولى بكما وانفع لكما من هذه وهو أولى أن يبتدأ به وجئتهما بأعلى من بقى من الزمان إسنادا، وهو أبو القاسم ابن بنت منيع، واختلف اليهما مجالس ونسخت لهما علو حديثه ومشايخه، مثل على بن الجعد وابن عائشة وأبى نصر التمار، وجميع علوه ومختار حديثه، واحتجنا إلى أن نبره بدنانير، فوجه إلى من جهة والدتهما «والله ما عندنا دنانير لهذا المحدث، ولا بنا حاجة إلى مجيئه» فعرفت نصرا الحاجب ذلك فقال «خذله من مالى كل شىء يريده» فأوصل إليه فى مدة شهرين أربعمائة دينار.
وقرآ على من كتب اللغة كتبا كثيرة منها خلق الإنسان للأصمعى فمضى خدم سمعوا ذلك إلى المقتدر وإلى والدته، فقالوا لهما:
«إن الصولى يعلمهما أسماء الفرج والذكر» فدعا المقتدر نصرا الحاجب فعرفه ذلك، ودعانى نصر الحاجب. وكان من أحسن الناس عقلا، فسألنى عن ذلك، فعرفته السبب فيه فقال: جئنى بالكتاب، فجئته وعرفته أن هذا من العلوم التى لابد للفقهاء والقضاة منها، وأنهم
[ ٢ / ٢٥ ]
يلجأون إلى أهل اللغة فيها فأخذ الكتاب وأدخله إلى المقتدر وعرفه ما عرفته فأزال كل شىء خفته. ثم قلت للراضى بالله قد أمرت أن تجلس فى غد ليملك بحضرتك ابن الجواليقى بدار السيدة، وقد وعدوا جماعة فيهم الحسين بن اسماعيل المحاملى، وسيبكر إلى هاهنا فى غد فارفع مجلسه وأقبل عليه وانبسط فى مذاكرته، وإنى أحب أن يسمع الناس وصفك والثناء عليك من مثله، ففعل جميع ذلك. ثم حضرت وانقضى أمر الإملاك، فأخذ المحاملى بيد أبى بكر الخرقى، وقال «ما رأيت فى أهل هذا البيت شيخا ولا كهلا ولا حدثا يشبه هذا الفتى يقول حدثنا وأخبرنا وينشد ويعرب، وهذا كله من فعل هذا- وأومأ إلى- فأحب أن تتحمل رسالتى إلى القهرمانة ريدان، وتقول لها ما الذى فعلتم بمن صير هذا الأمير فى هذا الحال، فقلت أنا لأبى بكر الله يعلم ما أفعل هذا الا لله ﷿، لأنى أقول لعلهما أن يليا من أمور المسلمين شيئا فينفعهم الله بهما. وجعلت أقتضى أبا بكر الجواب فدفعنى أياما ثم قال لى أنت فى طرف والقوم فى طرف أديت إلى ريدان قول القاضى فقالت لى «إن هذه المحاسن من هذا الرجل عند السيدة ومن يخدمها مساو [ىء] فقل له عنى يا هذا، ما نريد أن يكون أولادنا أدباء ولا علماء، وهذا أبوهم قد رأينا كل ما نحب فيه وليس بعالم. فاعمل على ذلك» فأتيت نصرا الحاجب فأخبرته بذلك فبكى، وقال: كيف نفلح مع قوم هذه نياتهم! فقلت والله ما أعود اليهما بعد هذا. فقال ولا لك حظ فى ذلك. ولكن امض ساعة فى الأيام ثم اقطع
[ ٢ / ٢٦ ]
