كان لبنى هاشم وثوب فى المحرم بإمام الجامع الغربى فخاتلهم حتى صلى
[ ٢ / ٧٠ ]
ركعتين خفيفتين قرأ فى الثانية الحمد وقل هو الله أحد وخطب بكلمات يسيرة. وصاروا من غد إلى الجامع الشرقى فوثبوا بالقاضى وما تركوه يخطب، فانصرف مفلتا من أيديهم، وأمر الوزير أن يفتتح الخراج فى هذا الشهر فضج الناس من ذلك. ومات فى هذا الشهر أبو منصور ابن جبر النصرانى، وما اصطفى بن يعقوب النصرانى صاحب بيت مال الخاصة من قبل مؤنس الخادم، وورد تابوت ابن دولة الحسن بن على ابن محمد بن الفرات الى بغداد من الشام، وذكرت عنه فى ولايات تولاها أمور قبيحة من الظلم. وغرق القاضى ابن كاس فأخرج وبقى أياما ومات. وشغب العامة لغلاء السعر فى مسجد الرصافة ودخل الجند فى طلبهم إلى الصحن فصعدوا الى السطوح وغتوا الفرسان بالحجارة حتى هربوا وحارب الجند العامة يوم السبت بباب الطاق فأخذ السلطان جماعة فضربهم بالسياط وأدارهم. وأشار الوزير بأن يسعر المكوك من الدقيق بثلاثة دراهم فما نفع ذلك. ونادى بأن يتعامل الناس بالغليظ من الدراهم والممسوح طلبا للرفق بهم. ووقع بين الحجرية والساجية فى صفر خلاف فمشى بينهم قوم فاصطلحوا.
وقلد فى هذا الشهر الحسن بن عبد الله من تكريت إلى آمد، وفورق على مال واستقام أمره، وأزيل عنه من بالموصل. ومات فى يوم الخميس للنصف من ربيع الأول هارون بن المقتدر بالله أبو عبد الله وكان كاملا فى عقله وأدبه وأظهر الراضى حزنا شديدا عليه، وقال لنا هذا على أنه كان يسعى على هذا الأمر ويكاتبه فيه جماعة منهم ابن ياقوت
[ ٢ / ٧١ ]
وقال لى: كنت أعرف محلك منه أفرثيته بشىء؟ فقلت نعم وإنما انتظرت الاستئذان فى إنشاده فقال جئنى به فى غد وأنشدنيه مفردا، ثم أمر بإدخالى إليه من غد وكنت بكرت قبل حضور أهل نوبتى فأدخلنى فأنشدته:
تعزّ يا خير الورى عن أخ لم يشب الإخلاص بالّلبس
كان صديقا وافرا ودّه صداقة الأنفس والجنس
تعزّ عنه بنبىّ الهدى محمّد أدخل فى الرّمس
وهو حبيب الله فى أرضه مؤيّدا بالوحى والقدس
سمّاك بالرّاضى لترضى بما تسلف من أمر وما تنسى
قد أنذر الدّهر تصاريفه بألسن ناطقة خرس
يخبرنا عن موته كونه بغير إذكار ولا حدس
كان نسيبا لإمام الهدى بالودّ والألفة والأنس
ونسبة الجسم شتات إذا لم تتآلف نسبة النّفس
وكان فرعا ذاكيا غصنه مهذّبا من خير ما غرس
وكان فى السّودد ذا همّة وكان فى النّعمة ذا غمس
أرسى عليه دهره مثل ما أرسى على ساكنة الرّسّ
[ ٢ / ٧٢ ]
إن صرف الدّهر إلى ما مضى عاد سرور النّاس ذا عكس
حوادث الأيّام شقّاقة تقرّب المأتم بالعرس
يعتقب المرء بها حاله بوطئه الحزن إلى الوعس
من عزّ بالدّنيا هفا قلبه وعاد منه النّور ذا طمس
وزال فى تلوينها عقله وغاله طيف من الّلقس
منيّة إن لم تفاج الفتى كانت له بالسّقم ذات مسّ
لهفى عليه وقليل له لهفى وهل يرجع لى أمس ى
لهفى على منتخب حلمه أرجح من رضوى ومن قدس
وأين الأولى كانوا شموس الورى ليوث حرب غير ما شمس
جرى على السّودد منهم كما شيّد بنيان على أسّ
فافرس له صبرا يزيل الأذى فالدّهر للإنسان ذو فرس
