أنكر بجكم على الترجمان دخوله بلا أمر ورجوع الديلم، فأظهر كتابا عن تكينك يخبره بأن الأمير أمره بذلك، فكان ذلك مما أنكره الأمير على تكينك وما زال الترجمان ملازما بيته الى أن رضى عنه بجكم ووافت الأخبار بمصالحة ابن طغج لابن رايق ووردت الخريطة بتمام الحج، إلا ان الحسنى قطع على قوم منهم، وقد فصلوا من المدينة راجعين. وصلى بالناس عمر بن الحسن بن عبد العزيز. وكان صيغون
[ ٢ / ١٣٨ ]
قد طرده ابن رايق ولم يرده، فصار الى الحسن بن عبد الله، فلم يرض حاله عنده، فصار الى بغداد يريد بجكم فخرج بجكم الى النجاحى حتى تلقاه وأقدمه معه، وكانت ابنت الوزير ابن البريدى مسماة بابن أبى جعفر الكرخى، فزوجها من بجكم بحضرة الراضى، والخاطب القاضى، وابن شيرزاد الولى، وذلك فى صفر. وكان ابن شنبوذ محبوسا فمات فوجه به الى منزله وقد كانوا حذروه فى وقت ثم ردوه. وقتل العيار المعروف بالمسلمانى وصلب، أخذه رجل يعرف بأبى الحسين التودى فأمسكه وتكاثر العامة عليه. وولى الترجمان الشرطة، فاستخلف أبا بكر النقيب وقبض بجكم على ابن اسماعيل بن أحمد فى شهر ربيع الأول، لأنه واطأ جماعة على الفتك ببجكم بعد أن كان دعاه قبل ذلك إلى منزله حيال قصر عيسى، وجميع قواده، وأنفق مالا عظيما على الطعام والشراب والحملان للقواد والهدايا حملت مع بجكم وأفراس قيدت معه. ومات ابو عبد الله بن العلاء الجوزجانى المحدث لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وكان مسندا يروى عن أبى الأشعث ويوسف القطان وزيد بن أخزم الطائى. وصرف الحسن بن هارون عن الكوفة بأبى بكر البرجمالى. وحول بجكم الحبس السفلانى الى دار دينار ليعقد هناك جسرا، وبنى دكتين ولم يتم ذلك. وأخرج الراضى ابنيه الى داره بالرصافة ليركبا اليه، وبنى لهما طيارين كبيرين. واشتد أمر اللصوص وكبسهم الدور ليلا، بالعدة والعدد، وظفر بجماعة منهم فقتلوا وصلبوا. وصرف لؤلؤ عن طريق الكوفة، وولى مكانه عدل
[ ٢ / ١٣٩ ]
حاجب بجكم. وكان ابن شيرزاد قد خرج الى واسط فى استحثاث المال فقدم لثمان ليال بقين من ربيع الأول ومعه السكرى صاحب ابى الحسين البريدى بمال وهدايا. واتصلت الأمطار وزادت دجلة زيادة عظيمة لم يعهد مثلها. وأوقد بجكم بالزبيدية نارا عظيمة ليلة وبعض يوم، وشرب ودعا القواد. وتحدث الناس بأن السكرى صار الى دار البريديين التى خربت بسوق يحيى، فحفر موضعا منها فاستخرج خمسة قماقم فيها دنانير فحدرها معه. وكتب أبو القاسم بن أبى حامد رقعة الى بجكم تضمن فيها الخليفة وابن سنكلا وجماعة بخمسة آلاف الف دينار بخطه، فأمر الراضى بضرب عنقه، فشهد له القاضى بفساد العقل، فضرب دررا، وطيف به على جانب بغداد. وأدخل يالبا لعشر بقين من جمادى الأولى على فانج بنقنق لأنه اتهم بمشايعة ابن اسماعيل على الفتك ببجكم، وكان سبب أخذه أنه كتب- وكان يلى الرحبة أن ابن رايق يريده، فكتب إليه: انا موجه اليك بمدد فوجه بعدل فقبض عليه. وكبس الصقر بن محمد الكاتب وطولب بوديعة لبعض القرامطة، فحلف على بطلان ذلك، فسعى رجل بمال له مدفون فى داره فأخذ، وكان عشرة آلاف دينار ذخرا له ولولده، فجرى عليه ظلم رثى له منه عدوه وصديقه. وأحضر بجكم يالبا فوبخه وقتله.
وتوفى أبو سعيد الأصطخرى الفقيه يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة، ودفن بمقابر الدير، وكان رأسا فى حفظ مذهب الشافعى وحدث وكان ثقة.