وكان ابن أبى الساج فى هذا الوقت بواسط عازما على لقاء القرامطة؛ وكنت أنفذت اليه رسالة طويلة فى كتاب عملته له أوصيه فيه بالمطاولة، وهى رسالة حسنة- قد سرقها الناس منى- تجمع ضروبا من العلوم، فجاءنى جوابه مع كاتب له يعرف بابن حراشة، وفى آخر الكتاب «وقد بلغنى خبرك وقول من قال لا نريد أن يكون اولادنا علماء وإنا لله على ما بلى الناس به» وأفزعنى ذلك وخفت أن يظن أتى المبدى لهذا، والمتكلم به فصرت إلى نصر الحاجب فعرفته ذلك، فقال إن لابن أبى الساج خدما فى الدار. لا يخفون عنه الأنفاس، وهذا فإنما علمه من جهتهم، فسكنت نفسى إلى ذلك وانقطعت عنهم، وكان لهم بعدى، هنة سر «١» لحجبتهم لها كل أحد، وكان ثم قوم قد نفسوا على موضعى منهم. وكان الراضى وعدنى بفص كنت استحسنته فكتبت اليه بقصيدة أساله فيها التوجيه إلى بالفص، فكتب إلى «إنما أتفرخ بما يرد على من جهتك، فاكتب إلى بشعر صادى قافيته الفص» فعملت القصيدة وكتبت بها اليه وهى:
ألاقل لخير النّاس نفسا ووالدا ورهطا وأجدادا مقالة مختصّ
محمّد المأمول والمقتدى به ال أمير أبى العبّاس ذى الفضل لا النّقص
ومن جمع الآداب بعد افتراقها وثقّفها بالبحث منه وبالفحص
[ ٢ / ٢٧ ]
دقيق حواشى الذّهن هذّب طبعه ومحّص فى قرب المدى أيّما محص
بعيد القبول من حسود مكاشر تخلّف عن أولاه بالتّزغ والفرص
لئن ساغ لى أكلى وشربى فإننّى كذى شرق من غيبتى عنه مغتصّ
وقد كنت ذا حظّ لديه وزلفة فجاء الّذى حاذرت فيه على غفص
بفسخ الّذى سدّى وألحم باطلا وقد وقصاه عاجلا أيّما وقص
من اكلب خوزستان نغل محقّر ضئيل خفىّ الشّخص فى صوره الدّرص
وألهب منه الجمر بالنّفخ حابل علوق بأذناب الأكاذيب كالشّصّ
بنو معورات الطّرق جاءوا بعورة ذوو الآنف الذّكّاء والأعين الرّمص
أولوا بطنة فى باطل وتكذّب وصدقهم يأوى إلى أبطن خمص
فما أسندوا قولا إلى ذى تماسك ولا شيّدوا زور المقال على إصّ
وبالقصر قوم إن رأونا تبلّغوا وحطّوا لنا الأعياق كالرّخم القص
تلاقت بتأليب علينا جفونهم وفرّقت الأقوال بالثّلب والغمص
وما قبلوا نصح العروضىّ فى الّذى رآه ورصّوا إفكهم أيما رص
وقد هطلته غيبة من سحابهم وكالوا له صاعا من النّثّ والقصّ
وهبّ له فى بعده لك قاصف من الحزن ينئى صبره عنك بل بقصى
[ ٢ / ٢٨ ]
فغصّ بشرب من فراقك آجن عصوف بجدواه أمرّ من العفص
وإن أنجز الإمكان يوما بجلسة لديك أتاك القول بالشّرح واللّخص
فأدنيت حقّا قد أطيح بشخصه إلى نزوان القوم بالزّور والقنص
فأقتبل العيش الغرير بقربكم وأسحب فى لذّاته أذيل القمص
بحقّ أفاض القلب فاضل شربة من الهمّ حتّى جاءنى الأمر من فصّ
وأطلع شخص الحقّ عندك وجهه إلى أن يقود القرب منطق مستقصى
تحيّفنى ريب الزّمان ببعدكم تحيّف مقراض المجازف فى القصّ
اليك ترامت بى الأمانى همّة على لحق الأقراب ضامرة حصّ