ينعم منه جسمه تارة ثمّ تراه جاسى الجسّ
فلم تزل فوق الملوك الأولى من عرب سادوا ومن فرس
من لا يرى حبّك فرضا فما أدّى فروض الله فى الخمس
فداؤك النّاس جميعا على رغم عدوّ لحز شكس
[ ٢ / ٧٣ ]
فالخلق من وارد رفه إلى الموت وذى عشر وذى خمس
أوّلهم منتظر آخرا فهو عليه الدّهر ذو حبس
حتّى يجيؤا وكفات لهم ولا يرى للقوم من حسّ
وبعثهم من بعد ذا كلّه لخابل الجنّة والإنس
تخشع أصواتهم خيفة فلا تناجى بسوى الهمس
داعى المنايا خاطب كفوه كخطبة المعتام للعرس
يسمو إلى الأنفس فى قدرة منكّبا عن ساقط جلس
تلعب بالمرء اللّيالى كما قد تلعب الأقلام بالنّقس
ترضع بالانعام ذا عزّة يفطم بالبؤس وبالتّعس
تتبع نعماها ببأسائها ويعقب الصّحّة بالنّكس
فالحرّ فيها أبدا حائر من سومها الغالى على مكس
يتعب فيها أبدا جسمه وإنّما الرّاحة كالخلس
يخدع فيها بالمنى نفسه ووافد الموت به مرسى
ينسى الّذى يأتى به صرفها والآمل الغرّار قد ينسى
تلبسه من طمع غفلة بالمطعم الملذوذ واللّبس
[ ٢ / ٧٤ ]
فأسلم الله إمام الهدى فما عطاء الدّهر بالنّحس
كلّ الورى أنت وكلّ يرى عبدك من عال ومن نكس
بقاؤك الفوز لنا والغنى نصبح فيه مثل ما نمسى
شوى صروف الدّهر ما لم تصب فى الرّطب إن عاثت وفى اليبس
من تاجر الدّهر بلا صرفه فصار من ربح إلى وكس
فأسلم الكلّ فلا بأس أن يرزأ فى السّدس وفى الخمس
إن غيّب البدر كسوف فقد لاحت بسعد غرّة الشّمس
ما طالع الأمّة يا سيّدى إذا خطاك الخطب بالبخس
فما فرغت من الإنشاد حتى بكا بكاء شديدا، ثم قال لى أنت كنت حدثتنى ان المأمون قال لمحمد بن عباد المهلبى لما مات أخوه أبو عيسى، وكان أحب الناس إليه: يا محمد حال القدردون الوطر. قلت له قد كان ذاك، فقال والله ما كان المأمون لأبى عيسى بأشد حبا منى لهارون ولا أصح نية فيما ورى عنه. ودفن هارون فى داره بقرب الجسر، وحضره طول يومه الوزير والقواد، وكل نزع سيفه ومنطقته إلى أن دفن بعد العصر وانصرفوا فقال بعد ذلك: لولا أنى لا أدرك ثأرى لقتلت بختيشوع الطبيب، سقى أخى هارون درهم سقمونيا حتى قتله ورمى بكل ما فى جوفه! وإن كان المشئوم ما تعمد ذلك، ولكنه أعمى القلب،
[ ٢ / ٧٥ ]
قصير العلم بليد الفكر، مرزوق فى أيامه، محظوظ.
وأشاع الناس بأن ابن رايق يريد الصعود من واسط إلى بغداد ولحقه الناس من بغداد، فظن الساجية والحجرية أن ذلك بمكاتبة الراضى.
فتكلموا فى ذلك فكتب إليه لا تجىء ووجه بما كرد وينال وعبد الله بن على كاتب نسيم؛ يناشدونه فى مقامه وقدموا من عنده يوم الخميس لست خلون من شهر ربيع الآخر.
ومات فى هذا الوقت على بن العباس النوبختى وقد قارب ثمانين سنة وكان حسن الأدب والشعر وكان ابنه الحسين يكتب لابن رايق ويدبره أمره. وقدم شيخ هاشمى من سر من رأى يقال له إبراهيم بن عبد الصمد بن موسى فحدث واجتمع إليه، وذكروا أنه ولد سنة أربع وعشرين ومائتين. وكان عنده علو إسناد مفقود فى وقته، الموطأ عن مالك عن أبى مصعب الزبيرى وروى عن أبى سعيد الأشج وعبد الجبار بن العلاء العطار. فتكلم الناس فى سماعه والتهبت له سوق ثم طفئت ورجع إلى سر من رأى.