[ ٢ / ١٤٠ ]
وتوفى بعد يومين أبو الفرج بن جعفر بن حفص الكاتب عن سبعين سنة وكان من أهل بيت كتبة. وأخرج بجكم الترجمان إلى الجبل ومعه جيش عظيم لأربع خلون من رجب. واتصلت مصادرة الناس فصودر ورثة أبى جعفر بن حفص على ثلاثة آلاف دينار ومات أبو الحسين بن المغيرة الجوهرى لتسع بقين من رجب، وقد حدث وكان ثقة. وأدخل جعفر بن ورقاء مائة نفس ونيفا من القرامطة من بنى سعد من طريق خراسان، فطيف بهم على جمال وحبسوا. وقدم رسول القرمطى مع عمر بن يحيى العلوى يطالب بمال عظيم كان أعطاه مثله البريدى فى العام الماضى حتى يحج بالناس، وأن يده لا تنال فى هذا العام ووجه بجكم إلى ابى الحسن الكرخى وأبى عمرو الطبرى فحضرا عنده فى ليلة جمعة فسألهما مسألة فى النبيذ وغير ذلك.
وتوفى القاضى عمر بن محمد ليلة الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت من شعبان وكانت سنه تسعا وثلاثين سنة، وبلغ فى العلوم مبلغا عظيما مع هذا السن، وكنت أنا كالمربى له، ولا أشك أنه قرأ على من كتب اللغة والأخبار، وكتبى المصنفة ما يقارب عشرة آلاف ورقة، وكانت له أشعار ملاخ وجوابات منى قد افردت لذلك كتابا فيه هذه الأشعار وفيه رسالة عملتها فى وصفه ووصف ابيه، وما تخلف عن جنازته احد من الأجلاء، ووجد الراضى عليه وجدا شديدا، حتى كان يبكى عليه بحضرتنا ويصفه ويقول: كنت أضيق بالشىء ذرعا حتى أراه فيوسعه
[ ٢ / ١٤١ ]
لى برأى يسير يشير به. وكنا ليلة بين يديه وستارته تغنى فامرهن بأن يضربن بالعيدان ففعلن وجعل يبكى حتى خفنا عليه، وجعلنا نعزيه ونقول ما يجب ان يقال مثله. فقال والله لا بقيت بعده، وصلى عليه ابنه ابو نصر فى داره وغسله أبو بكر بن عبد العزيز الهاشمى وولى الراضى ابنيه أبا نصر وأبا محمد وخلع عليهما فمرا فى الشارع فجعل إلى أبى نصر قضاء بغداد إلى المداين، وولى أبا محمد القضاء من المداين إلى البصرة وصار أبو نصر إلى مسجد الجانب الشرقى فى يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان فقرأ عهده، وحكم بين نفسين وانصرف وكان فيما كلم به الراضى حين ولاه: قد استوفى سيدنا الانعام وكمله وشيد بآخره أوله، فثبت الله وطأته وأدام دولته. وأريد من ابى نصر مال لبجكم فغرم وباع، ووقف على العدول والأمناء حتى أدى وكان النوروز يقع ليومين من شهر رمضان فقدم الخاصة إشعال النار قبل دحول رمضان، وأشعل العامة وصبوا الماء. وعزل غانم بن رحمة عن الشرقية للنصف من شهر رمضان، وصودر على مال. وقلد رجل يعرف بفضل فاضطرب الناس وعجبوا لذلك فعزل وولى رجل يعرف بالقابوس. وحمل مع رسول القرمطى مال ليحج الناس.
واتصل ببجكم رجوع الديلم وان الترجمان لما بلغه ذلك اقبل يريد حلوان فخرج مبادرا لاحدى عشرة بقيت من شهر رمضان، حتى لحق بالترجمان وقيل له ان بينه وبين الديالمة عقبة إن أخذوا مواضع منها لم يصل اليهم وانه يحتاج أن يأخذ فى طريق بعيد حتى تتم له
[ ٢ / ١٤٢ ]
الحيلة فوافى بغداد على الجمازات لخمس خلون من شعبان، لأنه اتصل به أن الراضى عليل، وكان اعتل فى هذا الوقت حتى طرح من فيه فى يومين وليلتين من الدم أربعة عشر رطلا، وشاهدنا بعض ذلك. وركب يوم الفطر إلى المصلى تكينك وأبو بكر النقيب، وانقطع الدم عن الراضى وصلح قليلا. وأخرج ابن مقلة ليلة الثلاثاء لاثنتى عشرة ليلة خلت من شوال ميتا من دار السلطان فدفن عند باب الفيل فسأل أهله فيه فنبش ليلة الجمعة للنصف من شوال وسلم إلى أهله فدفنوه فى مقابرهم.