وخوص سقتها الآل كأس هجيره فأفنته بالوجد المواشك والرّقص
إلى ابن الّذى أحيا البريّة عدله فشبّه بالفاروق فيهم أبى حفص
وقد كان لى وعد عليك بخاتم علوق بلحظ العين مستملح الشّخص
شريف إذا ما رفعوه لسيّد تعاظم واستعلى به شرف الفصّ
فلا أنا طالعت الأمير بذكره بتعريض قول فى الخطاب ولا نصّ
ولا أنجدتنى منه فى ذاك حظوة تذكّر إنجازا ولست بذى حرص
وإنّى لأرجو أن يسرّى لبسه فيأخذ منه اللّبس أخذة مقتصّ
[ ٢ / ٢٩ ]
وإن لم يكن كرع يقاوم غلّتى برىّ قنعنا فيه بالرّشف والمصّ
إذا لم يكن كلّ الّذى يشتهى الفتى ففى الرّأى أن يرضى ويقنع بالشّقص
ولست كمن يمضى على الظّنّ حكمه ويجعل إسناد الرّجال إلى حصّ
وإنّى لأغلى المدح إلّا على الّذى يغالى بإعطاء ولست بذى نقص
بذى هام قلب لا بخريدة بها يميس بها غصن رطيب على دعص «١»
صليبة عزم القلب كالصّخر قلبها على أنّه يكتنّ فى جسد رخص
ولا بشمول لذّة الطّعم قرقف مناسبها فى عمر كركين والقفص
فلو كان فى حمص يرجّى شبيهه لساق مطاياى الرّجال إلى حمص
أميل إلى شرب الكرام بغلّتى ولست لأوشال اللّئام بممتصّ
فقولوا لمن قاس الأمير بغيره تأيّد فما الكيل المحصّل كالخرص
تيمّمت زورا فى المقال وباطلا لدى خرق ساد الصّخور على رهص
محاسن هذا الخلق منك ابتداؤها ويجذبها ذو كلفة منك كاللّصّ
كذا المجد لا بالمال يجمع شمله وبالدّور شيدت بالقراميد والجصّ
فلا زلت للدّهر المملّك مالكا يطيعك فيما تشتهيه ولا يعصى
وحزت من الأعمار أقصى نهاية تفوت مدى الإحصاء فيها يد المحصى
[ ٢ / ٣٠ ]
فوجه بخاتم فصه ياقوت سمانجونى ووجه معه بصلة، وكتب إلى «ما أعرف والله مثل هذه الصادية لأحد، وقد بخستك فى القيمة اضطرارا لا اختيارا إلى أن يستقيم الزمان إن شاء الله» وإنما آتى من الأشعار التى قلتها فى الراضى بطرف، للحاجة إلى المعنى الذى قيلت فيه، وإلا فالشعر كثير فيه. وقد أتيت فى عملى أخبار المقتدر بشىء يسير منه، إلا أننى آمل أن لا يستهجن الأدباء ما أورد منه لصلاحه وصفوته، وصعوبة قوافيه، وسلامته مع ذلك من تكلف يهجنه، وسخافة لفظ ترذله إن شاء الله.
وتمزق الأمر بين محمد بن ياقوت ومحمد بن على بن مقلة. واستبد ابن ياقوت بالأمر دونه، ولم يمض أمرا إلا بتوقيعه. ونظر فى الأموال، ورمى بأكثر أمره إلى كاتبه محمد بن أحمد القراريطى، إلى أن أظهر الوزير إطباق دواته، وترك النظر فى شىء البتة، فإذا اضطر أن يوقع فى أعمال أو ينظر فى أمر مال عرضت توقيعاته على ابن ياقوت، فما أراد أمضاءه رضيه وقع فيه بامضائه وما لم يرده لم يوقع فيه فبطل، ولم يلتفت إلى توقيع غيره. فما زال الوزير يعمل فى أمره حتى قبض عليه وأنا أذكر ذلك فى حوادث السنين إن شاء الله.