واستحق الساجية والحجرية، فطالب الوزير مياسير التجار بأموال يعجلونها ويكتب لهم بها سفاتج فاستتروا. وضرب ابن جبير الدقاق، وأخذ منه مال وأمر من كان ينزل بسور المدينة أن ينتقل لتباع المنازل ووجه الحسن بن عبد الله بمائة كر دقيقا، يفرق بسر من رأى وبغداد على الأشراف والضعفى، ففرح به الناس وحدرت زواريق كثيرة للتجار فصلح السعر. وبلغ الحجرية والساجية أن بدرا الخرشنى
[ ٢ / ٧٦ ]
والمؤنسية والرجالة قد عزموا على حربهم بأمر السلطان، فتنكروا لهم فخرج بدر ومن معه إلى الصحراء يوم الثلاثاء، لثلاث خلون من جمادى الأولى وقالوا كيف صار الساجية والحجرية يأخذون المال وقت استحقاقهم ونحن نؤخر بقسم المال بيننا! وصار الحجرية والساجية إلى الحلبة وأقاموا بها واستظهر السلطان بعض الاستظهار ببعض اليلبقية «١» والهارونية وغلمان أم المقتدر. ثم إن الحجرية والساجية أخرجوهم عن الدار، وصار الخرشنى إلى مسجد الجامع بالرصافة فضرب خيمة هناك وتبعه جعفر بن ورقاء ولؤلؤ وغيرهم وكان الراضى قد اختص جعفرا وشاوره فحسن أثره فى رأيه وفضله. وقال الساجية والحجرية للراضى: قد أشاع الناس أنا محاصروك فاخرج فصل الجمعة بالناس ليزول ذلك. فخرج فصلى بالناس فى مسجد الدار، وما علم به الناس. وقال للحجرية وللساجية أنتم خاصتى وثفاتى. وسفر جعفر بن ورقاء بين الناس فأصلح الأمر.
ووعد الناس بأن الخليفة يصلى بهم فى الجمعة الثانية فما تخلف أحد، وما كنت أنا علمت بصلاته أول جمعة فحضرت فى الثانية ووجدت إسحاق بن المعتمد حاضرا فدخلنا المقصورة وخرج الراضى فعلا المنبر ووقعت عينه علينا فخطب فأوجز ونزل وصلى بالناس فقرأ سورة الجمعة فى أول ركعة وفى الثانية سبح اسم ربك الأعلى أتم قراءة وأحسنها ودخل وانصرفنا. فابتدأت أعمل شعرا أصف فيه
[ ٢ / ٧٧ ]
خطبته، فوافتنى رقعة بخطه وفيها: أبقاك الله يا محمد قد لحظك طرفى وأنا أخطب وأنت إلى جانب إسحاق قريب منى، غير بعيد عنى فعرفنى على تحرى الصدق واتباع الحق كيف ما سمعت وهل تهجن الكلام بزيادة فيه أو اختل بنقص منه أو وقع ذلك فى لفظه أو إحالة فى معناه جاريا فيه على عادتك فى حال الإمرة غير مقصر عنها للخلافة إن شاء الله فكتبت إليه جواب الرقعة بعد أن أتممت القصيدة أمير المؤمنين أدام الله دولته وأطال فى الملك مدته أجل خطرا وقدرا، وأسنى مجدا وفخرا. وأوسع خاطرا وفكرا من أن يبلغ خاطب خطابته أو يروم بليغ بلاغته أو يدرك فيها واصف صفته إلا بما تناله طاقته وتبلغه غايته ولما وصل إلى عبده سؤاله عن حسن ما وعاه وسمعه وجليل ما حفظه ولقنه من كلامه فى خطبته وتصرفه فى حسنه عجز عن بلوغ كنهه لسانه ولم يؤده شرحه وبيانه ففزع فى وصف ذلك إلى قول من كان أقوم بوصف مثله وأشد استقلالا به وأحسن أداء له وهو حسان ابن ثابت فى وصف كلام جده عبد الله بن عباس نضر الله وجهه وصلى على روحه فانه قال فيه:
إذا قال لم يترك مقالا لقائل بمنتظمات لا نرى بينها فصلا