وكان الراضى يقول لنا بالموصل أيام ظهور ابن رايق ببغداد: لو كان ذلك الفاعل حيا الساعة لأجلس خليفة، ولأخذ أموال التجار، فالحمد لله الذى حدث هذا وليس هو فى الدنيا- يردد هذا مرات لئلا نعلم أنه حى فى يده، وكذا كان يقول فى أمر القاهر، وحدثنا كيف عذب وكيف مات- حتى وجد حيا بعد وفاته، وكثرت الرفايغ الى بجكم من ظلم أصحابه للناس، فجلس للمظالم يوم الخميس لتسع بقين من شوال وبين يديه ابن شيرزاد فحمد فى جميع ما أمر به ونهى عنه.
وورد الخبر بهزيمة ابن طغج لابن رايق حتى صار الى دمشق. ومات أبو عبد الله المطيعى يوم الأربعاء لأربع بقين من شوال، ومولده سنة ثلاث وثلاثين، وكان مسندا ثقة. ومات أبو العباس الخصيبى لليلة بقيت من شوال فجأة بلا علة. وجلس بجكم للمظالم لليلتين بقيتا من شوال، ونظر فى ثلاثين رقعة، فجرى أمره فيها على سداد. ورجع رسول القرمطى بهدايا لبجكم، فيها فرسان لم ير مثلهما، ووفاه بحكم ما
[ ٢ / ١٤٣ ]
فى ماله، وأهدى له هدايا. وخرج الحاج فلحقهم عطش، ثم أغاثهم الله بمطر عاشوا به. واستبطأ السلطان ابن البريدى فى حمل المال وعزم بحكم على الانحدار، فقالوا كيف تقاتل من له اسم الوزارة! واستحضر سليمان بن الحسن للوزارة، وخلع عليه يوم السبت لثمان بقين من ذى القعدة، ومر فى الشارع وهنأه الناس. وخرج بجكم يريد واسط، فوجه بأربعة فيهم رفيق يالبا فطرحوا للسباع فى البركة التى بناها بالنجمى وقبض على ابن عبدوس بسبب غلام له يقال له بديع، كان فى جملة البريدى، وعلى أبى الحسن بن سهل لمصاهرته لهم. وكاتب ابن شيرزاد البريدى بالخروج عن واسط، وأشار عليه ألا يحارب ففعل، ودخلها بجكم فخلع على ابن شيرزاد خلعة حسنة، وقلده سيفين وسر أهل واسط ببجكم، وحدر حرمه اليه. ومات أبو بكر بن الأنبارى يوم الاضحى ودفن فى داره. ودخل الترجمان ولؤلؤ غلام المتهشم من طريق الجبل، الى بغداد يوم الأربعاء لاثنتى عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة. وظهر أبو عبد الله الكوفى، وانحدر الى واسط لسبع ليال. بقين من ذى الحجة ووافى واسط من المستأمنة من عسكر البريدى ابن صفراء فقلد يسكن وقطربل، ووافى حجرية، فأنفذوا إلى بغداد وقتل بجكم ابن الشابشتى الكاتب، وجد معه كتاب إلى أبى طاهر القاضى فانحدر أبو طاهر، وحلف أنه لا يعرف للكتاب سببا وتكلم فيه فنجا، وهو أهل ذلك لعلمه وفضله.
واستوحش أبو عبد الله بن أبى موسى الهاشمى من القاضى أبى
[ ٢ / ١٤٤ ]
نصر، وأشهد على نفسه ثلاثين عدلا أنه لا يشهد عنده أبدا، وكان انحرافه عنه أنه اتهمه بميل إلى أخيه أبى محمد، وأنه يسعى له فى ولاية بغداد. وأخذ ابن أبى موسى خطوط العدول بتقريظه وتعديله، ولعهدى بأبى عبد الله بن أبى موسى وهو مجتهد ليله ونهاره، فى أمر أبى نصر حتى تم له ما أراد. ما أعرته شهادة بذلك، ولكنى عرفته مشاهدة ثم إن أبا نصر أحضر العدول فأخذ خطوطهم بأن ابن أبى موسى غير موضع للشهادة وأسقطه.
وقبض على محمد بن القاسم بن سيما، بسبب أن ابن أخته مع البريديين فتكلم فيه وقيل: والله ما ابن أخته بقائد ولا محارب ولا كاتب، وإنما هو كالمضحك ومثل هذا لا يؤخذ أحد به، فخلى. وانحدر أبو محمد بن عمر بن محمد الى واسط واستحضر بجكم يحيى بن سعيد السوسى فأنفذه إلى السلطان يسأله إسعافه بمائتى ألف دينار فوصل ومعه جماعة من الكتاب فأمرهم الراضى أن يعملوا له عملا من ضياعه المستخلصة بواسط ونواحيها بهذا المقدار ليأخذ ما فيها من غلة، فكان الأمر قريبا فأطلق الراضى ذلك له.