وكنا ليلة نشرب مع الراضى، فوصلنا وجىء برغيف كبير بحرف وافر قد عمل من ند فرمى به الينا. وقال انتهبوه فبدرونى، فاستلبوه دونى وسخفوا وتبذلوا حتى تكشف واحد منهم، وكل ذلك بعينه فسألته العوض فقال «صف أمرك معهم وصف الزبيدية فإنك»
[ ٢ / ٣١ ]
مشغوف بها، وأنا على العبور عليها حتى أعوضك» وانصرفت فعلمت فى ذلك قصيدة زائية هى من خير زائية قيلت قط، فلذلك أذكرها وكان ذلك فى أيام النيروز وهى:- بارك الله للأمير أبى العبّاس خير الملوك فى النّيروز
وأراه أولاده الغرّ أجدا دا بملك نام وعزّ عزيز
فهو أولى به وبالجود فيه من ابرويز ومن فيروز
لهم فى الهلال هرمز روز ولنا الدّهر فيك هرمز روز
فاقتبل جدّة الزّمان بعام بارز باللّجين والإبريز
ضاحكات أيّامه طائعات طاعة الحبّ بعد طول النّشوز
واقض حقّ النّيروز فيه بكأس مزعج سقيها بكأس وكوز
فيه نقش ملوّن من يدى من لم تشبه معايب التّلويز
طلعت شمس وجهه تحت داجى الشّعر الجعد صبغة الشّيروز
من عقار ترى الفتيّة منها عجزت عن كمال حسن العجوز
يشتكى كرمها الأوام لدى القطف وما زال كارعا فى البزوز
وعلى مقبل من السّعد محجو ب عن النّحس والأذى محجوز
بالزّبيديّة المشهّرة الحسن وحوز اللّذاذة الماحوز
[ ٢ / ٣٢ ]
وصنوف من الجواهر تبدو كلّ يوم من كنزها المكنوز
ياسمين حكى قراضة تبر فتقوا طيبه بمرماحوز
يضحك الورد عنده بين نسرين وبستان لعنهم آيروز «١»
ورياح من الرّياحين ادّت نشر مسك بعنبر معروز
وبها من حماحم هام رنج مشرفات الطّلى على سينين
ومياه يشكو الجداول أبسا لم تمزّقه حادثات النّزوز
وبنارنجها المحمّل تبرا ومياه من آسها المجزور
ونخيل ترفّع النّوع منها عن حوار الأنقال والشّهريز
وبها الطّلع مثل بيض أكفّ برزت من مخصّرات القزوز
وتجافت عنها الجفوف فشّبهن كماما مفتّقات الدّروز
كم زمان مضى بها مستلذّ ليلنا فيه مثل ليل الحزيز
قبل أن ترحل البوارح عنّا وتحطّ الرّحال من تمّوز
رضى الرّاضى الإله لملك عزّز الدّين أيّما تعزيز «٢»
فهو بالله فى محلّ أمان تحت حرز من القضاء حريز
[ ٢ / ٣٣ ]
أيّد الله ملكه بنصيح راز منه الزّمان أذكى مروز
بوزير مؤيّد الرّأى قدحا ز بيمن التّدبير خير محوز
فكنوز الآباء ثابتة منه كلّ يوم مجدّد بكنوز
قلم يملك الورى فهو أمضى من حسام على الأعادى جروز
ومن السّهم حين يستلب العمر اختطافا وعامل مجلوز
حتف الله مردواج بحدّ منه فى أنفس الورى مركوز
كم عدوّ أباده غير مقبو ن بمردى الرّدى ولا مجنوز
وكذا يستمرّ فى كلّ عاص ونبيط لهم عتاة وخوز
عرزوا كالجراد نسل فساد محق الله ذاك من تغريز
فهو كالشّهد للنّصيح الموالى وكسيف على العدا مهزوز
لم يضق بالأمور صدرا ولا أصبح فيها كحائر ملهوز
وعلىّ كذاك غير ظنين فى مراعاته ولا ملموز
بل ينادى الأعداء منه برأى غير مستنقص ولا مغموز
فرداء الشّباب ضاف عليه وهو ذو حنكة ورأى مريز
كم عدوّ يبيت منه على ص حّة جسم بليلة المنكوز
[ ٢ / ٣٤ ]
يا أجلّ الملوك عقلا وعلما مفرد السبق غير ما ملزوز