كفى وشفى ما فى النّفوس فلم يدع لذى إربة فى القول جدّا ولا هزلا
يقول مقالا لا يقولون مثله كنحت الصّفا لم يبق من غاية فضلا
[ ٢ / ٧٨ ]
وقد عمل عبد أمير المؤمنين أبياتا فى وصف ذلك جعل أمام مدحه تشبيبا لم يخله من تشبيه مبتدع ومعنى منتزع، إذ كان الأمر قد تقدم إليه أن يجعل ذلك فى صدور قصائده، وأوائل مدائحه وهو يأمل أن يقع من استحسان سيده بحسب تفضله عليه، واصطناعه أياه والأبيات:
أسرّك يا مناى ولا أسوك وأنفى بالهوى عرض الشّكوك
وأحميك الّذى تخشين منه كما يحميك من عار أخوك
لقد بلّغت فيك مدى المنايا وما بلغت مدى عشر سنوك
ارى الهجران منك يحيل صبحى وما أذنبت ليلا ذا حلوك
ودهر الوصل يحكى لى ربيعا يشابه نبته خلى الهلوك
رياض نمرج الألحاظ فيها منوّرة الأعالى والسّموك
بهار قد حكى العشّاق لونا على قضب حكتهم فى النّهوك
وورد مثل خدّ منك راض جوار فم تبسّم عن مسوك
ويضحك أقحوان فيه يحكى لنا ثغرا تكشّف عنه فوك
تطلّع بين ذاك وبين هذا شقائق مثل أعراف الدّيوك
مداهن من عقيق نظّمتها يدا خرقاء واهية السّلوك
حلفت بغرّة الرّاضى فإنّى أراه حقيقة فوق الملوك
[ ٢ / ٧٩ ]
بأخّاذ لما يرجى ألوف وعيّاف لما يخشى تروك
عبوس فى انتهاك الملك فظّ وطلق فى مذاهبه ضحوك
نهوض بالخطوب إذا اعترته فراها هبّة السّيف البتوك
عشيق الملك جاء بلا كتاب يرجّى الوصل منه ولا ألوك
فمن للبخل يمسك ما حواه فما هو بالبخيل ولا المسوك
أجلّ النّاس آراء وعلما مقال ليس يقرن بالأفوك
وما أحياه من سنن تعفّت فدار صلاحها دور الدّموك
ركوب للمنابر سار قصدا إليها وهى حائرة السّلوك
فذّكرنا مقال منه فصل مقال المصطفى بحرى تبوك
فأطلع منه شمس الملك سعدا وكانت نحسة بشفا الدّلوك
لأعتمدنّ سير المدح فيه بإرقال يبرّ على الرّتوك
أحوك من القصائد وشى مدح تفضّله على الوشى المحوك
لقد فتك الزّمان بسوء حالى فأنقذنى من الزّمن الفتوك
فتأخر الجواب عنى يومين، ثم وافت رقعة يقول فيها قد استحسنت الشعر غاية الاستحسان، ورأيتك تكلفت فيه ما لا يجب عليك من لزوم الواو فى أرداف القافية ورأيت المدح مليحا قد وقع كله فى
[ ٢ / ٨٠ ]
القسم «١» ورأيت الأوصاف فى صدر الأبيات فى نهاية الحسن، تقدمت فيها كل من وصف ما وصفت، وخاصة بيت البهار لتشبيه شيئين فيه. وقد تأملت البيت الأخير وأنفذت إليك فى هذا الوقت ما تبنى به المنهدم من حالك، إلى أن تنجلى الهبوة التى نحن فيها إن شاء الله. ومع الرقعة صرة ديباج مختومة بخاتم راغب الخادم، فيها ثلاثمائة دينار.
وتنكر الساجية والحجرية للوزير، بعد أن صالحوا الخرشنى، ورجع الجميع إلى منازلهم. وانحدر الوزير إلى دار السلطان بأرزاقهم، فعرفهم أن لا مال عنده، فوثبوا به وقبضوا عليه، والسلطان يراهم.
فوثب ودخل وأمر راغبا أن يتسلم الوزير ويكون فى يده، وأن لا تجرى جناية عليه. ونهب الناس داره ودار ابنه الملاصقة لداره، وطرحوا فيها النار، ونهب جماعة من كتابه.
وأحضر أبو على عبد الرحمن بن عيسى فى هذا اليوم، فولى الوزارة وهو يوم الإثنين لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى بعد أن عرض السلطان الوزارة على على بن عيسى واستعفاه فأعفاه وكان من العجائب المشهورة أن دار ابن مقلة أحرقت فى مثل اليوم الذى أمر فيه بإحراق دار سليمان بن الحسن بباب محول، وفى مثل ذلك الشهر بينهما حول كامل، وظهر فى عشية هذا اليوم سليمان ابن الحسن والخصيبى.
[ ٢ / ٨١ ]
واستوحش الخرشنى لما فعله الساجية والحجرية. وتحول فنزل دار الحسن بن هارون، وشغل عن العامة فعاثوا، ثم صار اليه جماعة من الحجرية فحلفوا له أنه واحد منهم فرضى ورجع إلى داره وكتب على حيطان ابن مقلة:
أحسنت ظنّك بالأيّام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتى به القدر
وسالمتك اللّيالى فاغتررت بها وحين تصفو اللّيالى يحدث الكدر
وتحته «صنع بدارك مثل ما صنعت بدار سليمان» .
وحول ابن مقلة إلى دار الوزير أبى عبد الرحمن، فأحسن اليه وسلمه إلى هنكر وما كرد ليكون فى أيديهما، ويناظره سليمان فى الأموال بحضرتهما فى يوم الأحد لثمان ليال بقين من جمادى الأولى فى دار النوشرى بقرب الحبس.
واتصل بالسلطان أن أبا الفتح بن ياقوت قد حبب جماعة من الأولياء وحملهم على الفتك بالخليفة والبيعة لأخيه عبد الواحد، فقبض عليه بين يدى الخليفة؛ وثب به الخدم وحبسوه فى حجرة لأربع ليال بقين من جمادى الأولى. وصرف الخرشنى عن شرطة بغداد لليلتين بقيتا من جمادى الأولى، وولوا كاجو الجانب الغربى، وجعل الجانب الشرقى إلى أبى الفتح تتج الحجرى وأخيه أبى الفوارس سخر باس شركة بينهما.
وناظر سليمان ابن مقلة وانفرد له ابن الحارث فلقى ابن مقلة منه
[ ٢ / ٨٢ ]
عنتا وأعطى خطه بمال يقال إنه ألف ألف دينار، عنه وعن جميع أسبابه، أربعمائة ألف دينار منها معجلة ثم لم يحمل شيئا فحرك السلطان على بن عيسى واخاه الوزير فى ضمان ابن مقلة، فوجها اليه بالخصيبى فقرر الأمر على نحو الأول، على أن تقوم ضياعه وتؤخذ، وينجم الباقى فى سنتين.
وعز الخبز والدقيق فلم يوجد أياما ببغداد، ووقع فى الناس طاعون عظيم فتفانوا ببغداد وما سواها. وضرب الخصيبى ابن مقلة ضربا مبرحا، وأحاله على جماعة منهم ابن المغلس الفقيه فاعترف بخمسة آلاف دينار عنده لابنه أبى الحسين وأمر بحملها فحملها، ومات فى تلك الليلة من سكتة عرضت له، وكان فقيها على مذهب داود جدلا موسرا، وذلك لأربع خلون من جمادى الآخرة.
وفى هذا الشهر رخصت الأسعار، وبلغت الساجية والحجرية أن السلطان على الخروج إلى الموصل. فقالوا هذه حيلة علينا، وقالوا لجعفر بن ورقاء هذا عملك ثم بطل ذلك.
وتوفى يوم السبت لأربع خلوق من رجب أبو محمد العلوى الرملى ﵀، ولو قلت إنى ما رأيت أفضل منه فى دينه وزهده وكرمه، لما خفت إثما. ودفن ببراثا وكان من لم يلحق الصلاة عليه يصلى على قبره أياما.