لك عبد كساك فاخر مدح رائق لبسه لباس الخزوز
لم يشنه ذكر السّباسب والوص ف لعيس تحت الرّحال جموز
من قواف على سواه صعاب سبّق الجرى ظاهرات البروز
خطرت نحوك القوافى بمدح غير مستهجن ولا مكزوز
بين صاد وبين ضاد وسين ثمّ زاى مبينة التّبريز
سائل الطّبع مشرق اللّفظ سهل ما تغشّيه ظلمة التّكزيز
فائض ماؤه يجىء مطيعا غير مستجلب ولا منحوز
يرجع الشّعر عنه حين يسامي هـ بأنف مجدّع محزوز
من يرم نسج مثله تختطفه لا معات من ذلك التّطريز
قصّر المخلف المعلّم عن فيض صيود معاود التّكريز
وكذا لا يقاس بين خسيف فائض عدّها ببئر نكوز
جزت فيه ميدان قوم أراهم شعراء بالخطّ والتّجويز
يستميزون لفظ غيرهم فيه غلابا كغارة التّكليز
بقواف مدوسة ومعان مخلقات ومنطق مرموز
[ ٢ / ٣٥ ]
وكزوه ليلحقوه فآبوا بقصير عن المذى موكوز
حرموا الطّبع صاغرين فساروا من طريق إليه غير مجوز
عجب والقضاء يقعد ذا القوّة عن خطوة الضّعيف العجيز
كيف يحوى التّجويد صاحب قلب موجع من تأسّف موخوز
لا أرى كارعا لهم فى إناء لا ولا فى بحارهم ذا نهوز
ليس لى غلّة تحصّل ممّا فى موازينهم ولا فى قفيز
لا ولا لى فى أرضهم قيد شبر فى وهاد لهم ولا فى نشوز
درّة الغزر هاميات عليهم ولنا درّة القطوع العزوز
غرّزوا أرجل الطّماعة فى رك ب أخسّت مقدارهم وغروز
لو يكون التّجويد دار ثواء لم يجوزوا منها مدى الدّهليز
قلت إذ جوّزت بغير انتقاب لك حظّ القناع فينا فجوزى «١»
فاز منهم جماعة بأناس واتّكالى عليك فى التّفويز
لست أرجو سواك بعد إلهى عند تقصيدهم ولا التّرجين
ووزيرين جهّزانى بجود تعّشانى بذلك التّجهين
[ ٢ / ٣٦ ]
حين عىّ الزّمان عن ذكر حظّى جبرا فاقتى بجود وجيز
أنت أدرى بالشّعر من قائليه فاقض فيه بالحزم والتّعجيز
وكذا العلم بالمحرّك والسّا كن فى نحوهم وبالمهموز
ليس إلّا الّذى يضمّهم المجلس للانتحال والتّمييز
فهم فوق من يرى قول حقّ غير مستنكر ولا منهوّز
فأجزنى بقدر علمك بال أشعار يا خير منعم ومجيز
بدنانير لا أحال على الج هبذ فيها ولا على كتب روز
ورغيف النّدّ الّذى غصبونيه وأكرم بذاك من مجنوز
غلبتنى عليه أيدى نهاب نهزته بحظّها المنهوز
سبقتنى اليه سبق ذئاب خاطفات بهزّة وأزيز
كان ختلا منهم كختل الحوارىّ سيف الله ذى الرّدى جرموز
لو خشينا البدار منهم لعثنا فيهم كاللّيّوث فى الأمعوز
ثمّ آبوا بجانب طيّب النّشر وأبنا بجانب مخبوز
لهف نفسى عليه ملقى كترس وافر الحرف مشرف التّفريز
فدموعى من التّأسّف تجرى جرى وفراء وافيات الخروز
[ ٢ / ٣٧ ]
جمزتنى فوايت الحظّ منه وابلائى من حظّى المجموز
قد رأى سيّدى وقوفى حيرا ن كمصمى الرّمية المتروز
فابق يا سيّدى بقاء ثبير غير ما مزعج ولا محقوز
وتملّ السّرور سائر ملك غير مستنقص ولا مبزوز
تتخطّى مداس كلّ إمام قاهر العزّ غير ما معزوز
فلما أنشدته إياها استحسنها وقال «ما أعرف زائية مثلها بل لا أعرف زائية إلا للشماخ، وتلك عجوز وهذه شابة» ثم عوضنى أحسن تعويض بصلة وند وعنبر.