وطلب سعيد بن عمرو بن سنكلا- عند ابى الحسن على بن عيسى وعند أخيه أبى على- ما كان يجده عند غير هما فعز ذلك عليه ولم يستحلا
[ ٢ / ٨٣ ]
أن يمدا أيديهما إلى أموال الناس. فحمل الراضى على عزلهما، فقض على عبد الرحمن يوم الإثنين لست خلون من رجب. وخلع على ابى جعفر محمد بن القاسم الكرخى وولى الوزارة، وكانت مدة أيام عبد الرحمن خمسين يوما، وسلم ابن مقلة إليه ليناظره، ووجدت له خزانة فى دار ريطة فيها ذهب وفضة ومتاع يساوى نحو مائتى ألف دينار وقبض على أبى عبد الله بن عبدوس وصودر على مائتى ألف دينار، فتكلم سعيد بن عمرو فى حطيطته والوزير يخالفه حتى شرق الأمر بينهما، فكان ذلك سبب زوال الكرخى وأدى ثمانين ألف، دينار وأطاق وصودر على بن عيسى وأخوه، وصرفا إلى منازلهما من دار الوزير. ومات أبو بكر بن مجاهد القارىء يوم الجمعة للنصف من شعبان، ولم ير مثله ولا رأى هو مثل نفسه فى علمه، وخلف مالا صالحا وورد تابوت جحظة من واسط، وكان شخص إلى ابن رايق. فيا بعد ما بين الإثنين! على أن جحظة كان أحذق الناس بصناعته، وكان له شعر صالح، وكان يروى أخبارا عمن رأى، ومات أيضا قريض المغنى، غلام محمد بن داود فى هذا الوقت.
وقبض على عبد الله بن يونس، وعلى ابن شبيب وطولبا بأموال فلم يوجد عندهما ما ظنه من يسعى بهما، فأخذ من الساعى بابن يونس مال وكان كالشريك له. وصودرا على شىء يسير وأطلقا. وصودر ابن مقلة فى شهر رمضان على مائة ألف دينار فإذا أداها أطلق، وضمن المال عنه ابن قرابة وحوله إلى داره. وتحقق ابن قرابة بأمر الوزير
[ ٢ / ٨٤ ]
الكرخى وغلب عليه، وورد الخبر فى شهر رمضان بقتل ياقوت قتله علمان اللوش البربرى فاضطرب الحجرية فوجه الراضى يحلف أن ذلك قد ساءه، وما كان له إذن. وضج الحنبلية فيه من أمر ابن شنبوذ، فحمل إلى دار السلطان ونوظر، والسلطان يسمع من وراء حجاب وتاب وحبس. واستتر الوزير الكرخى يوم الإثنين لثمان خلون من شوال وأحضر سليمان بن الحسن فخلع عليه للوزارة وانصرف إلى منزله يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال.
وفى هذا الشهر مات المعروف بزنجى الكاتب، وكان مقدما فى الكتبة مذ أيام أحمد بن محمد بن الفرات وهو الذى اصطنعه. وكان كاجو وينال انحدرا إلى ابن رايق، فوصلهما ورجعا ثم انحدر كاجو وماكرد وتكنجور وصافى قواد الساجية، وانحدر معهم أبو جعفر بن شيرزاد والحسن بن هارون وأبو بكر بن الصير فى انحدروا بخلع السلطان على ابن رايق ليكون أمير الأمراء، فوافت الأخبار إلى بغداد يوم الجمعة لسبع خلون من ذى الحجة بأن ابن رايق قبض على قواد الساجية فحبسهم وحبس معهم الحسن بن هارون، وتقطع أصحابهم وفروا وسلبوا ونهبوا.
وورد كتاب ابن رايق يعتد على السلطان بقتله أعداءه المارقة الطغاة قرىء على المنابر. ووافى بغداد لؤلؤ غلام المتهشم واليا الشرطة من قبل ابن رايق، فتسلم البلد يوم الخميس لثمان بقين من ذى الحجة، وبث خلفاءه فيه وعزل تتج وسخرباس، ودخل ابن رايق بغداد يوم السبت
[ ٢ / ٨٥ ]
لست بقين من ذى الحجة، وخلع عليه ونزل فى الحلبة فى دار السلطان وطالبه بالخروج إلى واسط ليتم تدبيره ويريحه من الحجرية. وورد خبر الطير من فاتك بأن صغار الساجية قصدوا داره لكبسها واستخراج قوادهم منها، وأنه رمى إليهم برءوسهم واستبقى الحسن بن هارون وصافيا وكان ابن رايق أنفذ محمد بن يحيى بن شيرزاد وقت قبضه على الساجية إلى بنى البريدى فى أشياء بينه وبينهم.