ولما جاء بحكم وهزم ابن رائق قال لنا ما أحسن هذه الأبيات، فى المعنى الذى نحن فيه وأنشدنا
إذا قلت يبرا بعض داء عشيرتى تلاقت غواة واستجّد نشور
كما نشرت مخشيّة العرّ بعد ما علا اللّون برء ظاهر وطرور
ومولى عصانى واستبدّ برأيه كما لم يطع بالبقّتين قصير
فلمّا رأى أن شتّ أمرى وأمره وولّت بأعجاز الأمور صدور
تمنّى حبيش أن يكون أطاعنى وقد حدثت بعد الأمور أمور
كذا أنشدنى تمنى خبيش ثم قال أتعرف مثله؟ قلت لا ولكن نحوه
[ ٢ / ٣٨ ]
لطارق بن ديسق اليربوعى:
إذا أنت جاوزت أمرأ السّوء لم تزل غوائله تأتيك من حيث لا تدرى
وفينا وإن قيل اصطلحنا تضاعن كما طرّ أوبار الجراب على النّشر
ثم قلت إن سيدنا أطال الله بقاه نشأ فى حجر الصواب، فمن أين له تمنى حبيش؟ فقال لى من حيث لا يطيف براويه عيب، فقلت لو أن أبا عمرو بن العلاء روى هذا لكان أخطأناسه «١» فقال: إن الطبرى يقول هذا فى كتاب تاريخه «٢» فقلت له: الطبرى ليس فى الغريب مثله فى غيره روى الأصمعى وأبو عبيدة وابن الأعرابى وأبو عمرو الشيبانى
تمنى نئيشا أن يكون أطاعنى
ومعناه أنه تمنى شيئا «٣» بعد مافاته يقال رأى هذا نييشا إذا رآه فى آخرة وقد فات، قال بلال بن جرير:
كم ناصح قد قال لى وما وشا إنّك لم تنأش لوصل منأشا
يقول لم تطلبه فى أوله وأنشدته:
تناءت عنكم عدس بن زيد فلم يعرفكم إلّا نييشا
يريد إلا اخيرا فقال لى فلعل الوراق أخطأ عليه قلت لا ولكن الطبرى رأى نبيشا فى كتاب ولم يدر ما هو فظنه حبيشا اسم رجل وهذا الشعر لنهشل بن جزى «٤» النهشلى وهو فى الخزانة فوجه فطلبه فلم يجده
[ ٢ / ٣٩ ]
فقلت له وهذا ايضا عجب، يتحدث الناس بأن سيدنا مع جلالة علمه وعلو نعمته عمل خزانة كتب كما عمل متقدمو الخلفاء، طلب فيها شعر هذا الشاعر المشهور فلم يوجد! قال فما الحيلة وقد شغلنا بغيرها عنها؟ قلت كتب عبيدك لك فتبتدىء فى عمل الأشعار من الخزانة، تبدأ بمضر ثم ربيعة ثم اليمن، فما لم يكن فيها حمله عبيدك من كتبهم، وما كان سماعا لعبيدك أو شيئا لا يعتاضون منه، نسخه وراقوك الذين تجرى عليهم.
وجلده مجلد والخزانة فسكت كالمفكر. فقلت له إن الذى قلته ليس لشىء أجتلبه إنما هو حيف على كتبى، ولكنى آنف أن يتحدث الناس بشىء يفعله سيدنا لا يكون فى نهاية الجلالة. فقال ويحك فاذا جاء ما يشغل كيف نصنع؟ قلت يجعل سيدنا هذه الخزانة للأميرين، ويقتصر على ما يريد النظر فيه، قال أما هذا فنعم فأمر بإخراج الكتب اليه يوما يوما، وأجلسنا فميزناها وقسمها بين يديه، بين ابنيه واقتصر على ما أراد ووهب لنا الباقى فاقتسمناه. وكان أكثره ما يباع وزنا.